.jpg)
الى طاولة بيروت يجلس العرب في قمتهم الاقتصادية. اهلاً فيكن، هكذا نقول بلهجتنا اللبنانية المتميزة. للمرة الثانية منذ تأسيس القمة العربية العام 1945، يتوافد اليها الضيوف العرب، لكن هذه المرة كل شي مختلف. هي قمة تجلس ليس الى كرسي بيروت، انما الى مصائب مدينة كانت هي الحلم، كل الحلم، فنقلت عدوى جمالها الى عواصم العرب لتجلس بيروت الى خيباتها وتراجعها وتقهقرها الدراماتيكي بسبب بعض ناسها.
هدمت السياسة حلم المدينة وها هي تحاول افتعال الفرص لإنقاذ ما يمكن انقاذه. منذ تاريخ انعقاد القمة العربية الاولى العام 2002 تغير الكثير. يومها كانت البلاد تحت وطأة الاحتلال السوري، وكانت ثورة الارز بدأت ترسم ملامحها بخطوط المقاومة العريضة، لكن لم يكن لبنان يرزح تحت هذا الكم الهائل من الديون. وفي القمة الثانية التي تعقد يومي 19 و20 كانون الثاني 2019، نحن من دون احتلال عسكري غريب مباشر، انما اسوأ بكثير، نحن تحت وطأة ديون هائلة، واحتلالات غريبة ومحلية مقنعة وفي الاتجاهات كافة.
قمة عربية في لبنان وشو يعني؟ سأل اللبنانيون. وبماذا يفيدنا عقد قمة ونحن في قعر الايام؟ والسؤال الاكبر، من دفع كلفة استضافة الوفود؟ كم كلفتها؟ بسيطة، 15 مليار ليرة يدفعها لبنان من جيبه الخاص.
اسم الله! ومن اين لك هذا يا لبنان في عزّ حشرة الديون والاقتصاد المتهالك وخوف يقارب الذعر على الليرة اللبنانية؟! من اين لك هذا؟! سؤال كبير جدا في وطن أكثر من نصف ازماته سببها الفساد المطلق. من اين لك هذا وكيف هذا ولماذا كل هذا، ما عاد يهم، المهم ان القمة العربية في لبنان، ولو كانت الايام لا تزال هي الايام، لكان وقع الحدث من أفضل ما يكون على وطن يفتح أبوابه للعرب. وطن كان عنوان الانفتاح والحضارة والازدهار. وطن بواباته مفتوحة للعرب والغرب، قبلة العالم وحلم العرب جميعا، وقمة تتخذ فيها قرارات اقتصادية هامة من قلب العاصمة بيروت الى عواصمهم مجتمعة. اذاً ما المشكلة؟
في مؤتمر صحفي عقده مسؤولون اعلاميون وامنيون ومنسقو التحضير للقمة، وُضعت منطقة وسط بيروت المحيطة بالبيال حيث تعقد القمة، فيما يشبه حال الطوارئ حفاظا على امن الضيوف العرب. أنشأت هيكلية أمنية خاصة لتنظيم كل النشاطات المقررة والمرتقبة، والمحافظة على أمن جميع الملوك والرؤساء والأمراء الضيوف والوفود المشاركة طيلة فترة وجودها في لبنان، ولمنع أي خرق أمني قد يستهدف أمن القمة والمؤتمرين، كما ذكر في البيان.
امر طبيعي في مؤتمرات مماثلة، اذ ان امن الضيوف مسؤولية الدولة المضيفة، لكن ما لقي بعض الانتقادات من اللبنانيين يكمن في عدم السماح للمطاعم والمتاجر والمقاهي والقطاعات السياحية المحيطة بالمكان بفتح ابوابها وممارسة اعمالها كالمعتاد، الا وفق بطاقات خاصة تمنح لهؤلاء من اللجنة الامنية المختصة. واعلان اغلاق البقعة الامنية اعتبارا من يوم الجمعة لمدة ثلاثة ايام على ان يسمح بالدخول لحملة البطاقات الصادرة عن الهيكلية الأمنية – قسم إصدار البطاقات، ما اعتبره بعض اصحاب هذه المؤسسات انه يؤثر سلباً على اعمالهم وهم يعانون بالأساس كسادا، في الوقت الذي تأملوا فيه خيراً للاستفادة من زوّار هذه القمة.
“شخصيا اعتبر انه يجب استثمار وجود زعماء ورؤساء دول وامراء عرب في القمة العربية في لبنان بطريقة ايجابية، لان كل هؤلاء يمكن ان يوجّهوا بلدانهم لاحقا صوب السياحة في لبنان، ربما قد يكون هناك بعض التضييق على حركة القطاع السياحي لأسباب أمنية وهذا امر طبيعي جدا في هذه الظروف حفاظا على امن الشخصيات. لكن اريد ان اضع انعقاد هذه القمة في بيروت في خانة الايجابية التي ستظهر نتائجها لاحقا، وبالتأكيد من خلال السواح الذين سيفدون تباعا الى بلادنا بسبب الدعاية الايجابية عن لبنان التي سينشرها المشاركون في القمة وكل في بلده”، يقول رئيس نقابة اصحاب المقاهي والمطاعم والملاهي طوني الرامي في حديثه لموقع القوات اللبنانية الالكتروني.
كلام الرامي تناقض تماما وحديث رئيس نقابة اصحاب المؤسسات البحرية، اذ تساءل جان بيروتي “إذا الدولة عم تدفع من جيبتها 15 مليار ليرة كلفة القمة فما المردود على لبنان؟”.
بيروتي الذي يصر على انه يتكلم من موقعه كمواطن لبناني متضرر من الوضع السياسي في البلد وليس كنقابي، يعتبر اقفال وسط بيروت واخضاعه في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة لتدابير امنية اضافية لن تفيد لبنان بشيء بل على العكس تماما. “عن شو عم نحكي، عن بريستيج استضافة القمة للي كان من الممكن انو تستقبلها اي دولة اخرى قوية ولا تعاني اقتصاديا، ولا تهمها الكلفة ولن تتأثر بها اساسا، بينما انو يدفع لبنان هالمبلغ الكبير وبالتالي تتأثر كل القطاعات السياحية سلبا، فأين المردود الايجابي وأين الربح؟
ويتساءل في حديث لموقع “القوات”، “نغلق منطقة لنعقد قمة؟ نحن ندفع ثمن السياسة في لبنان وألف قمة لا تنقذنا بسبب خلافاتنا الحادة. بعدنا عم نحكي بلبنان الكيان والوجود، اي قمة بدها تنشلنا من هالصراع؟”.
“تصوّري بسبب خلافاتنا السياسية لدينا 17 ألف غرفة فندق لا نتمكن حتى اللحظة من اشغال حتى 50% منها، بينما في دبي لديهم ما يفوق المليون غرفة بنسبة تشغيل 86%، واعتبروا الامر ازمة. لا نحتاج لعقد قمم بل نحتاج وفاقا سياسيا، نحتاج الوفاء للبنان لضمائر عن جد حيّة لننقذ بلدنا”، على حدّ تعبير بيروتي.
اذاً، 15 مليار ليرة كلفة استضافة لبنان للقمة العربية، قد كان يجوز القول لا بأس بذلك على الاطلاق، فهذا امتياز للبنان، لكن سؤال هامشي “بريء” إذا جاز التعبير، يقول المسؤولون “الكبار” عندنا ان الدولة لا تملك حتى اللحظة كلفة انشاء معامل لفرز النفايات مثلا، علماً ان كلفتها لا تصل الى ربع كلفة تلك القمة، فمن اين “خلقت” تلك المليارات لتمويل القمة وهيك على غفلة؟!… ومع ذلك اهلاً بالعرب في ربوعنا.
