هل الموارنة ضرورة؟

إنّ أقدم الكارزين بالإنجيل هم مسيحيّو الشرق، ولا سيّما موارنة لبنان المتجذّرون في الأرض التي نمت فوقها الكنيسة الأولى. ولطالما كان وجودهم، في مقابل ثيوقراطيّين غيرهم، شاهداً على الفداء، وهو أبلغ ثمنٍ يمكن أن يدفعه شعب من أجل هدفٍ سامٍ. أمّا الهدف فهو الحفاظ على دور حضاريّ تمدّني محوري يسهم في صياغة حالة ائتلافيّة إثنيّة، في غمرة المراحل التغييرية والتشرذميّة التي عصفت بالمنطقة، وفي مقدّمها مراحل التطرّف .

إنّ الموارنة في لبنان والذين تمسّكوا بهويّتهم الثقافيّة، أصرّوا على إبراز موقف دائم داعم للهويّة الوطنيّة والقوميّة، على عكس ما حاول البعض ترويجه عن انعزاليّة مسيحيّة وتقوقع مارونيّ. فالموارنة هم أكثر الشرائح قدرةً على الإندماج والتعايش مع غيرهم من المكوّنات الدينية والثقافية، بالرّغم من التحدّيات المتعاقبة ومخطّطات التّذويب، واستبداديّة الأنظمة التي استقصدت مصيرهم، وأحكمت قبضتها على وجودهم بهدف تفريغ الشرق منهم، ومن سائر المسيحيّين، الى دول الشّتات.

لقد كان للموارنة الهمّة الفاعلة لبناء كيان سياسي، لم يفتتحوه مسيحيّاً إقصائيّاً، بقدر ما صاغوه نموذجاً لعيشٍ فريد يسقط النماذج العنصريّة والأحاديّة العرق. وهكذا كان لبنان الذي أسّس لديمقراطيّة تكفل الحريّات وحقوق الناس، هذه التي افتداها الموارنة بشلاّل من الرجال ليبقى للكرامة في الشرق موطئ. ولم يتآمروا على قناعاتهم المسيحيّة وشهادتهم لفلسفة الصّليب لكي يكون وجودهم مضموناً أو أكثر أماناً، بين أكثريّات راود بعض مهووسيها الحلّ القمعيّ الذي لم ينجح سوى بتفشّي روحٍ جهاديّة مارونيّة إلزاميّة من أجل البقاء، ولصالح الجميع.

آمن الموارنة بالنّسيج الإنساني، بعيداً عن الفوارق المذهبيّة التي اعتبروها قيمة مضافة، لا سبباً للإحتراب والسّجال، ما شكّل التركيبة المعجزة للبنان على مرّ العقود. فالمذاهب ترسّخ التعدّدية وتجمع بين القواسم، وتحضّر لنهضة على أنقاض انحطاط البروتوتيبيّات والنمطيّة. من هنا، يرفض الموارنة مقولة اعتبارهم أقليّة عرقيّة في نسيج أكثري مغاير، فهذه محاولة سافرة لتقويض فرصة التعايش الأهلي والشراكة في الوطن والمصير. أمّا الخلل، ففي مقاربة موضوعيّة واحدة للشّركة، وإزالته لن تتحقّق إلاّ بالمزيد من الإنفتاح وإعادة التوازن بالتمثيل وبالحقوق. ويبدأ ذلك بهدم تبنّي المفهوم الملتوي للطائفيّة أو ما يعرف بالأنا الطائفية، أي الميل المتضخّم نحو طائفة بعينها، والمنطوي على نظرة دونيّة لغيرها من الطوائف، حتى غدت الطائفيّة اليوم معضلة عابرة للأديان والبلدان، واقتربت من أن تصبح، إن هي لم تصبح بعد، معضلة جيوسياسية .

لقد حدّد نهج الصّحابة سنّة العلاقة بين الإنسان والإنسان، فانطلقت مسيرة العيش المتكافل مرتكزةً على أساس واحد هو حفظ حقّ الكرامة الإنسانيّة. لكنّ الجهل البغيض بحقيقة الأديان، وكذلك الأنانيّات المنحرفة، حوّلت الأزمنة الى عصور ظلام، وساد الخطاب التكفيري المعمّق لهوّة القلق، فنشأ الخوف على رماد حوار الحضارات. وهذا الحوار هو ظاهرة مسيحيّة مارونيّة بالتحديد، ودعوة مسيحيّة مارونيّة ينبغي الترصد لها، لأنّها تستند الى مسلّمات إنسانيّة قوامها الإعتراف بالآخر واحترام رأيه. وما كان التحاور ليولد لو لم يكن الحضور الماروني موجوداً فاعلاً منفتحاً ومنخرطاً في همّ مجتمعه الوطني والمشرقي، وليس وجوداً تراكميّاً، ولو لم يكن الموارنة أيضاً هم المبادرين الى لمّ الشّمل، وفتح كوّة العبور الى الحريّة والديمقراطيّة والحقّ بالعيش الكريم .

لقد التزم الموارنة، انطلاقاً من تعليمهم، بشؤون الأرض لتحويلها الى ملكوت راقٍ، ولبنان أول الأرض. لكنّ الفعلة ينبغي ألاّ يكونوا قلّة أو من مذهبٍ واحد، ليسطّروا جميعاً سفر خلاص لبنان. فاعتبروا يا أولي الألباب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل