وعاد الاخضر الى الحكمة

 

تدور الايام احيانا دوراتها المظلمة المريرة الصعبة قبل ان تعود وتلتحق بدائرة الحق. كان الزمن احتلالا سوريا بغيضا، كل شيء مقفل، الحدود المزنّرة بالأغراب، ومساحات الوطن أسيرة الظلم والاعتقالات والاغتيالات والعملاء. القوات في سجن الاضطهاد والحكيم في المعتقل، ونحنا هناك وهنالك نبحث عن واحات حريتنا نخرج ولو من خرم نافذة الى الحرية، فكانت الحكمة، وكان بريزيدان شويري، وكانت البطولات المستحيلة لذاك النادي بفضل حلم رجل لا يتكرر، انطوان شويري.

كنا نجلس في ليل الاعتقال نصرخ الحرية مع كل طابة تدخل السلّة، فنرتفع، نحلّق في الفضاء مع كل كأس بطولة رفعه ابطال ذاك الزمان، ونذهب جماعات جماعات ونجول في ليل الطرقات نزرعها شموسنا الصغيرة ونلبسها ارقام ابطال الباسكيت. وهي ليس لها سوى اسم ولون وقلب واحد، الحرية للبنان، الحرية للحكيم، النصر للقوات النصر للبنان.

كانت الحكمة حياتنا، متنفّسنا، املنا، رواية مجد من أمجادنا نعايشها ونرويها يوما بعد يوم، والعز ينهمر فوق رأس النادي انتصارات وانتصارات، كانت الحكمة المؤسسة الوحيدة الحرة المستقلة. كانت لبناننا الاخضر الصغير المتفلّت من نير الاحتلال السوري، وما كان الاحتلال اساسا قادرا على ضبط تلك الظاهرة الغريبة العجيبة، ذاك التعلّق والشغف من شعب بناديه. وكانت عين الغريب تتسع علينا، تزداد غضبا وحنقا، كانت تدرك ان الحكمة بالنسبة لشباب لبنان والقوات اللبنانية تحديدا، هي مشروع استقلال، تحرر من الهيمنة، هي مشروع لبنان. كانت تعلم ان الفريق الاخضر هو لبنان المتوثب على الثورة الاتية لا محال ومهما طال زمنها، كان الغريب يكرهنا ويكره ما نمثله ويكره الحكمة حتى الموت.

دارت الايام دورتها السوداء، وتوقفت الانتصارات، وكان العام 2004 آخر زمن انتصارات يدوّن في سجل النادي الأخضر. وانكفأ انطوان شويري الى خيبته وحزنه على ناد ما عاد مجرد ناد رياضي انما تحوّل الى ضمير شباب وقضية شباب وقضية وطن عنوانها الرئيس، الحرية للبنان والانتصار لأجله.

ومن ذاك التاريخ وتواريخ الفشل تتوالى، لم يتحرر النادي مع استقلال لبنان الثاني. اندحر الغريب وسجن النادي في أسر الفوضى والفساد والتناتش والفشل الذريع من سنة الى اخرى، الى ان وصلت الامور في السنوات الاخيرة الى ما لا يمكن وصفه بأقل من كلمة “دمار كامل” لمؤسسة كانت قضية ووجدان شعب فصارت اطلالا وخيبات لا توصف.

“استلمت النادي من تحت الركام، ما في شي صح، لا لجان، لا اجهزة، لا حتى قصقوصة ورق انما ديون اكتر من مليونين ونصف مليون دولار، عقوبات من الاتحادات الدولية. استلمت ما يشبه المبنى المدمّر ولازم احفر اساسات من جديد لأعيد اعماره من جديد”، يقول ايلي يحشوشي الذي صار البريزيدان الجديد بعدما فازت لائحة “انقاذ نادي الحكمة” التي ترأسها بكامل اعضائها، وبغالبية ساحقة بالأصوات في الانتخابات التي حصلت السبت 19 كانون الثاني الحالي.

ويسأل موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني يحشوشي ما إذا توقّع هذا الانتصار الكامل، يجيب، “اكيد وما كان ممكنا الا ان يكون كذلك، اولا من الناحية التقنية العلمية اشتغلنا كتير صح، والعامل الثاني الاهم الذي اتكلت عليه هو الضمير، اذ كنت اعلم انو ما رح يصح الا الصحيح”.

صحّ الصحيح وبفضل جمهور الحكمة الوفي عادت ادارة النادي الاخضر الى حيث يجب ان تكون، وابتسم بريزيدان شويري من عليائه، هكذا يؤمن الحكماويون على الأقل.

“أما اللجنة المنتخبة هي من خيرة الشخصيات والاكثر كفاءة التي اختارها الرئيس يحشوشي ولها تاريخها العريق بلعبة الباسكيت”، يقول منسق بيروت بول معراوي لموقع “القوات”، وهو الذي خاض مفاوضات عسيرة وشاقة مع اللجنة الادارية السابقة، وصلت الى درجة اعلان انسحابه بسبب تعنت اللجنة القديمة وفرضها شروطا تعجيزية قبل استقالتها.

ويضيف، “لكن جدية العمل وضغط الجمهور الرائع الوفي هو من أنقذ النادي الاخضر ووصل به الى الانتخابات الاخيرة، فاضطرت اللجنة إلى الاستقالة. واختار يحشوشي اعضاء اللجنة الجديدة ما اعطى ثقة كبيرة لهالجمهور ما ادى الى نجاح اللائحة بكامل اعضائها”. ولمن يهدي معراوي هذا النجاح؟ “اكيد اهديه اولا للحكيم والقوات اللبنانية وهالجمهور الرائع”.

هي ليست علاقة عابرة بين ناد وجمهور راحل في ملاعب ما ان تقفل المباراة، جمهور الحكمة هو الحكمة “للجمهور الفضل الاول بهالنجاح، ولو ما هالجمهور ما كنت ترشحت أساسا، ما بحياتي تعرّفت او قرأت عن جمهور بيشبه جمهور الحكمة، ما بحياتي شفت هيك شغف وحب وتضحية من ناس لنادي، ما بحياتي قرأت عن نادي وهو عم يروح ع الغياب والفشل وجمهوره كل يوم بيكبر اكتر واكتر، شبهتو لاسطورة التنّين للي كل ما قطعت له راسه تنبت له رؤوس. ومع هالجمهور عشت قصة الحب تلك مع النادي كرمال هيك اقدمت وترشحت”، يقول يحشوشي، فخورا بجمهور تحدى كل الظروف منذ الاحتلال حتى اليوم.

ويروي أنه “لأول مرة في التاريخ يتظاهر جمهور لأجل ناديه حين نزل الى الشارع في تشرين الثاني 2018 مطالبا بعودة النادي الى اهله الاصليين، وبتغيير كامل وجذري للإدارة السابقة، وكانت سابقة في تاريخ النوادي الرياضية في لبنان. “الحكمة مش نادي، الحكمة قضية ورسالة ووجدان، الحكمة قضية مجتمع توحّد خلف النادي. الحكمة هو المؤسسة الوحيدة للي قدرت جمعت كل هالناس خلفها”، على حد تعبير يحشوشي.

لمن يهدي البريزيدان الجديد هذا الانتصار؟ “اولا لأنطوان شويري لأنه تعذب لمدة 15 سنة واليوم استراح بالتأكيد لكن عينو علينا. وثانيا اهدي الانتصار لجمهور الحكمة لان له الفضل الاول والاخير في صمود النادي وفي انتصارنا. لكن بطلب انو يطوّل بالو علينا لان ما معنا عصا سحرية، ونحتاج بعض الوقت لانتشال النادي من الخراب الشامل. ونحن نعدهم بالشفافية المطلقة وبشغل صح وجمعية عمومية تضم اصواتهم بدل صراخهم على المدرجات، وليتمكنوا من محاسبتنا ومراقبة عملنا. بوعدن ان اضع كل جهدي لأعيد امجاد النادي تيرجع ويرتفع لفوف لفوق لفوق، متل ما قال بريزيدان شويري”.

اذاً عاد الاخضر الى الاخضر، عادت الحكمة الى الحكمة ولنا على الطريق مواعيد انتصارات موقّعة اولا وآخرا بقلب ذاك الكبير الغائب الحاضر، ومعه سترفع الحكمة كأسها من جديد فوق لفوق لفوق عند بسمة بريزيدان شويري لا اقل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل