لبنان بين الحوار والصّراع

تنعقد اليوم في بكركي قمّة مسيحيّة مارونيّة تحت عباءة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الرّاعي. وذلك على وقع لهب من نيران الرّسائل السياسيّة في المنطقة التي اتّضحت معالمها، حيث بات موضوع تحجيم الدّور الايراني، العسكري والسياسي، هدفًا أميركيًّا تبذل الولايات المتّحدة جهودها كلّها لتطويقه تمهيدًا لإنهائه بالمطلق. فهل سيستطيع لبنان أن يخرج من عنق الزّجاجة الإقليميّة في هذه المرحلة بالذّات عبر ولادة قيصريّة للحكومة بعدما دقّت بكركي ناقوس الخطر الوجوديّ؟ أم أنّنا ذاهبون إلى مواجهة عسكريّة كبرى في المنطقة من خلال سعي الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى تشكيل حلف عربي، تشارك فيه كلّ من مصر والأردن ودول الخليج لتقود حربًا على إيران بالوساطة العربيّة؟

إنّ الطقس السياسي العاصف الذي يشهده لبنان في الأيّام الأخيرة إن دلّ على شيء فهو يدلّ على أنّ هذه العاصفة قد تصل إلى ذروتها في الأيّام القليلة القادمة. لكن ما يهمّنا كلبنانيّين انتهاء هذه العاصفة والدّخول بزمن الدّولة الدّستوريّة. وعدم دعوة لبنان إلى قمّة وارسو مؤشّر إلى أنّ الأميركيّين لا يريدون إقحام لبنان في صراع المنطقة. لكن ما يثير العجب والدّهشة إصرار بعض اللّبنانيّين على لعب دور أمّ الصّبي في صراعات الآخرين انطلاقًا من إقحام لبنان في هذا الصّراع.

وفي الموقف الأميركيّ توافق مع الموقف الروسي بضرورة تشكيل الحكومة لإنهاء الملفّ الحكومي الذي ظلّ خارج إطار البحث في القمة العربيّة المرتقبة السبت المقبل. وقناعة الأميركيّين تكمن في أنّ إضعاف أذرع إيران في المنطقة سينعكس إيجابًا على التيّار السيادي في لبنان على حساب ما يسمّونه عرضًا بمحور الممانعة. ولعلّ هذه المسألة هي عنصر الإطمئنان الوحيد وسط هذه العاصفة والتي قد تجرّ لبنان إلى ساحة الصراع الإقليمي.

ووسط هذه المشهديّة، تبقى دعوة بكركي اليوم هي الحدث. ولا تقتصر هذه الدعوة على المسيحيّين فقط، لو كانت كذلك من حيث الشّكل، لأنّ بكركي لم تكن يومًا للمسيحيّين فقط بل هي تتأهّب وتقرع ناقوس الخطر عندما يدهم لبنان الكيان بأسره. من هذا المنطلق، دعوة بكركي ستكون إلى استقامة عجلة الدّولة من خلال الانتهاء من ملفّ التشكيل الحكومي. مقابل ذلك لم تتردّد القوّات اللّبنانيّة في الدّعوة إلى تفعيل دور حكومة تصريف الأعمال وذلك مواكبة لهموم اللبنانيّين جميعهم.

إصرار التيّار السيادي اللّبناني على تحييد لبنان عن الصراع الدّائر في المنطقة يواجهه تيّار الممانعة بمزيد من الإقحام في صراعاتها. وهذا الإصرار هو إدراكًا لحقيقة هذا الصراع الذي قد يعيد لبنان إلى حقبة الاغتيالات وانهيار الهيكل على رأس الجميع. مقابل ذلك يبدو أنّ هذا الإصرار سيكون الورقة الضّاغطة بيد الإيرانيّين للتفلّت من كمّاشة الغرب.

من هذا المنطلق، يبدو أنّ الوضع اللّبناني قادم على المزيد من التأزّم لأنّ من يتحكّم بمفاتيح القرارات في لبنان هو خاضع لإرادة أسياده في المنطقة. لذلك، علينا كمسيحيّين لبنانيّين ضنينين على ما تسلّمناه من آبائنا وأجدادنا أن نسعى لتفعيل حضور الدّولة من خلال وجودها إقليميًّا كمركز للحوار العربي لنستطيع التوصّل في المستقبل القريب إلى دولة قويّة قادرة على فرض إرادتها حيث لم يجرؤ آخرون. فهل سيتمكّن لبنان من لعب دور رائد الحوار؟ أم سيتحوّل إلى ساحة صراع إقليميّ؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل