
كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1691
ليست المرة الأولى التي تجمع فيها بكركي القيادات المسيحية أو الوطنية أو المارونية. لو كان لذلك الصالون الكبير في الصرح البطريركي أن يحكي لروى حكايات كثيرة عن لقاءات سجلتها آذان الجدران الصاغية إلى إعترافات كثيرة وخطايا كثيرة. واللقاء الأخير للقيادات والنواب الموارنة يوم الأربعاء 16 كانون الثاني ليس الأول ولن يكون الأخير. فطالما بكركي موجودة وطالما الأزمات التي تهدد لبنان والمسيحيين فيه مستمرة طالما ستستمر هذه اللقاءات في ذلك الصالون.
اللقاء الذي أريد له أن يكون وجدانيًا مارونيًا استدعته معطيات كثيرة:
بعد تسعة أشهر من العجز عن تشكيل الحكومة كان لا بد من توسيع إطار المواقف التي أعلنها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي لجهة الخروج من هذا المأزق الذي بات يهدد الدولة والجمهورية مطالبًا بحكومة اختصاصيين ليست في متناول اليد.
حديث رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عن محاولة فرض أعراف جديدة لا تنطبق مع ما ينص عليه الدستور، خصوصًا ما يتعلق منها بآلية تشكيل الحكومة، وقد اعتُبر هذا الكلام موجهًا بطريقة غير مباشرة إلى «حزب الله» الذي عرقل تشكيل الحكومة من خلال رفض تقديم أسماء وزرائه إلا في حال تم توزير من يمثل نواب سنّة 8 آذار المحسوبين على الحزب. وقد كان رئيس الجمهورية أعلن صراحة ليل 31 تشرين الأول في الذكرى الثانية لتوليه الرئاسة أنهم لا يستحقون أن يتمثلوا لأنهم لا يشكلون كتلة.
الوضع الإقتصادي الصعب الناتج عن الأزمة الحكومية والذي تحدد تداعياته كل لبنان، خصوصًا أن لا أفق لحل هذه الأزمة المرتبطة بالأزمة السياسية.
لقد أعرب البطريرك الراعي بداية عن الرغبة في جمع القادة الموارنة رؤساء الأحزاب، وكانت لافتة مسألة أن من أفصح عن هذه الرغبة النائب ميشال معوض رئيس حركة الإستقلال وعضو تكتل العهد القوي. ولكن المسألة لم تقف عند هذا الحد إذا أن الرغبة باقتصار اللقاء على القيادات وحدها كانت مهددة بعدم إكتمال النصاب نتيجة عدم الحماسة، خصوصًا لناحية الخلاف المستحكم بين التيار الوطني الحر وبين تيار المردة، ولناحية إعتبار البعض أن الدعوة لمثل هذا اللقاء هي لتغطية رئيس التيار جبران باسيل لجهة دعمه في مطلب الحصول على الثلث المعطل في مجلس الوزراء بعد اصطدامه بفيتو «حزب الله» الذي يدافع عنه وعن تفاهم 6 شباط 2006 في مار مخايل. ولذلك تمت الإستعاضة عن اللقاء المصغر باللقاء الموسع ليشمل كل النواب الموارنة من كل التيارات.
هذا اللقاء كان يأتي بعد سلسلة أحداث كبيرة على المستوى المسيحي والماروني.
في 18 كانون الثاني 2016 عندما حصل تفاهم معراب بين «القوات اللبنانية» والتيار الوطني الحر.
في 31 تشرين الأول 2016 عندما تم انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية.
في 6 أيار 2018 عندما حصلت الإنتخابات النيابية وتحددت معها أحجام الكتل والأحزاب والتيارات.
إنقلاب الوزير جبران باسيل على تفاهم معراب خصوصًا لجهة التساوي مع «القوات» في عدد الوزراء بعد احتساب حصة الرئيس. ومحاولة وضع «القوات» أمام خيار القبول بأربعة وزراء وبحقائب محددة أو تشكيل الحكومة من دونها.
المصالحة التاريخية بين «القوات اللبنانية» وتيار المردة، فتحت سقف بكركي وفي ذلك الصالون التاريخي الشاهد على أحداث كثيرة وبمباركة البطريرك الراعي وبحضوره تمت المصافحة بين الدكتور سمير جعجع والوزير السابق سليمان فرنجية مما ترك إرتياحا كبيرا في الشارع المسيحي.
رفض «حزب الله» منح الرئيس عون مع التيار الوطني الحر الثلث المعطل وتلافي الرئيس والتيار المواجهة مع الحزب حول هذا الموضوع، الأمر الذي وضع العهد في موقف صعب. فلا هو قادر على إنقاذ نفسه ولا هو قادر على خوض المواجهة.
إنطلاقا من هذه المعطيات ومع جمود عملية تأليف الحكومة وربط كل ذلك بما يتم تسريبه أحيانا عن سعي لفرض تغيير الدستور واستبدال المناصفة بالمثالثة وفي ظل طقس عاصف سياسيًا وطبيعيًا، توافد النواب إلى الصرح البطريركي. لم يكن من المقرر أن يحضر رئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية. فالأقطاب الثلاثة الذين التقوا معه في بكركي بحضور البطريرك الراعي في 19 نيسان 2011 كانوا سيغيبون عن اللقاء. فالعماد ميشال عون صار رئيسًا للجمهورية ولن يحضر. والدكتور سمير جعجع كان خارج لبنان ولم تكن عودته مقررة قبل موعد اللقاء الموسع ولذلك كان غيابه أمرًا واقعًا. والرئيس السابق أمين الجميل ليس نائبًا ولم يعد رئيسًا لحزب الكتائب، ومن سيحل محله ابنه النائب سامي الجميل بصفته نائبًا ورئيسًا للحزب. وكان بالتالي من المرجح أن يمثل النائب طوني فرنجية والده وتياره في بكركي. ولكن فجأة قرر الوزير السابق سليمان فرنجية أن يحضر.
لقد بذل البطريرك جهدا كبيرًا لجمع الأقطاب الأربعة بعد أشهر قليلة على تبوئه سدة البطريركية وقبل ثلاثة أعوام من استحقاق إنتهاء ولاية رئيس الجمهورية ميشال سليمان، في محاولة لتقريب وجهات النظر وتأمين إتفاق على رفع منسوب التأثير المسيحي والماروني في اختيار رئيس الجمهورية المقبل، وفي تأمين الوصول إلى قانون جديد للإنتخابات يؤمن صحة التمثيل النيابي أيضًا ولم يكن بالإمكان رفض هذه الدعوة. في ذلك الوقت كان فرنجية في قلب تكتل العماد عون. بعد ثمانية أعوام بات خارجه وفي المقلب الآخر لأن أمورًا كثيرة تغيّرت وكانت مرتبطة بموضوع انتخاب رئيس جديد للجمهورية، خصوصًا مع تمسك العماد عون بترشيحه للرئاسة ورفض الإنسحاب لمصلحة فرنجية الذي لم يستطع أن يغيّر في موقف «حزب الله» الذي بقي متمسكاً بعون مرشحًا وحيدًا، الأمر الذي سهّل حصوله اتفاق معراب بين عون وجعجع. ولذلك بقيت العلاقة المتوترة بين عون وباسيل من جهة وبين فرنجية، هي الطاغية على لقاء بكركي الأخير، وربما من هذه الخلفية يمكن فهم مشاركة فرنجية الذي أراد أن يوصل رسالة خاصة إلى الوزير جبران باسيل على طريقته ومن خلال مقاربته السياسية للأزمة الحكومية ولمسألة الثلث المعطل وللخلفيات التي يرى أنها وراءه وأنها تستند إلى أهداف شخصية لا إلى استراتيجية مسيحية.
وإذا كان البيان الذي صدر عن اللقاء أكد على الثوابت الوطنية وسيادة الدولة ورفض إستباحة الطائف والتمسك باحترام الدستور وعلى أن ليس لأحد أن يصنع للبنان هوية جديدة مغايرة لحقيقته، وإذا كان تم التوافق على تشكيل لجنة للمتابعة فإن الرهان هو على متابعة الملفات وصولاً إلى الخروج من المأزق السياسي الذي يهدد الكيان والنظام لكي يرتقي البيان إلى مستوى النداء الذي أطلقه البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي من موقعه رعى معظم اللقاءات الموسعة التي شهدها صالون بكركي قبل تبوئه سدة البطريركية وبعدها، من اللقاءات التي حصلت في العام 1978، والتي أشار إليها فرنجية ليس من باب العودة إلى الماضي بل من باب الرهان على إحداث التغيير المطلوب وأخذ العبر، إلى اللقاءات التي حصلت قبل توقيع الإتفاق الثلاثي، إلى لقاءات مرحلتي حرب التحرير وحرب الإلغاء قبل أن يتم الإعتداء على البطريركية والبطريرك صفير في ليلة سوداء من ليالي لبنان الحزينة والصرح الكبير.
والرهان بعد هذا اللقاء أن يحزم العهد أمره من أجل أن يضع ما ورد في البيان حول السيادة والكيان والهوية موضع التنفيذ لأنه هو الأمين على الدستور وعلى الجمهورية، وبالتالي المطلوب أن تسمّى الأشياء بأسمائها وأن تتم المواجهة الحقيقية مع المعرقلين الحقيقيين. فلا يجوز مثلا أن يتم تهديد «القوات» بالقبول بما يُعرض عليها وأن يتم الإنحناء في مواجهة ما يطالب به «حزب الله». فإما أن تكون سيادة أو لا تكون، وإما أن تكون جمهورية أو لا تكون، وإما أن تكون رئاسة أو لا تكون.
في 20 أيلول 2000 تجرأ البطريرك صفير وأصدر نداء بكركي باسم مجلس المطارنة الموارنة وأعلن أنه آن الأوان لسحب الجيش السوري من لبنان. فهل حان الوقت ليعلن الرئيس أنه آن الأوان لاستعادة القرار في الجمهورية تأكيدًا على البيان الذي صدر من صالون بكركي؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]