ما اسمكِ يا صبية وشو حكايتك؟ انا “المسيرة”

 

كانت البدايات. لم نكن نعرف في تلك اللحظة اننا سنكبر بلحظة، وان القلم الذي لم يكن خرج بعد من صفوف الجامعة، سيصبح سلاحا، وان الايام ترسم لنا مسيرة لم نقرر حينذاك ان نرسمها لأنفسنا. ذهبنا اليها مراهقين في المشاعر، والعمر لم يكن تجاوز كثيرا بعد تلك المرحلة، واذ نتخرّج منها مناضلين مناضلات، مقاتلين مقاتلات، عسكر الكلمة والموقف، جنودا جنديات في صفوف الانتماء الى معسكر وطن. ومن ذاك الزمن، منذ تلك اللحظة، لا يزال بالقلم والالم والحبر والسلاح، يحفر استقلاله بالدم في اجسادنا وفي بساتين الوطن، وليس اقل، وها هي “المسيرة” مستمرة…

كم عمرك يا صبية؟ ستة وثلاثون عاما. اوووف كبرنا في العمر، لم انتبه. هو عمرنا تماما، والعمر غالبا يقاس بشغف القلب، بتلك الحياة المغامرة التي عبرت بنا ومن خلالها أصبحنا نحن وما عليه. وما نحن وما عليه؟ مقاومون، مقاومون بالصوت العالي والقلم الذي يقدح حقا وشررا احيانا حين تنال ايادي الشر من هذا الحق.

نحن وما عليه مقاومون في صفوف “القوات اللبنانية”، في “المسيرة” لأجل مسيرة وطن لا نقبل الا ان يكون حرا لتليق به مسيرة التاريخ وابطاله، هذا ما كانت عليه تلك الصبية المناضلة وهذا ما تبقى عليه الى انتهاء الدهور.

كان العام 1983، ولم نكن نعرف ونحب الا ذاك الشهيد الشاب الذي أنقذنا من فراغ الانتماء، وعلّمنا ان الحياة من دون نضال موت، الشيخ بشير الجميل. نحب الشب الجميل ولما مات، مات فينا كل الوطن.

كنا نراقب شباب القوات في الاشرفية ولم نكن نبالِ، كنا بدأنا نسمع عن مجلة ما في المنطقة الشرقية توزّع فقط على المقاتلين، “المسيرة” العسكرية، نراها بين ايادي الشباب في الحي ويصرون ان يوزّعوها علينا “شوفو قصة شربل، شوفو شبابنا شو عم يعملوا ع الجبهات تتبقى بلادنا”، يقولون لنا، ونحن في ما يشبه عالم الغيب.

حرب وأيام صعبة وملاجئ وموت ينهمر هنا وهنالك، واذ العام 1985 نعرف ان “المسيرة” تلك تحتاج الى محررين ومحررات جدد، وأنها ستصدر بحلّة جديدة، وستتحول من مجرد مسيرة عسكرية تُوزّع على الشباب في الجبهات والثكنات، الى مجلة اسبوعية شاملة، سياسية اجتماعية ثقافية عسكرية، تباع صباح كل سبت في الاسواق. كان تشرين الثاني من ذاك العام، تاريخ التحوّل الكبير في مسيرة “المسيرة”، وايضا بداية التحوّل الكبير في مسار حزب “القوات اللبنانية” عموما بقيادة ذاك المقاتل العنيد، سمير جعجع.

عال، وما كانت الدراسة انتهت بعد، قلنا فلننضم الى تلك المجلة، على الاقل لأجل استقلالية مصاريفنا الصغيرة لا أكثر، لا هو الانتماء ولا حتى حبا بالقوات. واذ ترسم لنا الايام هناك بين أوراق المجلة وحبرها غير عالم.

كنا صبايا وشباب في مطلع العمر، يملؤنا الشغف وروح المغامرة، كنت اعرف ان قلمي طيب، لا بأس به على الاقل، لكن ما لم أكن لأعرفه ان القلم اياه واقلام رفاقي، قادرة ان تتخطى حالها بكثير بكثير، وان تتحول في ايادينا الى سلاح!

لم نكن نكتب تحقيقات وحسب، كنا نفجّر الحقائق في وجه الأكاذيب. لم نكن صحفيون وصحفيات بالمهنة التقليدية، بل صرنا جنوداً فعليين للكلمة والقضية. نلاحق الخبر والحكاية ونذهب الى ابعد بكثير منهما. نذهب الى حيث صنعنا مجدنا وشرفنا، الى حيث صار لنا في السماء الاف العروش مع شهدائنا، وعلى الارض آلاف الابطال.

كنا نذهب الى المقاتلين في المتاريس لنكتب للتاريخ والحقيقة ما يفعلون، فأطلقوا علينا ألقابا وألقابا ومن بينها الاحب “صحفيات المتراس” يا إلهي شو هالشرف. كانت المجلة مرآة القواتيين تنشر فكرهم ونضالهم وكنا نحن العسكر المجنّد لأجل ذاك النضال المشرّف، لأجل شبابنا ومجتمعنا الحر.

وصارت المجلة الاولى على الاطلاق، تباع في المكتبات وتوزّع ايضا على الشباب في ثكناتهم ومتاريسهم، واستقطبت اهم الاقلام في البلاد من صحفيين وكتاب يفخرون حتى اليوم انهم عبروا فيها يوما. وتحوّلت المسيرة الى مدرسة في الصحافة، تنشر فكرها ووعيها الوطني بين الناس والقراء، انطلاقا من دفاعها عن القضية اللبنانية المحقة، الى ان قرعت طبول غير حرب العام 1988. حين انتكست المنطقة الشرقية وانتكست معها المسيرة بطبيعة الحال.

وجاء العام 1992 الذي رسم المرحلة الثالثة لمسيرة “المسيرة”، كان الخناق بدأ يشتد على “القوات اللبنانية” مع إحكام الاحتلال السوري قبضته على لبنان، حوصر المجلس الحربي حيث كانت مكاتب المجلة، بعدما كان الحكيم انتقل الى غدراس، وبدأ الحصار يضيق على الرفاق فيها، فاضطروا الانتقال الى زوق مكايل، وكان بدأ التراجع والعد العكسي في كل شيء.

“المسيرة” الى انكفاء في عدد صفحاتها وصحفييها وقرائها، وشباب القوات الى الملاحقات والاعتقالات، والحكيم الى ايام سوداء كانت بدأت تطل بغيومها الملبدة، الى ان دوى انفجار سيدة النجاة شباط العام 1994، واعتقل الحكيم والقوات، وكل لبنان رزح ضعيفا مستسلما تحت قبضة النظام الامني اللبناني السوري، واستمرت “المسيرة” في كفاحها المرير، الى حين خروج الحكيم من الاسر في تموز 2005.

كان الكثير من الزملاء الرفاق صاروا من خارج “المسيرة” لكنهم بقوا في الانتظار، اذ علمنا علم اليقين ان الحكيم عائد، والقوات ستزهر والمجلة ستعود الى حيث يجب ان تكون. خرج سمير جعجع من أسره، فأخرجنا معه واستعادت القوات اللبنانية “المسيرة”، واشرقت الصبية في تموز 2013 بحلتها الجديدة، عاد اليها بعض من قدامى الجنود، عادت المقاومة تتراقص بين اناملنا كمن يرقص في عرس ابنه، عادت احلا مما كانت. مجلة ملونة مشرقة تضج بنا وبنشاطاتنا واخبارنا وحكاياتنا وحكايات الوطن كله، وعادت اليها الاقلام الحلوة الحرة الابية.

كانت عودة بناء على طلب سمير جعجع الذي أصر على استمراريتها على الرغم من صعوبة الظروف وتكلفة الصحافة الورقية، في زمن سطوة صحافة الانترنت، معتبرا ان المسيرة ذاكرة القوات ولا يمكن ان نوقف دفق الذاكرة مهما بلغت الصعوبات المادية.

ستة وثلاثون عاما وصباح كل سبت نذهب الى المكتبة، “المسيرة إذا بتريد”. لن نفعلها ابتداء من شباط الجاري، اذ سنسأل عنها شهريا لا أسبوعيا. لم تتغير الرسالة، بل على العكس صارت أعمق وأنضج وأشمل. تغير التوقيت “نظرا لمعاناة الصحافة الورقية ومع استمرار اقفال عدد من الصحف اليومية، واستباقا لما قد يحصل من تطورات سلبية كان القرار تحويل المسيرة لمجلة شهرية”، يقول رئيس التحرير نجم الهاشم.

زعلنا؟ اي شوي، لكن المهم ان المسيرة باقية بأبواب جديدة وصفحات اضافية، سيكون فيها الملفات الساخنة، وتلك التي تتعلق بالكيان اللبناني والوجدان المسيحي، سيكون للانتشار صفحات وصفحات تتواصل معهم من هنا إليهم، سيكون لقضايا القوات اللبنانية، ذاكرتها، ابطالها ومناضليها الاحياء كل الكلام، تقول سكرتيرة التحرير جومانا نصر.

وتضيف، “سيكون للشهداء كما دائما وابدا “ان ننسى لا ننسى”، ابواب وصفحات جديدة ستخصص للشباب والطلاب حيث تنقل اخبارهم ونشاطاتهم من صفحة الى اخرى ومن عدد الى اخر، اضافة الى الابواب السابقة، واهم الاهم ان “عصب المسيرة باقي ما بيتغير، رح نبقى متل ما كنا عسكر الكلمة مننقل فكر القوات اللبنانية ومننقل فكر بلادنا ومنحمل راية القوات ومنمشي”.

هي مسيرة من مسيرة النضال والحزب، هي نحنا وما كنا عليه وما نحن عليه الان، كبرت الصبية، صارت احلا، ومعها صار لأقلامنا طعم النبيذ لان خمرتنا من خابيتها، خمرتنا “القوات اللبنانية” لأجل لبنان… ونستمر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل