
كتب رئيس مكتب التواصل مع المرجعيات الروحية في حزب “القوات اللبنانية” أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1691
الكنيسة و”القوات”
تعزيز التواصل والتعاون مع المرجعيات الروحية
في المقر البطريركي الماروني التاريخي (1121 ـ 1440) في دير سيدة إيليج ـ ميفوق، علّية على كتف الكنيسة تُعرف بمخبأ البطريرك. وفي دير مار إليشاع القديم في وادي قنوبين تجويف في الصخر يُعرف أيضًا بمخبأ البطريرك، وقد لجأ إليه البطريرك يعقوب عواد (1705 ـ 1733) في العام 1729 هربًا من الإضطهاد.
أما الإكتشاف البارز الذي حصل منذ نحو خمسة وعشرين عامًا، فكان لمخبأ البطاركة الذين أقاموا في دير سيدة قنوبين بين العامين 1440 و1823، ويقع داخل مغارة تُعرف بمغارة «شخص العذراء»، وتضم أدلة عدة تؤكد على صفتها كملجأ للبطاركة.
يحرص رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع على الإشارة بين الحين والآخر الى الجذور التاريخية للمقاومة اللبنانية التي تحمل «القوات اللبنانية» إرثها، عبر التذكير بالبطريرك الأول يوحنا مارون الذي عرف كيف يقود أمته بغيرة المؤمن وشكيمة المناضل من أجل الحرية.
وهنا جوهر الموقف الذي تعبّر عنه «القوات اللبنانية»، التمسك بالحرية والإيمان في إطار الفرادة والتنوّع اللذين يميّزان لبنان، حيث شكلت جباله بخاصة موئلاً لكل من تعرّض للإضطهاد أو رام التمتع بالحرية، وصولاً الى بلورة الفكرة اللبنانية تدريجا، مع الإمارة المتصرفية، مرورًا بلبنان الكبير الى الإستقلال، على الرغم من العقبات والعثرات على إختلافها، بحيث يعكس الميثاق الوطني رغبة العيش المشترك بإرادة حرة واعتراف بالآخر بمعزل عن حسابات الأعداد والأرقام.
المقاربة الأولى
إن حزب «القوات اللبنانية» في أدائه السياسي على المستوى الوطني، هو حزب لبناني يؤمن بالنظام الليبرالي الديمقراطي الذي يكفل الحريات والعدالة والتعددية، وليس في نطاقه الداخلي أو في شرعته ما يؤشر الى أنه حزب ذو إنتماء ديني أو طائفي الطابع، بل إنه يدعو الى إحترام خصوصية المجتمع اللبناني التعددي في مكوّناته وثقافاته و«الإرتقاء بالعيش المشترك المسيحي ـ الإسلامي الى مرتبة المؤالفة الحقيقية…».
ومن هنا يمكن فهم الهمّ اللبناني والمشرقي لدى «القوات اللبنانية»، وتاليًا أهمية التواصل مع الكنائس المشرقية على اختلافها، والتي يشكل لبنان مركزًا لأبرزها، وينظر إليه المسيحيون بعين الإرتياح ويعنيهم إستمرار المسيحيين فيه حضورًا فاعلاً على مختلف المستويات.
تأسيسًا على هذه المبادئ والقيم والقناعات، إنطلقت «القوات اللبنانية» في العمل بروح متجددة في مكتب التواصل مع المرجعيات الروحية، لإعادة إكتشاف المخزون الروحي والوطني والثقافي والإجتماعي للكنائس في لبنان على اختلافها، والسعي الى تعزيز أواصر التعاون بين حزب «القوات» والكنائس المختلفة، والسعي الى الإضاءة على القضايا والملفات بهدف بلورة الحلول والمعالجات على الصعد كافة.
الكنيسة المارونية
تختزن الكنيسة المارونية بقيادة البطريرك وما يتبعها من أبرشيات ورعايا ومؤسسات وأوقاف، في موازاة الرهبانيات على اختلافها، طاقات هائلة وشريحة واسعة من أهل الأنتليجنسيا والفكر والعلم».
و«القوات اللبنانية» ترى في بكركي خطاً ثابتاً أعطى لبنان نكهة خاصة ورسّخ وجوده كوطن متنوّع تلتقي فيه الديانات والثقافات والإثنيات، ويمثل حالة خاصة في المشرق.
ومن هنا أهمية حماية الفكرة اللبنانية التي كان للموارنة دور حاسم فيها، سواء عبر الدفاع عن الحرية والإيمان وحق الإختلاف، أو عبر الدفع الى بناء مجتمع سليم وقابل للتطور والحياة، لا سيما بتوسُّل العلم والإنفتاح. وأبرز الأمثلة مدرسة روما المارونية التي انطلقت في العام 1584 ودور الرهبانيات الى جانب سيد بكركي، على غرار المجمع اللبناني الذي انعقد العام 1736 في دير سيدة اللويزة برئاسة البطريرك يوسف ضرغام الخازن، وسُمّي اللبناني وليس الماروني دلالة على الروح المارونية الجامعة في إرادة النهوض وتعميم التعليم، مرورًا بالإسهام الجليل في النهضة العربية وحفظ لغة الضاد، من مدرسة تحت السنديانة الى نموذج مدرسة عين ورقة، وما تحقق بالتوازي مع الإنفتاح المدروس على الغرب، سواء على صعيد الآداب والعلوم والفنون والصحافة.
اليوم يبدي البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، حرصًا على الإنفتاح والتفاعل الإيجابي، لكنه في الوقت عينه يقطِّب جبينه وتتغيَّر سحنته عندما يتعلق الأمر بمحاولات النيل من صلاحيات رئاسة الجمهورية أو المس بالمناصفة. فالبطريرك الياس الحويك عندما سعى الى لبنان الكبير لم يكن في خُلده التوقف عند العددية، بل عند التعددية.
على أن لبنان اللبناني في بُعده العربي، كان في قناعة البطاركة على اختلافهم. والبطريرك أنطوان عريضة الذي تمسك باستقلال لبنان عن الإنتداب الفرنسي، ونادوا باسمه في جوامع دمشق، كان في الوقت عينه حريصًا على موقع رئاسة الجمهورية ورفض المس بحق الموارنة فيها، كما حرص على أفضل العلاقات مع الدول العربية، شرط احترام سيادة لبنان. ولعل البطريرك مار نصرالله بطرس صفير خير من جسَّد خيار الحرية كأولوية، وهو يحظى بتقدير خاص لدى البطريرك الراعي الذي يعتبره البطريرك الدائم.
يرفض سيد بكركي النقاش في كل ما هو حق، ولديه عناية خاصة بالدور التربوي للكنيسة ومؤسساتها. وعندما يتعلق الأمر بأملاك الكنيسة في لاسا على سبيل المثال. لا يوافق على منطق التسوية، ولو بدا إيجابيًا في الظاهر، إذ يعتبر أن لا تسوية على الحق، وليلفظ القضاء حكمه، على الرغم من التمادي في الإعتداء على تلك الأملاك.
وفي قناعة البطريرك الراعي أن التوافق المسيحي ـ المسيحي، لا سيما بين التيار الوطني الحر و«القوات اللبنانية» وبين «القوات» وتيار «المردة»، هو دعامة أساسية لتعزيز الشراكة والحفاظ على الحضور المسيحي الوازن، وكل تفاهم إضافي هو موضع ترحيب وتشجيع.
ويحرص البطريرك الراعي على اعتبار الجميع أبناء الكنيسة ويبدي إهتمامًا كبيرًا بالتنسيق والتواصل مع حزب «القوات» ورئيسه في القضايا الوطنية والمسيحية، ويقول إن الدكتور جعجع هو في بيته عندما يزور الصرح إبناً للكنيسة.
البطريرك عبسي
في الربوة، وفي أعلى ربوة تطل على الهضاب والوادي، وصولاً الى البحر، يربض مقر بطريركية أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك.
البطريرك يوسف عبسي، الراهب البولسي الذي ورد إسمه في كتب عدة صادرة عن جمعية الآباء المرسلين البولسيين، صاحب ثقافة واسعة ويستخدم عبارات فرنسية في حديثه، ويجمع بين اللطف والإنفتاح وبين الحرص على الدور المسيحي في لبنان والمنطقة كدور شريك أو كدور رسالي، منوّهًا بتركيز «القوات اللبنانية» على الإنسان كقيمة، وعلى أهمية ترسيخ التفاعل المسيحي ـ الإسلامي في لبنان، بما يحفظ الحقوق والخصوصيات لكل فئة في إطار الوحدة الوطنية.
ومن الواضح أن البطريرك عبسي عرف كيف يعزز صورة الكنيسة الملكية الكاثوليكية بابتعاده عن السجالات وحرصه على التواصل مع الجميع بابتسامة دائمة وذاكرة متوقدة.
في صيدا وشرقها
مقر المطرانية المارونية في مدينة صيدا يشهد نشاطاً ملحوظاً. فالأبرشية تمتد من المدينة وشرقها وجزين الى عمق الشوف، حيث المقر الصيفي في بيت الدين. المطران مارون عمار الذي اختبر نيابة جبة بشري في الديمان، ويقيم بشكل دائم في المطرانية، ويدرك جيدًا أهمية الحضور القواتي في الأبرشية.
يعتبر المطران عمار أن العيش المشترك جوهر لبنان، لا سيما إذا اقترن بالحرية، ويرفض أي تطرف صريح أو مقنّع، لا سيما عندما ينال من الآخر وحقوقه. ويتمنى محو آخر آثار الحرب من بعض النفوس، وينوِّه بالقيادات الصيداوية، متمنيًا عليها المزيد من الحرص على الوجود المسيحي والوقوف الى جانب الحق حيث ينبغي.
في قلب صيدا التاريخي والأسواق التراثية الجميلة، يقع مقر مطرانية الروم الكاثوليك، لكن المطران إيلي حداد لا يقيم فيه بشكل دائم، نظرًا لموقع المقر الذي يجتازه المشاة عبر باحاته وتحت القنطرة التي تعلوها مكاتب المطرانية في مختلف الأوقات بحرية كاملة.
المطران حداد صاحب مواقف مبدئية متقدمة، لكنه يحرص في الوقت نفسه على التعاطي مع الفاعليات الصيداوية الجنوبية بعناية وانفتاح. ويملك حساسية خاصة حيال بيع الأراضي والعقارات العائدة للمسيحيين، ويتدخل بحسب إمكانات الأبرشية للحفاظ عليها تأكيدًا على إستمرار العيش المشترك. ويقول ضاحكاً إن قواتيين كثيرين من الموارنة إعتبروه مطرانهم خلال مرحلة الإشكالات مع الراعي السابق للأبرشية المارونية.
(يتبع)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]