#adsense

السينما اللبنانية لعام 2018… أوسكار جديد؟

حجم الخط

قبل سنوات قليلة جداً، تُعدّ على أصابع اليد الواحدة تقريبا، لم يكن لدينا في لبنان ما يسمّى بالصناعة السينمائية. كان لدينا مجرد فيلم أو فيلمين أو ثلاثة «إن شقت حالها» في السنة الواحدة. أما اليوم، وتحديدا سنة 2018، السينما اللبنانية أصبحت من جهة «عالمية» بالفعل والوقائع والجوائز والترشيحات، مع مخرجين أمثال زياد دويري ونادين لبكي، و»صناعة» محلية من جهة أخرى مع وفرة إنتاجات تخطت ال10 أفلام هذه السنة. رقم مرتفع بالنسبة للسينما اللبنانية التي بات يحسب لها ألف حساب، والتي تقوم على جهود فردية أو تمويلات خارجية، في ظل غياب الدعم المطلوب بقوة اليوم من الدولة.

جولتنا في ختام سنة 2018 ستكون مخصصة لأفلامنا المحلية فقط، فلا مساحات تكفي لنتكلم عن كل الأفلام اللافتة عالميا هذه السنة، في ظل الفيض من غيض السينما اللبنانية. هذه السينما التي قدمت لنا 11 فيلما عام 2016، و9 أفلام عام 2017، تخطت هذه السنة ال10 أفلام، والبداية طبعا من الإنجازات العالمية.

«قضية 23» و«كفرناحوم»

الفيلم الأول الذي رفع إسم لبنان عاليا جدا في أهم محفل سينمائي عالمي، الأوسكار، هو حتما  شريط المخرج زياد دويري «قضية 23». صحيح ان هذا الفيلم من إنتاج عام 2017، وفاز أيضا بجائزة أفضل ممثل في مهرجان البندقية في صيف 2017، ولكنه سار على سجادة الأوسكار الحمراء في 5 آذار 2018، محققا بذلك سابقة انتصار ثقافي وفني للبنان بفوزه بترشيح لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، وحصر الجائزة في الختام بينه وبين الفيلم الفائز A Fantastic Woman من تشيلي.

«قضية رقم 23» الذي قدّم للبنانيين جرعة أمل وفخر بإنجازات يحلم بتحقيقها في وطن يغتال أحلام أبنائه، شاركت جويل توما بكتابة نصه المتقن، وقام ببطولته كل من عادل كرم وكميل سلامة وكامل الباشا وريتا حايك وديامان بو عبود وكريستين شويري وجوليا قصار. وقد نجح الفيلم في تحقيق المعادلة الصعبة، أي نيل رضى الجمهور والنقاد  على حد سواء، فهو شهد نجاحا كبيرا في البوكس أوفيس، وقطف جوائز عالمية في كافة المهرجانات التي عرض فيها، خصوصا لجهة تميّزه إخراجيا وتقنيا ونصا وبنية وتمثيلا. وللتذكير «قضية 23» هو أول فيلم لبناني يقدم وجهة النظر المسيحية القواتية خلال الحرب، وينتهي بخلاصة تقول «لا أحد يحق له احتكار المعاناة».

الفيلم اللبناني الثاني الذي رفع إسم لبنان عاليا هذه السنة هو «كفرناحوم» لنادين لبكي، مع فوزه بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان السينمائي في أيار 2018، والذي لا يزال مستمرا في قطف الجوائز والترشيحات العالمية، وآخرها ترشيح لجائزة الغولدن غلوب عن فئة أفضل فيلم أجنبي، على أمل أن يحقق بدوره الإنجاز، فيتم ترشيحه للأوسكار عن الفئة نفسها، ليكون لبنان أول بلد عربي يرشح للأوسكار في سنتين متتاليتين.

فيلم»كفرناحوم» من نوع الدوكو-دراما للمخرجة نادين لبكي ومن إنتاج زوجها المؤلف الموسيقي خالد مزنَّر، ليس تحفة فنية بالمفهوم السينمائي، خصوصا من ناحية السيناريو والبنية، ولكنه استطاع ان يؤثر بالمجتمع العالمي لجهة تناوله موضوعا حساسا جدا هذه الفترة، يتطرق الى عالم الطفولة والمأساة التي تطاول الأطفال  كونهم نازحين، لا أوراق ثبوتية لهم ولا حقوق، سوى الشارع الذي يعرّضهم للتشرد والتحرش وسوء المعاملة.  وطبعا تألقت نادين باختيار بطلي فيلمها زين ويونس، من أولاد الشارع، لأنهما من دون أدنى شك سر قوة الشريط وقد منحاه المصداقية والواقعية والكمّ الهائل من اللحظات المؤثرة. كما ونجحت في خلق مناخ خاص بالفيلم، عوّض نواقصه. على رغم ان ما قدمته لا يشبه فعلا بيروت.

أفلام هادفة وغير تجارية

السينما الهادفة  كان لها موعد مع فيلم ديني تاريخي روحاني روائي طويل، أحنينا له الرأس يوم عرض، ليس إيمانا برسالته الدينية المؤثرة وحسب، بل إحتراما لمجهوده الفني والتقني والتصويري الذي حاكى العالمية. إنه فيلم «مورين القديسة المتنكرة»، عن سيناريو وإخراج لطوني فرج الله ومن إنتاج «الأكاديمية اللبنانية للسينما» (LFA) و»سبيريفيلم»،  ومن توزيع سليم رميا. وقد تولت تنفيذ الإنتاج والمشاركة في التمثيل، النجمة تقلا شمعون فرج الله، إضافة الى نخبة من أهم الممثلين الذين تألقوا جميعهم في تجسيد شخصياتهم، مثل كارمن بصيبص ومنير معاصري وأويس مخللاتي وحسن فرحات وسمارة نهرا ومنير كسرواني ورينيه غوش وأجيا أبو عسلي والقديرغسان مسعود.

وكان «مورين» نجح في تخطّي ما تعاني منه الأفلام الدينية عادة من ضغط الممنوعات والمحاذير في تعاطيها مع مواضيع لها علاقة بالله والقديسين والأنبياء، لأن رسالته تدور في مناخ من الإنسانية العابقة بالشجاعة والقدرة على تحمّل الظلم وتحدي الظروف في سبيل تحقيق الحلم الأغلى.

الفيلم يعتبر سابقة في عالم الأفلام الدينية  الطويلة من ناحية تنفيذه الراقي المستوى واحترامه المصداقية، خصوصا من الناحية التقنية والفنية على رغم بعض التطويل والبطء في الإيقاع، وعلى رغم التركيز على سرد القصة بإطار مشهدي رائع، أكثر من الاهتمام بإبراز التطوّر الروحاني عند شخصية القديسة. مواقع تصويره الجبلية والبحرية كانت ملائمة تماما لمجريات القصة، وديكوراته جدا ساحرة، مثل أزيائه الكتانية واكسسواراته والبيوت المعتقة، وكلها عوامل تدعو الى الإشادة بالإدارة الفنية (art direction) المميّزة جدا في هذا الشريط.

أيضا من الأفلام غير التجارية والمندرجة في خانة أفلام المؤلف، شريط «غود مورنينغ» للمخرج بهيج حجيج عن سيناريو له وللكاتب رشيد الضعيف، مقتبس عن حواريّة غير منشورة للضعيف، ومن إنتاج سام لحود وديغول عيد وبدعم من وزارة الثقافة ومؤسسة آفاق و Arab Film Institute. هذا الفيلم تمكّن من الفوز بجائزتين في مهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف قبل أقل من شهر، هما «أفضل نص» لرشيد الضعيف وبهيج حجيج، و»أفضل ممثل» للثنائي غابريال يمين والراحل عادل شاهين الذي توفي قبل صدور الفيلم بشهرين فقط.

الشريط يضيء على العمر الثالث، سن الشيخوخة ومخاوفه وهمومه، وهو الموضوع «المنبوذ» عادة في معظم الأعمال السينمائية العربية، التي تفضل قصص الحب والشباب. هذا الشريط يذكر بأغنية فيروز «في قهوة عالمفرق، في موقدة وفي نار» ولكن لن نجد في داخلها «عشاق اثنين صغار»، بل عجوزين بيروتيين في الثمانين من عمرهما أحدهما طبيب سابق والثاني جنرال متقاعد، معتادان تمضية الوقت المتبقي لهما على روزنامة الحياة، في شرب القهوة في أحد مقاهي العاصمة، وحل الكلمات المتقاطعة على صفحات الصحف الورقية التي باتت على حافة النهاية مثلهما، ومراقبة المارة ورواد المقهى. وينضم الى الثنائي العجوز، الشابان رودريغ سليمان بدور صحافي من رواد المقهى، ومايا داغر، بدور موظفة المقهى.

يدور الفيلم بأكمله داخل القهوة، بإيقاع بطيء كحياة هذين العجوزين، ويتنقل بين تجاعيد العجوزين ووجعهما وضحكاتهما، ويمرّ بين الطاولات  والجدران والرواد والذكريات، ثم يلقي نظرة خاطفة الى الخارج، قبل ان تعاود كاميرا ميلاد طوق رحلتها داخل المقهى.

سينما الكوميديا اللايت

إضافة الى هذه الأعمال المختلفة، إمتلأت صالاتنا هذه السنة بمجموعة أفلام، قليل منها جاد وهادف وغير تجاري، وأكثرها كوميدي وتجاري بحت. هذه الأفلام تراوحت بين الجيد والأقل جودة، وهذا طبيعي ودليل عافية.

من أفضل الأفلام الكوميدية اللافتة بفكاهتها ومضمونها وبساطتها وجرأتها هذه السنة، فيلم «خبصة» الذي لا يزال صامدا في صالاتنا حتى اليوم. الفيلم من إنتاج شركة «غودو فيلمز» ومن إخراج شادي حنا وبطولة جنيد زين الدين ورلى بقسماطي وعبودي ملّاح. أحداث الفيلم تدور بمعظمها في الليلة التي تقرر فيها نايلة دعوة أصدقائها وحبيبها الطفران والسابق فارس الى العشاء لتعرّفهم على زوجها المستقبلي سيلفيو الذي يرغب بإنجاب طفل منها.  وطبعا كما هو متوقع، الطبق الرئيسي خلال العشاء هو الكوميديا الساخرة المتبّلة بصلصة من المواضيع الحياتية والإنسانية التي يعيشها مجتمعنا مثل الحب والمساكنة والغيرة وعدم قدرة الشباب على الزواج بسبب الأوضاع الاجتماعية الكارثية، من دون إبتذال ومع كثير من الطرافة والواقعية. وطبعا ستتحوّل سهرة العشاء الى «خبصة» مع وصول والدي فارس الى بيت نايلة.

الفيلم عشاء سينمائي «لايت» بموضوعات «دسمة»، لافت بسلاسته وطرافته وأداءات نجومه، وهذا ما يثبت ان نجاح أي فيلم ليس حكرا على إنتاجات ضخمة، بل على موضوع بسيط وآسر معالج بشكل جيد، من دون مبالغات، ومع ممثلين طبيعيين في أداءاتهم.

من الأفلام الكوميدية الخفيفة والتي لا تبغي سوى تقديم الترفيه، شريط آخر صدر هذه السنة وميزته أنه «لا يقبض نفسه بشكل جدّي» وهو «ملا علقة» عن سيناريو وإخراج لبودي صفير، وإدارة تصوير للموهوب كمال بو نصار، وبمشاركة مجموعة ممثلين أمثال وسام صليبا وكارلوس عازار وتاتيانا مرعب وجاد بو كرم وعباس جعفر وبيار شمعون وغيرهم. تدور أحداث الفيلم حول قصة إبن نائب يستعد للزواج، ولكن صديقه ينصحه بالإستفادة من أيام عزوبيته المتبقية لمعاشرة فتيات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وعندما يتورط ويتم تهديده بفضح الشريط المصوّر، يلجأ الى صديقه لحل المشكلة.

أيضا ضمن هذه النوعية الخفيفة والترفيهية بامتياز يندرج الشريط الكوميدي الرومنسي «كذبة بيضا» من إنتاج جمال سنان ومن إخراج نبيل لبّس عن سيناريو لكلود صليبا، ومن بطولة  طوني عيسى وجيسي عبدو ووسام صباغ وبونيتا سعادة وأنطوانيت عقيقي وطوني شمعون. وتدور قصة الفيلم حول شاب فقير ومثقل بالهموم العائلية، يلتقي صبية ثرية، فيكذب عليها كذبة بيضاء، مدعيا أنه مهندس وثري. طبعا يركز الفيلم على الوضع الاقتصادي الصعب في لبنان وغلاء المعيشة، ولكنه جاء متوقعا بمعظم محطاته، كما لم يقنع ولم يقدم عمقا واكتفى بجعل البطل يربح ورقة يناصيب لتحسين وضعه.

وضمن هذه الفئة الكوميدية سنشاهد قبل أيام من إنتهاء سنة 2018، فيلمين جديدين هما «المهراجا» و»تايم أوت». الأول  من إنتاج شركة «فالكون فيلمز» لصبحي سنان، عن سيناريو للسوري رافي وهبي ومن إخراج فادي حداد.

«المهراجا» من بطولة الثنائي الناجح جدا معا، المغني زياد برجي والممثلة داليدا خليل، إضافة الى جوليا قصار وإيلي متري ودانا حلبي وعباس جعفر وإدمون حداد. زياد برجي سيؤدي على ما يبدو دور أمير هندي سيحضر من نيودلهي ليتعرف على داليدا خليل فيعشقها لكنها مخطوبة، فيحاول أن يغيّر حياتها لكنها تسبقه وتغيّر هي حياته.

أما فيلم «تايم أوت» فهو إنتاج شركة «إيغل فيلمز» لصاحبها جمال سنان، ومن إخراج السوري رامي حنا عن سيناريو لكلود صليبا، ويؤدي بطولته كل من النجم يورغو شلهوب بدور أستاذ مدرسة جدّي ونظامي، ونجمة شركة «إيغل فيلمز» ماغي بو غصن في شخصية  امرأة عفوية وغير نظامية تعيش وحدها في عالمها الخاص. شخصيتان متناقضتان تماما ستجتمعان، مما يعني مواقف مضحكة.

 

نديمان وثلاثة أفلام

من أفلام سنة 2018، ثلاثة من توقيع نديمين إثنين. الأول هو المنتج والمخرج نديم مهنا  الذي «طحش» بشريطين سينمائيين. الأول اجتماعي كوميدي يرتكز على مشكلات حياتية واجتماعية ومعيشية  لبنانية، قدمها فيلم «ساعة ونص» بأسلوب فكاهي. الفيلم عن سيناريو لكلوديا مرشليان، ومن بطولة عباس شاهين وتاتيانا مرعب ويحملنا في  مشوار طريق الخطيبين عباس وتاتيانا المضطرين لسحب الفيزا من السفارة الكندية التي ستقفل أبوابها بعد ساعة ونصف الساعة. ولكن ما سيعايشه الثنائي عباس شاهين وتاتيانا مرعب من عراقيل على طرقات لبنان، لن يسمح لهما بالوصول سوى الى حائط مسدود.

الفيلم الثاني الذي أنتجه وأخرجه نديم مهنا هذه السنة أيضا هو شريط أكشن بعنوان «مينك انت» مقتبس من مسلسله «سكت الورق» الذي وقع نصه الكاتب مروان نجار قبل ان يختلف مع مهنا. وطبعا لم يعرف الفيلم النجاح، فمن لم يشاهد المسلسل، لم يفهم شيئا من الفيلم المركب من مشاهد عديدة مأخوذة من المسلسل، أو مصوّرة خلاله، إضافة الى كمية كبيرة من مشاهد الحركة المحشورة حشرا في قصة لا تحتمل كل هذا الأكشن ولا تكفي وحدها لصنع نجاح الفيلم.

ويبقى فيلم آخر عرض سنة 2018 في بيروت، عنوانه «ببيروت» وهو أول فيلم طويل للمخرج وكاتب السيناريو نديم تابت الذي تطرق لحياة مجموعة مراهقين غارقين في الضياع ولا يتنفسون سوى الجنس والمخدرات والفشل في بيروت غارقة بدورها في الفوضى. الفيلم شارك في بعض المهرجانات مثل مهرجان دبي، ولكنه لم يستمر طويلا في الصالات اللبنانية، لضعف حملته التسويقية، إضافة الى إنتقادات طاولت مضمونه ومناخه السوداوي الذي لا يشبه بيروت.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل