عودوا الى الكتاب

رحم الله الرئيس فؤاد شهاب يوم كان يلجأ الى الدستور على الدوام في معالجة ملفات عهده فيسميه بـ”الكتاب “… اين نحن اليوم من هذا الكتاب في عملية تأليف الحكومة التي باتت بمثابة معضلة لا افق لها بفعل التجاذبات والمداخلات لا بل التدخلات التي اطاحت ليس فقط بصلاحيات رئيس الجمهورية والرئيس المكلف بل وايضاً بقدرتهما الفعلية لا النظرية في ممارستها.

 

ان ازمة تشكيل الحكومة كشفت النقاب عن وجود خلل مثلث الاضلاع ليس في النصوص بل في النفوس: خلل في الثقافة الدستورية والالتزام بالنص الدستوري ممن يعتبرون انفسهم مؤتمين على العهد وحريصين عليه، فيشاركون من حيث يدرون او لا يدرون في افشال هذا العهد كما في إحداث خلل في احترام صلاحيات الرئيسين بقوة السلاح المعنوية والمادية والسياسية، ويناورون على النص الدستوري لفرض شروطهم ما يجعل الرئيسين المعنيين غير قادرين على حسم هذا الصخب والضجيج لان كل منهما مقيد باعتبارات وحسابات.

 

عندما تنص المادة (53) على صلاحيات رئيس الجمهورية والرئيس المكلف بدءاً من صلاحية أن يسمّي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلّف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب، استناداً إلى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسمياً على نتائجها، ثم يصدر مرسوم تسمية رئيس مجلس الوزراء منفرداً ومن ثم يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة، نستنتج وضوح الآلية ووضوح النص الدستوري الذي لا مجال للاجتهاد امام صراحته: فعلى الاحزاب والكتل والقوى السياسية تقديم اسماء وزرائها للرئيسين فقط وعلى الرئيسين توزيع الاسماء واسقاط الحقائب عليها وفقا لما يتوافقان عليه.

فالآلية الدستورية لا تقبل بان تقدم الاحزاب والقوى والكتل النيابية على فرض اسماء وحقائب واعداد … وهنا مكمن المشكلة.

 

هذا التعدي السافر والمفضوح على الدستور عرّض ولا يزال البلاد لازمات وتداعيات خطيرة وليس فقط لاعراف جديدة، وليس لأحد الحق الدستوري والقانوني في الزام الرئيسين بتشكيلات وزارية او حصص وزارية او حقائب وزارية، كما ليس من حق احد دستورياً وقانونياً ان يمتنع عن التعاون مع الرئيسين في منحهما اسماء وزرائه، ولا يحق لاحد ان يتفلت من النص الدستوري تحت اي ظرف او سبب بحجة او من دون حجة.

 

اخطر ما يحصل حالياً في موضوع التأليف ان البلاد وصلت الى حال من الفوضى الدستورية والسياسية حيث بات بامكان اي فريق او طرف تعطيل ليس فقط الحكومة بل الدولة وعجلتها، في وقت يئن المواطن تحت وطأة المأساة الإقتصادية والمالية والمعيشية وتتداعى هيكليات الدولة ومؤسساتها وينخر الاهتراء خلايا الحياة العامة.

 

نحن اليوم امام دستورين: دستور مكتوب ينحر ودستور عرفي يحتجز البلد ويأخذه  الى المجهول، والاخطر من هذا ان الدستور العرفي هو الذي اطاح بالدستور المكتوب بغياب اليات مراقبة ومحاسبة اولها مجلس دستوري يجب ان تناط به سلطة القاضي الدستوري الاعلى المنزه والمتسامي والمستقل والسيد والذي يلتزم جميع اللبنانيين من احزاب وقوى وكتل برأيه الدستوري ويحتكم اليه الحاكم عند اي اشكالية دستورية كما هي الحال اليوم.

 

اين المرجع الاعلى في الدولة؟ اين المرجعية الدستورية؟ هل يحكم بلد كما يحكم لبنان بالعشائرية والزبائنية والمحاصصة والاطاحة بالدستور من دون رقيب ولا حسيب ولا قاضي يفصل ويلزم الجميع  في خضم هذه الفوضى الوطنية العارمة؟

 

الحكومة تشكل بقرار من الرئيسين وفقاً لصلاحياتهما الدستورية وتضع بيانها الوزاري وتعرضه على مجلس النواب لنيل الثقة، فان نالتها حكمت وان لم تنلها سقطت، لنعود بعدها الى استشارات نيابية جديدة والية تشكيل جديدة وفق قواعد الدستور. هذا هو المنطق الدستوري السليم.

 

طبعاً لا نغفل الاهداف والاستراتيجيات والنوايا التي تقف وراء التعطيل ولا نتجاهل وجود حسابات اقليمية لدى بعض الافرقاء وفي طليعتهم حزب الله ونريد ان نصدق ان لا حسابات خارجية في عرقلة التشكيل، الا انه يبقى على الحزب ان يتذكر ان في لبنان، لا يستطيع فريق ان يفرض على الاخرين وجهة نظره ولا يمكن ان يكون غالب ومغلوب ولا يمكن بالتالي لاحد ان يفرض اعراف وتقاليد تضرب عرض الحائط بالتوافق الوطني والتوازنات الداخلية مهما اختلت موازين الاقليم والمحيط.

 

من هنا الصرخة المدوية بالعودة الى الكتاب ووقف هذا المهرجان الدرامي الهزلي المقيت والمقرف. العالم ينظر الينا نظرة ازدراء وشفقة على شعب لا يستطيع حكم نفسه بنفسه ودولة لا تستطيع فرض هيبة الدستور والقانون والمؤسسات ووطن بات في مهب الرياح العاتية من الغرب والشرق، لان ابناءه يتناتشون ثيابه ويقترعون عليها فلا يرون فيه الا مغانم وجشع وتصفية حسابات وفساد وافساد.

عودوا الى الكتاب قبل ان يذهب لبنان وينهار البنيان على الجميع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل