جعجع… و”زلزال معراب”

حبرٌ كثير سال منذ تلك الليلة في 18 كانون الثاني 2016 في قلعة معراب. ومحابر كثيرة لا تزال تنتظر دورها لتفيض بما فيها من حبر، سواء الاسود منه، أو ذاك المشبّع بالوجدان والضمير وعبء التاريخ والآلام والدموع.

ثلاث سنوات بالتمام والكمال مرّت على “زلزال معراب” المجيد. وقبل أن يرسم البعض علامات الذهول والتعجب، ربطا باللحظة الراهنة، فليقاربوا المسألة بشيء من الموضوعية، وسيكتشفون عندها ألا مبالغة في التوصيف، وأن ما بعد “اتفاق معراب” ليس ابدا كما قبله.

ما شكّلته المصالحة التاريخية بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر ذات 18 كانون الثاني، لم يكن أقل من زلزال هزّ في حينه الواقع السياسي اللبناني الذي كان لا يزال، في ذهنيات عدة، “رهينة” زمن الوصاية السورية في مكان ما، على الرغم من مرور نحو 13 سنة على اخراج الجيش السوري من لبنان إثر “ثورة الأرز” و”انتفاضة 14 آذار”.

خلط “اتفاق معراب” بين رئيسي القوات سمير جعجع والتيار، في ذلك الوقت، العماد ميشال عون الأوراق على الساحة الداخلية، ودفع جميع الاطراف السياسيين الى اعادة حساباتهم ومحاولة التكيّف مع المعطى الجديد الذي فرض نفسه على السياسة في لبنان.

معطى لم يكن بالإمكان تجاوزه بسهولة نظرا للحجم التمثيلي للطرفين المتصالحين، اللذين قررا طيّ صفحة الماضي الاليم والانطلاق لفتح صفحة جديدة من التعاون والتنسيق لاستعادة الدور السليب بفعل الوصاية السورية، وتصحيح الخلل في ميزان التوازن والشراكة الوطنية، والانطلاق لاعادة بناء الدولة والمؤسسات على اسس متينة بالتعاون والتوازي والشراكة الكاملة مع سائر الأطراف.

وتتأكد يوما بعد يوم عودة الحضور المسيحي بفاعلية إلى المشهد السياسي، وعودة المسيحيين إلى القيام بدورهم الوطني المؤثر في اللعبة السياسية بالشراكة الحقيقية مع باقي المكونات. ولا يمكن بأي منطق مقارنة حالهم اليوم بتلك أيام الوصاية السورية.

كما لا يمكن الانكار ان “مصالحة معراب” قلبت الامور جذريا في نواح عدة. وربما الاهم، ما أحدثته من صدمة ايجابية في الشارع المسيحي، والشعور العارم بالأمل الذي توقّد لدى المسيحيين، بعد عقود من الاحباط واليأس والعزل والتهميش نتيجة الاضطهاد الذي قاسوه بفعل نظام الوصاية الذي عمل خصوصا على سحق الدور الوطني المسيحي منذ بداية تسعينيات القرن الماضي بطريقة ممنهجة، قتلا ونفيا وسجنا وتهجيرا كي تسلس له السيطرة النهائية على لبنان وتأبيد “الطائف السوري”. وذلك لكون المسيحيين بنظره هم جماعة الحرية والمقاومة والدفاع عن السيادة الاشرس والأصلب بفعل التجربة والمسار التاريخيين.

من الاجحاف عدم ملاحظة النتائج الايجابية التي حققها “تفاهم معراب” على صعيد عودة المسيحيين الى لعب دورهم الطبيعي وانخراطهم في الحياة السياسية والمؤسسات على المستويات كافة. ما تحقق ليس بقليل: إنتاج قانون انتخاب جديد اوصل للمرة الاولى منذ العام 1992 ممثلين حقيقيين لهم الى مجلس النواب، وحضور فعلي في الحكومة، وانتخاب رئيس جمهورية… فليتذكر جميع المشككين، هذه كلها وغيرها كثيرة، كانت تتم بإشارة من ضابط مخابرات سوري، وفي أفضل الاحوال كانت تتم على هوى من كانوا “يملأون” فراغ السلطة بعد رحيل الوصاية.

يدرك محور الطامعين بلبنان ألا امكانية لتحقيق اطماعهم إلا بكسر شوكة المقاومين الحقيقيين التاريخيين لأطماعهم، وتفريقهم وشق صفوفهم، والذين يشكل المسيحيون نواتهم الصلبة بفعل الظروف التاريخية الموضوعية. من هنا، حاولوا بشتى الوسائل ولم يؤلوا جهدا لعرقلة المصالحة منذ اللحظات الاولى.

والمؤسف ان اكثر من قرأ الابعاد الاستراتيجية لـ”اتفاق معراب” وما يمكن ان يشكله من خطر حقيقي على اوهامه بإمكان معاودة محاولات السيطرة على لبنان في لحظة ما، كان نظام الوصاية وحلفاؤه و”أقرانه وخلفاؤه”. من هنا محاولاتهم المتكررة التي لم تتوقف يوما لفك الارتباط بين المتصالحين.

لكن، لا يزال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع متمسكا بـ”مصالحة معراب”، حتى آخر نفس. وفي الذكرى الثالثة تبدو لافتة تغريدته في وصفها “مصالحة تاريخية من أجل المستقبل”. عبارة ملؤها رجاء المؤمن، شاءها مطبوعة على صورة تجمعه برئيس الجمهورية ميشال عون، مع عرّابَي المصالحة وزير الاعلام في حكومة تصريف الاعمال ملحم الرياشي وأمين سر تكتل لبنان القوي النائب ابراهيم كنعان.

تغريدة أراد جعجع ان يؤكد من خلالها، مرة من جديد، الابعاد الاستراتيجية التي يراها ويؤمن بها لهذه المصالحة التاريخية، على الرغم مما شاب “الاتفاق” من عثرات.

كذلك، غرد وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الاعمال خليفة “الجنرال” في رئاسة التيار قائلا “في السياسة الكثير يتبدّل، أما المصالحة فهي فعلٌ وجداني أنجزناه معاً نحن والقوات اللبنانية، وهو أسمى من كل الاتفاقات. تحية لأرواح كل الشهداء ولهم نقول الا عودة عن المصالحة، بل للعودة الى اتفاقنا وروحيّته… ويبقى ان التنافس الديمقراطي لازم، ولازم ان يقوّينا لا ان يُضعفنا”.

صحيح أن آمالا كثيرة بُنيت على هذه المصالحة التاريخية، تحقق بعضها وتعذر البعض الآخر. وساهم “الشطط” واغراءات السلطة في انتكاسة أصابت الاتفاق، يأمل مخلصون كثر الخروج منها بسرعة والعودة الى “صفاء النوايا” الذي خيّم ليلة التوقيع عليه. وتكفي مقارنة بسيطة بين ما حققه في الاشهر الاولى بعد توقيعه وبين الحال اليوم، ليدرك من أخطأ خطأه الثابت.

فهل لا يزال إيمان ورهان جعجع في محله؟ وهل يمكن أن يتجسد كلام باسيل على أرض الواقع؟ وهل يمكن اعادة بث الروح وإنعاش “اتفاق معراب” من جديد؟ وهل يمكن في لحظة “صفاء” ما ان نشهد احياء جديدا لروحيته ونصوصه، خصوصا في ظل ما نشهده من تراجع وعرقلة وتعطيل وشلل يغرق الدولة والمؤسسات منذ لحظة وضعه على الرفّ، الامر الظاهر للعيان وغير الخافي على أحد؟

لا شيء مستحيلا متى صفت النيات، في السياسة وغيرها. وللتذكير، لحظة الصعود بدأت مباشرة بعد 18 كانون الثاني 2016، وفُتحت بعدها الطريق “السالكة والآمنة” من معراب الى بعبدا. وكانت الآمال كبيرة باستعادة دور وتوازن وشراكة لأجل لبنان، ولأجل اعادة بناء الجمهورية القوية ومؤسسات الدولة على اسس حديثة عصرية عمادها الاستقامة والشفافية والمصلحة اللبنانية العليا. أما الجمود والتعثر والعرقلة والتخبط والعجز، فهذه كلها بدأت في “لحظة تخلٍّ”، حين استسهل البعض الانقلاب على “اتفاق معراب”. علّ التجربة توقظ الجميع، ولتكن عبرة للمستقبل أنه، لا يمكنك يا انسان أن “تحفظ إيمانك” وأن “ترقص مع الشيطان” في الوقت ذاته.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل