#adsense

رغم التطمينات!

حجم الخط


منذ العام 2016، يجتاز الإقتصاد الإقليمي والعالمي العديد من التحديات. وقد بدأ بعض دول العالم بالتأقلم مع المتغيرات الإقتصادية والعمل على إعادة هيكلة ديونها بما يتماشى مع وضعها الجديد. فالدين العالمي العام “بلغ أعلى مستوياته منذ 2000″، وفق تقرير لمجموعة “يوروآسيا” صدر في 2017، بحيث تجاوز حاجز 225% من الناتج المحلي العالمي.

 

إعادة جدولة الديون أو إعادة الهيكلة  Debt Restructuring، هي عملية تفتح مجالاً للتفاوض على خفض ديون دولة تواجه أزمة مالية، وهدفها توفير السيولة لتمكينها من متابعة نشاطها المالي. ثمة أساليب أخرى شبيهة بإعادة الجدولة يمكن أن تلجأ لها المؤسسات المالية وقت الأزمات، مثل إستبدال الديون القديمة بأخرى جديدة. بمعنى آخر، يتمّ بإعادة الجدولة، تغيير بنود الدين المتعلقة بسعر الفائدة أو بآجال استحقاق الدفعات عبر تمديد فترة السداد أو بهما معا. لكنها تتمّ بإتفاق بين الدائن والمدين، وبناء على طلب المدين الذي يواجه صعوبات في السداد والوفاء بالتزاماته المالية.

 

في 1956، تأسس “نادي باريس” لمناقشة أزمة ديون الأرجنتين. وتضمّ هذه المجموعة مسؤولين ماليين من 20 دولة من أكبر إقتصادات العالم، وتقدم خدمات إعادة جدولة ديون الدول بدل إعلان إفلاسها أو تخفيف عبء الديون بخفض الفائدة عليها وإلغاء الديون. وغالبا، ما يتمّ التوصية بالدول المدينة أو تسجيلها في النادي عن طريق صندوق النقد بعد فشل الحلول البديلة للتسديد.

 

منذ أزمة الثمانينات المالية، إعتمد النادي أنماطا عدة من إعادة الجدولة، بما يتلاءم وحال كل بلد. وربما أهمها:

ـ البنود التقليدية: وهي الشروط التي رافقت إعادة جدولة ديون الدول طوال عقد الثمانينيات. لم تكن هنالك قواعد ثابتة للشروط، بل ترك الأمر للدائنين الذين قرروا في كل حالة، تمديد فترة السداد لمدد زمنية متفاوتة (من 9 إلى 15 سنة) مع فترة سماح أو بدونها.

ـ بنود هيوستن (1990): وتقضي بإعادة جدولة الديون لمدة تصل إلى 15 سنة أو أكثر، مع الافادة من فترة سماح لسنتين أو أكثر، واحتساب الفائدة وفقا لأسعار السوق على ألا تزيد على أسعار أصل الدين. وتشترط الا يزيد الدخل الفردي السنوي في الدولة المدينة على 2995 دولارا.

ـ بنود نابولي (1994): وتقضي بإلغاء جزء من ديون البلدان الفقيرة (67% حدا أقصى)، وإعادة جدولة الجزء المتبقي على 23 سنة مع فترة سماح لست سنوات، إضافة إلى تعديل أسعار الفائدة وفقا لأسعار السوق على ألا تزيد على أسعار أصل الدين المعاد جدولته.

ـ بنود كولونيا (1999): نصت على إلغاء 90% من الديون الموجودة في ذمة البلدان الأكثر فقرا في العالم، وإعادة جدولة الجزء المتبقي بحسب بنود نابولي. وقد حدّد صندوق النقد 41 بلدا في لائحة “الأكثر فقرا في العالم”.

 

لكن إعادة جدولة ديون الدول المعروفة بـ”الديون السيادية”، تترافق مع شروط قاسية تكون لها تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة، لأن أهم الدائنين الدوليين (أعضاء “نادي باريس”) يشترطون الموافقة المبدئية للمؤسسات المالية (صندوق النقد والبنك الدولي) على إعادة الجدولة، وتُفرض سياسات تقشفية تقضي بخفض الإنفاق العام ورفع الضرائب على الأفراد والشركات، مما يعمّق مشكلة المديونية بسبب تراجع النمو الناجم عن تدني مستوياتن الإستهلاك والاستثمار، وتترتب عليه كلفة اجتماعية وسياسية عالية، خاصة البطالة والفقر والإحتقان السياسي…

 

هل هذا ما ينطبق على لبنان؟

لا يختلف عاقلان على أن مسألة “إعادة هيكلة الديون” تُتخذ على أعلى المستويات وبعد نقاش ودرس مشبعين. فهي ليست قرارا لمسؤول ولا سبقا صحافيا. سأل كثر عن خلفية تصريح وزير المال علي حسن خليل: فهل كان مقصودا أم هو إلتباس ما بين “هيكلة” و”جدولة”؟ لكن، لا شك في أن التوقيت كان خاطئا. فهو أعقب موجة شائعات تغذّت سياسيا من واقع مالي وإقتصادي خصب، وتفشّت مع الفراغ الحكومي وحال الصدمة التي أصابت اللبنانيين ممزوجة بمشاعر يائسة مرتفعة المنسوب.

 

هل إهتزت الثقة بلبنان؟

قيل إن الأسواق أصيبت بموجة ذعر نهاية الأسبوع، تُرجمت بعمليات تحويل من الليرة الى الدولار ومن لبنان الى الخارج، وترافقت مع تراجع عائدات اليوروبوند اللبنانية وارتفاع التأمين عليها (كلفة المخاطر). وهذا أكثر من عادي في وقت يقف لبنان على حافة الإنهيار.

 

وقبل جسّ نبض الأسواق اليوم، كان جيدا الإجتماع الطارئ في قصر بعبدا أمس (يوم العطلة)، وضمّ الى رئيس الجمهورية ميشال عون، كلا من رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وزير المال علي حسن خليل، وزير الاقتصاد رائد خوري، رئيس لجنة المال النيابية إبراهيم كنعان ورئيس جمعية المصارف جوزف طربيه. الأهم، هو تأكيد وزير المال “أن موضوع إعادة هيكلة الدين العام غير مطروح، وأن الدولة اللبنانية ملتزمة الحفاظ على حقوق المودعين والمصارف وحملة مختلف سندات الدين السيادية، تقيدا بتسديد الإستحقاقات والفوائد في التواريخ المحددة من دون أي إجراء آخر. بحثنا تنفيذ الإصلاحات التي اقترنت بها موازنة 2018 وما إلتزمت به الدولة في “سيدر”.

 

تطمينات الأمس جيدة لكن ليست كافية. فهشاشة الوضع تحتاج حتما صدمة إيجابية، تكون بولادة الحكومة، وإن كان معظم اللبنانيين لا يؤمنون بأنها ستكون بوابة الفرج المنشود… وهذا ما يبرّر إتساع دائرة المطالبين بحكومة إختصاصيين مستقلّين، تكفل العبور الآمن للبلاد في هذه المرحلة، وخصوصا إن بقيت حكومة السياسيين الوفاقية ترجمة لإقتتال قائم على تقاسم المغانم وتناتش المكاسب على حساب إقتصاد لم يتجاوز نموّه معدل الـ1% في 2018!

 

ماذا يريد اللبنانيون؟ الجواب، في تحركات الشارع، حيث تبدأ المطالب ولا تنتهي رغم التطمينات!

المصدر:
AEN

خبر عاجل