“الرقص مع الأفاعي”… لبنان مهدَّد بالعزل؟

يبدو أن المنازلة المحتدمة بين رئيس الجمهورية ميشال عون ومعه رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل من جهة، وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري وحركة “أمل”، ومعها في المقعد الخلفي حزب الله من جهة أخرى، على خلفية دعوة ليبيا للمشاركة في القمة العربية الاقتصادية في بيروت، قد حُسمت لمصلحة أحد الفريقين.

لا تفيد المكابرة او المواربة ولا توسّل مساحيق التجميل ولا الخطابات الانشائية والكلمات الملتوية في انكار هذه الحقيقة الفاقعة الظاهرة للعيان، مع كل ما تحمله من وقائع مفجعة لمآل المؤسسات اللبنانية وحالها المتهالك من اعلى “اهراماتها” المتناحرة الى آخر “موقع مسؤول”.

ثبَّت “الثنائي الشيعي” رغبته وفرضها بواقع الكلام العالي اللهجة والتحذيرات من “6 شباط” وأكثر، فيما كان نواب “أمل” ومسؤولوها يؤكدون أننا “لن نسمح بمشاركة ليبيا في القمة، ولن نرضى ولن نقبل ان تطأ اقدامهم أرضنا مهما حصل”، والحزب يعلن “تأييده لبري كما دائما”. كل ذلك على وقع التحركات “المحدودة”، المترافقة مع نزع العلم الليبي المرفوع في مقر انعقاد القمة وتثبيت علم حركة “أمل” مكانه.

أمل البعض في أن يشكل اعتذار ليبيا عن المشاركة في أعمال القمة الذي أعلنه وزير الخارجية في حكومة الوفاق الليبيّة محمد سيالة “احتجاجا على إهانة العلم الليبي”، مخرجا من هذه الأزمة المتصاعدة ووقفها عند أعتاب التصادم المباشر على الارض من دون الولوج اليه.

لكن يبدو ان العلاقة المأزومة بين عون وبري منذ الانتخابات الرئاسية مع فترات هدوء متقطع، لن تعرف انفراجا قريبا، خصوصا مع استمرار التصعيد بين “أمل” وباسيل الذي بعث رسالة الى نظيره الليبي تأسف فيها “لعدم مشاركة ليبيا في القمة التنموية ونرفض بالمطلق الاعمال التي طاولت دولتكم والتي لا تعبر عن موقف لبنان”. ويأتي الاعتذار بعدما طالب المجلس الأعلى للدولة الليبية في بيان “جامعة الدولة العربية بموقف واضح من واقعة إهانة حركة أمل علم الدولة الليبية، واستبعاد لبنان من أي حدث عربي إلى حين تحمل السلطات اللبنانية مسؤوليتها”.

إلا أن أكثر ما يدعو للأسف والحسرة بالنسبة للبنانيين، هو هذا الاستسهال في الاندفاع لدى بعض من يحملون مقدرات البلاد والعباد بين أياديهم، نحو التصعيد المتفلت من أي ضوابط دستورية وقانونية ووطنية وسياسية، على الرغم من الاوضاع الخطيرة التي تشهدها البلاد على الصعيد الاقتصادي، والمخاطر الاقليمية المتحركة على خط الخرائط الجديدة (السياسية والميدانية) من سوريا الى العراق واليمن وصولا الى غزة مرورا بالحدود الجنوبية والتحركات والتهديدات الاسرائيلية للبنان. كل ذلك يجري والبلد من دون سقف يستظله في ظل عجز مستفحل عن تشكيل حكومة بدأ يطرق شهره التاسع!

لا يوجد لبناني مخلص لا يتعاطف مع قضية الامام موسى الصدر ورفيقيه ويطالب بكشف كل الحقائق المتصلة بها. هذا أمر مفروغ منه، ولا يجب أن يكون لحظة محل تشكيك او مزايدة او متاجرة من قبل أي طرف كان. القضية محقة ويجب أن تعالج كما يجب وحيثما يجب بحسب الاصول الدولتية. لكن المطلوب عدم خلط الامور ببعضها، والتعاطي مع كل القضايا المطروحة من منظور المصلحة الوطنية العليا وتحت سقف الدستور والقوانين المرعية الاجراء، وبما يحفظ الانتظام العام.

تهشّمت صورة الدولة اللبنانية وسقطت هيبتها “المتواضعة” في ظل كل ما يجري، وبدت ضعيفة هزيلة عاجزة أمام طرف سياسي بعينه حقق أجندته السياسية ورغبته الحزبية على حساب حضور الدولة ومرجعيتها المفترض الا نزاع حولها. وأسئلة كثيرة تطرح حول كل هذا التخبط:

كيف يستوي العمل والسعي لعقد المؤتمرات والقمم واللقاءات الدولية والعربية لمحاولة مدّ لبنان بشيء من اوكسيجين الصمود لمواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي بلغت حد الانهيار، مع هزّ صورة الدولة واسقاط هيبتها، وعدم التعاطي بالجدية المطلوبة مع المترتبات البديهية لإنجاح هذه القمم؟ وأي فائدة يمكن ان يجنيها لبنان من القمة الاقتصادية بعد كل ما حصل ويحصل؟

أيضا، أي ثقة يحاول المسؤولون اللبنانيون على المستويات كافة استعادتها، وكيف يمكن للمجتمع الدولي والعربي والدول المانحة أن تثق بمسؤولين يتعاطون بهذه الخفة مع الاوضاع الكارثية التي تعانيها بلادهم، خصوصا مع التحذيرات الدولية المتكررة بضرورة الاسراع في الخروج من هذا النفق وتشكيل حكومة فاعلة وجدية واقرار الاصلاحات المطلوبة، والا فالمساعدات لن تجد طريقها الى لبنان مع تحديد الوجهات البديلة نحو الأردن والمغرب وبلدان إفريقية أخرى؟

وبعد، الى اي حد يمكن فصل هذا التصعيد عما سبقه من محاولات الدفع باتجاه التطبيع مع النظام السوري منذ أشهر، تحت شعارات المصلحة اللبنانية “والضرورات الاقتصادية” وربط البعض للعرقلة الحكومية بهذا الموضوع، وسط الترويج لانتصار مزعوم لمحور معين في المنطقة وضرورة مواكبته والاستفادة من الاعمار الموعود في سوريا؟ على الرغم من المآسي التي تسبب بها هذا النظام للبنانيين من اغتيالات وموت ودمار وخراب على مدى ثلاثين عاما، واستمرار اعتقاله للمئات منهم، ورفضه معالجة هذا الملف بالتحديد او حتى الافصاح عن أي معلومة حول مصيرهم، من دون ان ننسى الملفات الارهابية المتورط بها، ومسجدا التقوى والسلام وميشال سماحة ليسوا من الماضي السحيق!

وألا تسري “الضرورات الاقتصادية” ذاتها على ما يتصل بتخريب علاقات لبنان الاقتصادية مع دولة او دول عربية عدة وتهريب الاستثمارات، والمغامرة بالتسبب بإقفال أسواقها تجاه المنتجات اللبنانية على اختلافها، ان وضعنا النظام السوري في كفة وسائر الدول العربية في كفة أخرى، ناهيك عن مئات آلاف اللبنانيين العاملين في هذه الدول وتحويلاتهم التي تُضخ في الاقتصاد اللبناني بمعدل 4 مليارات دولار سنويا وأكثر؟

وهل يمكن اغفال التصعيد القائم بين واشنطن وطهران على وقع العقوبات المتنامية على إيران وحزب الله؟ والى اي حد يمكن فصل ذلك عن التأزم في الملف الحكومي؟ وهل ما يجري هو حلقة من ضمن سلسلة لسيناريو خُطط له بدقة ويتم تنفيذه حلقة تلو أخرى لتغيير طبيعة النظام والدستور والصلاحيات عن طريق القضم وفرض أعراف جديدة إن تعذر الأمر عبر النصوص؟

الاوضاع تتجه الى المزيد من التأزم والتصعيد، إقليميا وداخليا. والسؤال الخطير الذي يفرض نفسه على وقع الطلب الليبي الخطير: ماذا لو استجاب العرب للمطلب الليبي وتضامنوا مع طرابلس؟ ماذا لو سحبوا رعايتهم واحتضانهم للدولة اللبنانية اذا ما بقي التعاطي بهذا المستوى المتدني من المسؤولية مع خطورة الوضع؟ ماذا لو سئم العرب من المسؤولين وتعاطيهم المراهق اللامسؤول مع الدول العربية في محطات عدة؟ ماذا لو قرر العرب عزل لبنان فعلا؟ هل يملك اي من المسؤولين الذين يحاولون جرّ لبنان الى سياسة المحاور بعيدا عن سياسة “النأي بالنفس” وخارج التضامن العربي حلولا بديلة لمواجهة الاوضاع الكارثية المقبلة؟

الأكيد أن لبنان لم يعد يتحمل ولا يمكن استمرار الحال على ما هو عليه. وثمة من ينصح بعض الطامحين من جهة وبعض “مستشعري القوة” من جهة أخرى على حد سواء، بالعودة الى قواعد اللعبة اللبنانية، وعدم الغلوّ في السعي خلف طموحاتهم ومشاريعهم المستحيلة في بلد مثل لبنان، شديد الحساسية تجاه أي محاولة للإخلال بتوازناته الدقيقة، التي لا تحتمل الاهتزازات الكبرى و”الرقص مع الأفاعي” على أنغام “حاوٍ” من هنا او من هناك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانبة

خبر عاجل