كيف تواجه اليابان تحديات الثورة الصناعية القادمة

كانت فكرة حمل جهاز واحد يشمل مزايا كمبيوتر متطور وكاميرا وهاتف في الجيب مجرد خيال علمي. ثم أنتجت الهواتف الذكية، وأصبحت في كل مكان، وهي تزداد ذكاءً مع كل جيل جديد يتم إصداره. تخيل أن يكون هاتفك قادرًا على تشخيص معظم أمراضك مما يوفر لك رحلة إلى الطبيب، ثم ترسل لك الصيدلية المركزية الدواء المناسب لعلاجك.

هذه الأفكار لم تعد مجرد أمنيات بل هي جزء من مستقبل غير بعيد ومن الوارد جدا أن تتحوّل إلى حقيقة، ومع بداية عام 2019 تستعد الحكومات وشركات التكنولوجيا للعمل على مزيد من تطوير وابتكار اختراعات تقنية تنتمي إلى القرن الـ21، من شأنها أن تغيّر مختلف جوانب الحياة اليومية للبشر.

ويؤكد خبراء أن تحقيق اتجاهات التكنولوجيا في عام 2019 سيكون عبر الذكاء الاصطناعي، والسيارات ذاتية القيادة وبرامج المساعدة الرقمية.

أصبحت عبارة الذكاء الاصطناعي تتردد حاليا على كل لسان، ومن ناحية أخرى وافقت الحكومة الألمانية على إستراتيجية في هذا القطاع وعلى ضخ استثمارات تبلغ مليارات من اليوروهات لتطويره، على الرغم من أن التعريف الدقيق له ليس واضحا إلى حد ما. وفي الوقت الحالي يشير الذكاء الاصطناعي في الأغلب إلى قدرة الآلة على محاكاة العقل البشري، بمعنى تصميم برامج كمبيوتر يمكنها أن تتعرّف على النماذج في البيانات وتخرج باستنتاجات من تحليلها.

ويستخدم الذكاء الاصطناعي على سبيل المثال في تحسين نوعية الصور، وكذلك الإسراع بعمليات الحصول على المعلومات من محركات البحث على الإنترنت، أو اقتراح تسوّق سلع معيّنة للراغبين في الشراء من المتاجر الإلكترونية، كما أن التعرّف على الأصوات هو أحد الأمثلة للمهام المعقدة للذكاء الاصطناعي، حيث أن البرنامج يجب أن يكون قادرا على تحليل الصوت وبنية الجملة المنطوقة والنص.

ويواجه قطاع النقل عملية تغيير واسعة النطاق بتطوير السيارات ذاتية القيادة، وأصبحت شركة “وايمو” -وهي فرع من شركة غوغل-

الأولى من نوعها التي تعرض سيارة أجرة ذاتية القيادة وإن كانت قد طرحت بشكل أولّي بضاحية من مدينة فينسك بولاية أريزونا الأميركية، وتستعد شركات أخرى للقفز والدخول في هذا المجال: شركات صناعة السيارات وشركات توريد المكوّنات، وكذلك شركات النقل التشاركي عبر تطبيقات على الإنترنت مثل أوبر وغيرها من الشركات الناشئة الأقل شهرة، وقد يكون عام 2019 هو العام الذي توضع فيه فاعلية وجودة تقنياتها والحلول التكنولوجية محلّ الاختبار على أرض الواقع.

أما في ما يخص الدفع غير النقدي والتحويلات المالية عبر الهاتف المحمول يمكن لكثير من الأفراد في ألمانيا من الناحية التقنية بالفعل استخدام هواتفهم المحمولة بدلا من البطاقات البنكية في معاملاتهم المالية، غير أن المستخدمين يشعرون بالحذر حتى الآن تجاه هذه الوسائل، خاصة في ألمانيا التي لا يزال التعامل النقدي فيها أكثر رواجا مقارنة بكثير من الدول الأوروبية.

وسيثبت عام 2019 ما إذا كان تطبيقا “غوغل باي” و“أبل باي” سيزيدان من الإقبال على هذه التقنية، وما إذا كان اللاعبان الكبيران في مجال الهواتف الذكية يمكنهما إقناع معظم قطاع المصارف باستخدام أنظمة السداد غير النقدي التي طوراها، بدلا من تطوير الأنظمة الإلكترونية الخاصة بها في هذا المجال.

وستركز وسائل المساعدة الرقمية: كل من غوغل وأمازون في العام الجديد على إدماج وسائل المساعدة الرقمية التي يمكنها التحدث داخل كثير من الأجهزة على قدر الإمكان، بل إن أمازون تعرض فرن مايكروويف في الولايات المتحدة مدمجا فيه هذه التكنولوجيا، وتم تطوير نماذج أولية تسمح لوسائل المساعدة الرقمية بأن تضاف إلى جميع أنواع الأجهزة الموجودة حاليا، والهدف المتزايد هو السماح للأفراد بأن تصاحبهم طوال اليوم مثل هذه الوسائل الرقمية المساعدة.

هذه الحدود الجديدة المثيرة هي جزء من الثورة الصناعية القادمة، التي تبنى على فترة تغيّر سريع يقودها التقدّم في العلوم والتكنولوجيا. لكن بالنسبة للكثيرين، فإن مفهوم الآلات الذكية هو مصدر الخوف، فبهيمنتها على أعمالنا ومجتمعنا، قد تحمل معها أضرارا، وقد سبق أن حذّر خبراء من الاستخدامات الخبيثة للذكاء الاصطناعي حيث بإمكان الإرهابيين والمجرمين الاستفادة منها، فيما يعتقد آخرون أن “أنظمة الذكاء الاصطناعي مدربة على التفوّق على القدرات العقلية للبشر، دون إرشاد أو تقويم بشري”.

لكن اليابان، الذي يُظهر تطورها الرقمي المبهر أنها تقود الثورة الصناعية الجديدة، تعتقد أن ذلك لن يحدث فهي ملتزمة بتوجيه الثورة الصناعية نحو إنتاج مجتمع يتسم بالرعاية والتكنولوجيا الفائقة التي تخدم الإنسان، حيث يعيش الناس حياة صحية ومنتجة مع نسبة أقل من الخوف من الاضطرابات الناجمة عن التكنولوجيا.

وما يدعم توجّهات طوكيو أن العالم لا يزال في المرحلة المبكّرة من الثورة الصناعية، ومازال العلماء في بداية دمج الأنظمة الرقمية والفيزيائية والبيولوجية في محاولة لتحسين مستوى معيشتنا.

بينما تعمل العديد من البلدان على حلّ المشاكل المتأتية من التكنولوجيا، تلعب اليابان دورا رائدا في الابتكار العالمي مع افتتاحها يوليو الماضي لمركز جديد مخصّص لدفع نتائج الثورة الصناعية الجديدة، كما يقول كلاوس شواب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي.

وقال شواب في مقابلة أجراها مع مجلة فوربس الأميركية “يتابع العالم ما يحدث في السيليكون فالي في واشنطن، ولكنه ليس على علم بأن اليابان قد أنشأت مجتمعا ناشطا وناجحا”. فقد أظهرت الشركات اليابانية الكبيرة مرارا وتكرارا أنّ لديها قوة ابتكار قوية مما جعلها تضمن وجودها في الأسواق العالمية.

وزار شواب طوكيو لإنشاء مركز المنتدى الاقتصادي العالمي للثورة الصناعية اليابانية، وهو يهدف إلى بناء شبكة من المراكز والشركات حول العالم للتعامل مع تحديات إعادة توجيه الثورة الجديدة.

يؤمن شواب بقدرات اليابان على لعب دور فريد في هذا التحوّل لعدّة أسباب، ويقول إنّ الرؤية طويلة الأجل لرئيس الوزراء شينزو آبي وحكومته، والعلاقات الوثيقة بين المجالات العامة والخاصة لليابان، وانخفاض معدل البطالة، كلها عوامل تضع البلاد في موقع ملائم لتنفيذ التغييرات الاجتماعية بعيدة المدى للثورة الصناعية الرابعة.

والثورة الصناعية الرابعة هي التسمية التي أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، في عام 2016 على الحلقة الأخيرة من سلسلة الثورات الصناعية، التي هي قيد التنفيذ حاليا.

وتتميّز الثورة الصناعية الرابعة بالقدرة على رفع مستويات الدخل العالمي وتحسين نوعية حياة السكان عبر المنتجات التكنولوجية التي ستتمكّن من تقديم خدمات ومزايا جديدة للناس، كما أن الابتكار التكنولوجي في إطار هذه الثورة يقدّم حلولا تمكن من تحقيق مكاسب طويلة الأجل في الكفاءة والإنتاجية.

وكانت الثورة الصناعية الأصلية مدعومة باكتشاف المحرّك البخاري. ثم شهدت الثورتان الصناعيتان الثانية والثالثة توليد الكهرباء للإنتاج الضخم، والكمبيوترات وتكنولوجيا الاتصالات لتطوير العصر الرقمي. أما الآن فإنّ المحركات الرئيسية للثورة الصناعية الرابعة هي الذكاء الاصطناعي، والبيانات الرقمية، والتكنولوجيات المتقدمة التي غالبا ما تكون موضع جدل وخوف.

ويشير مورات سونميز، وهو عضو في المنتدى الاقتصادي العالمي لمجلة فوربس “لقد أنشأنا خليّة تعمل على تسريع التأثير الإيجابي لتقنيات الثورة الصناعية الرابعة على المواطنين والمجتمع بتوظيف تصميم يخدم الإنسان”. مضيفا “نحن نعمل على المستقبل من خلال التعلّم من الماضي”.

ويرى سونميز أن “خلايا التفكير” قد أصبحت اليوم “خلايا التنفيذ”. ويستشهد بمثال من أفريقيا، وهي معضلة رواندا، حيث يصنع البلد الجبلي تحديات في توزيع الأجهزة الطبية ومنتجات الدم.

وقد قام التحالف العالمي للقاحات والتحصين بتمويل شركة ناشئة دون طيار لنقل الدم إلى العيادات في أقل من 30 دقيقة. وساعد المشروع في إنقاذ حياة 929 امرأة في عامه الأول. كانت تلك نتيجة إيجابية. ولكن استخدام الطائرات دون طيار أثار قضايا أخرى: كمنع القرصنة، وحماية البيانات، وضمان عدم تدخل الطائرات دون طيار مع الطيران المدني.

وعمل مركز الثورة الصناعية الرابعة في سان فرانسيسكو مع الحكومة الرواندية لصياغة وتمرير لوائح الطائرات دون طيار في تسعة أشهر حتى تستفيد البلاد من البرنامج، في محاولة لسدّ ما يسمّى بفجوة الحوكمة.

براعة طوكيو في مجال الطب الدقيق

كيف يمكن لليابان أن تقود الطريق في توجيه الثورة الصناعية الرابعة لتحقيق مستقبل أفضل؟ من بين المساهمات العديدة الهامة التي يتوقعها المنتدى الاقتصادي العالمي تلك المتأتية من اليابان. وفي حين أن اليابان هي الرائدة في مجال تكنولوجيا السيارات، فإن براعتها في الطبّ الدقيق لا تقلّ أهميّة.

أصبح الطبّ الدقيق معروفا على نطاق واسع عندما ذكر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أهمية هذا المجال. ويوصف الطبّ الدقيق بأنه “نهج ناشئ لعلاج الأمراض والوقاية منها، يأخذ بعين الاعتبار التغيّر الفردي في الجينات والبيئة وأسلوب الحياة لكل شخص”. وأصبح هذا المجال النهج الجديد الذي سيسمح للأطباء بمعالجة الأمراض والوقاية منها بشكل أكثر دقة.

وقد استخدم الطبّ الدقيق في أمراض مثل البدانة، لأنها أصبحت أكثر شيوعا على مستوى العالم. ويعتقد أن هذه الأمراض ناجمة عن التفاعل المعقّد بين علم الوراثة والبيئة. لفهم هذا، يركّز الباحثون على المؤشرات الحيوية، التي تلعب دورا أساسيا في الطب الدقيق.

استنادا إلى تحليل البيانات الدقيقة، يمكن للباحثين تحديد المؤشرات الحيوية وتقدير مخاطر إصابة شخص معيّن بالمرض. وبالتالي، يتطلب الطب الدقيق بيانات من حيث الكمية والنوعية. ومن المتوقّع أن تُطوّر اليابان هذا المجال قبل الدول الأخرى.

تعمل اليابان بكثافة على تطوير الطبّ الدقيق كما هو الحال في مشاريع أخرى، مثل استخدام المركز الوطني للسرطان لجمع البيانات لدراسات الأورام لإيجاد مؤشرات حيوية جديدة. كما تعمل اليابان على تطوير فهم المؤشرات الحيوية للسكتة والفشل الكلوي. أحد الأسباب التي دفعت مثل هذه المشاريع إلى الأمام بسرعة في اليابان هي شيخوخة السكان وتقلّص عدد العاملين فيها. ويعطي المجتمع المتقدّم في السن وتزايد حالات الأمراض الباحثين اليابانيين وكذلك الشركات فرصة كبيرة لتطبيق الطبّ الدقيق بنسبة أكثر.

يتوقع مورات سونميز تطوّرا تكنولوجيّا في اليابان. ويقول إنّ “اليابان هي ثالث أكبر اقتصاد في العالم ولديها الفرصة لإنشاء بنية تحتية، ونظام تشغيل، ووضع سياسات البيانات لتحسين حياة مواطنيها وخلق فرصة للابتكار”. وأضاف أن “اليابان لديها إمكانات كبيرة على عكس بعض الدول الكبرى الأخرى. فهي لم تطبق قوانين البيانات التقييدية، وجمعت قدرا كبيرا من البيانات عالية الجودة”. وباعتبارها “خلية تفكيرية”، فإن العالم ينتظر إنجازات عديدة من مركز الثورة الصناعية الذي أنشئ حديثًا في طوكيو، وخاصة مع دوره في استخدام الخصائص الفريدة لليابان لنشر استراتيجيات محددة لحل المشكلات للعالم.

ولضمان تعاون مثمر بين المنتدى الاقتصادي العالمي واليابان، عيّن المنتدى الاقتصادي العالمي مؤخراً ماكيكو إيدا، وهي مديرة تنفيذية في إنتل، كمسؤولة تمثيلية لمكتب اليابان في المنتدى الاقتصادي العالمي.

وتعتقد الحكومة اليابانية أن الثورة الصناعية الرابعة سوف تسفر عن جيل جديد من المجتمع. وبالمثل، تؤمن إيدا أن الثورة ستخلق عالما أكثر أمانا وأكثر سلماً حيث يمكننا العيش بأقل قلق من المستقبل. وترى أن تاريخ اليابان في تبنّي التكنولوجيا لتحسين المجتمع يمكن أن يساعدها في توجيه الثورة في الاتجاه الصحيح. وتؤكد إيدا أنّ “القدرات اليابانية هي مزيج سحري للتوصل إلى حلول محتملة للمشاكل المجتمعية مع التكنولوجيا بطريقة تفيد السكان بشكل أوسع”.

مما لاشك فيه أنّ الثورة الصناعية الرابعة التي تحدث اليوم تؤثر على الصناعات والطريقة التي نعمل بها وطريقة عيشنا. لكن اليابان تقدّم نموذجا مختلفا، إذ بإمكانها أن تكون أول دولة تقوم برقمنة مجتمعها، أو أول بلد ينشئ مراكز بيانات وطنية. ويستنتج مورات سونميز بقوله أنه “عندما يحدث ذلك ستصبح اليابان قدوة لبقية العالم. لهذا السبب نحن مهتمون باليابان”.

وتلتزم اليابان بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي بإنتاج ثورة صناعية ثورة تحمي الإنسان أولا من مخاطر التكنولوجيا دون تهديد مستقبل البشرية.

المصدر:
العرب اللندنية

خبر عاجل