عن سُبات داخلي متواصل

للوهلة الأولى، بات يبدو البلد في حِلّ من أي استحقاق. فهو، بعد كل هذه السنوات من تنقّل أصناف وفنون وفصول التعطيل من مؤسسة دستورية الى أخرى، ومن مرفق الى آخر، أخذ يُراكم “خبرات” غريبة عجيبة في التعايش مع كل هذا، التعايش مع الأمور المستعصية والمشكلات المستفحلة، ومع فكرة أنّ أقصى المتاح والممكن “ترقيع على ترقيع”، مع الادراك، الذي يكاد ان يتحول الى “إجماع صامت” عند الجميع، على اختلاف الحجم والقوة والموقع، بأن الأزمة هيكلية وشاملة لا مخرج فعلياً منها الا بورشة شاملة لا يبدو ان شروطها الموضوعية متوفرة.

 

وهكذا، بعد ان كان الاستحقاق الرئاسي متعثّراً لعامين ونصف العام سُوّيت أموره، وبعد ان كان الاستحقاق الانتخابي التشريعي متعثراً لخمسة اعوام ايضاً سُوّيت اموره، فكانت النتيجة غلبة عدم التعامل مع الملف الحكومي انه استحقاق، بحيث طغى مناخ من “السُبات” على البلد منذ ايار الماضي، لا يكاد انخفاض وارتفاع التفاؤل بالتشكيل الحكومي يتجاوز فيه التعديلات الطفيفة على النومة الأليفة!

 

في غمرة هذا الرقاد المتواصل منذ انتهاء الانتخابات التشريعية الماضية، تحوّل شريط الاخبار والاحداث الى ما يشبه اضغاث احلام، يتحوّل بعضها الى كوابيس. فهذا كابوس امني، وذاك كابوس مالي، ثم يعود النائم الى أريكته يتابع سُباته والسهاد كما لو ان شيئاً لم يكن.

 

الأرجح ان سُباتاً كهذا قد تخطى نفسه. الرقاد تجاوز الراقد نفسه. والأرجح انه حتى لو أصاب التفاؤل “الترقيعي” سهماً آخر هذا الأسبوع، أو بعده بأسبوع او اثنين، او بعده بشهر او بشهرين، فان لا شيء “اجرائياً” و”ترقيعياً” يمكنه ان يوقظ من الآن فصاعداً هذا النائم، الذي هو البلد بأسره، والنظام السياسي بأسره. حتى الكوابيس، تراها لاستهلاك النائم في لعبة سُباته الطويل. بالكاد تجعله يعدّل جزئياً من وضعية الأريكة تحت رأسه.

 

الى متى تدوم هذه الحال؟ عبثية الاجابة. لكن السؤال بحد ذاته مشروع، وضروري وغير عبثي، وله بالحد الادنى منفعة علاجية.

 

البلد أعقد من ان ينهار. سرديات استعجال الانهيار فيه، له ككل، او لاقتصاده او لنظامه السياسي، كثيراً ما تكفل الواقع بإظهار خطلها.

 

البلد لا ينهار، انه ينام، بين رقود وركود، لا الضجيج ولا الصخب ولا حسابات النفخ في الرمل بمستطاعها ان تحدث فيه مفاعيل اليقظة.

 

يمكن عدّ بعض هذا النوم الزائد والمتمادي بمثابة “تقطيع وقت”، او امعان في الانتظار، الى ان تضح الصورة بالحد الادنى في الاقليم. ويمكن اعتباره نتيجة لانعدام التوازن بين القوى، وكذلك نتيجة لعدم تمكن اي من القوى، كما عدم تمكن مجموع هذه القوى من صياغة تفاهم اولي، يتم على اساسه الانتقال من متاهات “ترقيع الترقيع” الى حيث الاتفاق على محددات وضع انتقالي اصلاحي شامل يتبنّى تصوراً جديداً للمجتمع وتركيبته والدولة وبنيانها ووظائفها.

 

أياً تكن الحال، يتواصل “السُبات” الى اجل غير مسمّى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل