

كتبت “المسيرة” – العدد 1691
كيف تأسست «جبهة الحرية والإنسان»؟
الأباتي بولس نعمان: الهدف خلق تجمع قيادي مسيحي مختلط
*من كتاب مذكرات الأباتي بولس نعمان
بعد سلسلة من المآسي وجولات القتال في أكثر من مكان، تراجعت حدة المعارك، وتحقق الهدوء في الأسبوع الأخير من كانون الثاني 1976، إثر الإتصالات واللقاءات التي عقدها الوفد السوري، برئاسة وزير الخارجية عبد الحليم خدام، مع معظم القيادات اللبنانية. وترافقت مساعي التهدئة الأمنية مع حوار سياسي بين الأطراف السياسية لحل الأزمة، أثمر في نهاية الأمر ما سُمّي فيما بعد بـ»الوثيقة الدستورية» التي أعلنها رئيس الجمهورية سليمان فرنجية في الرابع عشر من شباط 1976.
جبهة الحرية والإنسان
بُعيد انطلاق المفاوضات السياسية الرامية الى وضع الورقة الإصلاحية التي كان يفترض على أثرها أن تضع الحرب أوزارها، ارتأت القيادات المسيحية أن تشكل جبهة سياسية موحدة لدراسة المقترحات الإصلاحية وتحقيق توافق مسيحي حولها. وفي الواقع، أخبرني الأباتي قسيس أنه هو صاحب الفكرة التي كان يهدف من خلالها الى خلق تجمّع قيادي مسيحي مختلط بين سياسيين ومفكرين، حتى لا تنفرد القوى الحزبية بالقرار المسيحي وتتصرف به وفق مصالحها ومن دون أخذ الآراء الأخرى الموجودة في المجتمع المسيحي بالاعتبار، وبخاصة آراء أصحاب الاختصاص. غير أننا لم نوفق كثيرًا الى تحقيق هذا الهدف، لأن الرئيس شمعون والشيخ بيار اللذين كانا يتمتعان بقواعد شعبية وقوات عسكرية، حافظا على موقع متقدم وعلى الحق في إعطاء كلمة الفصل. ولم يتمكن المسؤول عن حركة التنظيم الدكتور فؤاد الشمالي من مجاراتهما في هذا الأمر على رغم محاولته ذلك.
انعقد الاجتماع الرسمي الأول لهذا التجمع الذي سرعان ما حمل اسم «جبهة الحرية والإنسان في لبنان»، في مكتب الأباتي بطرس قزي في الحادي والثلاثين من كانون الثاني 1976، بعد سلسلة لقاءات تحضيرية مصغرة. وقد ضم الأباتي شربل قسيس، والرئيس كميل شمعون، ورئيس حزب الكتائب بيار الجميل، ورئيس الرابطة المارونية شاكر أبو سليمان، والدكتور شارل مالك، والشاعر سعيد عقل والدكتور فؤاد الشمالي.
كان لي حظ حضور هذا الاجتماع التاريخي التأسيسي الذي دام ثلاث ساعات ونصفًا، الى جانب عمالقة في الفكر والسياسة، والذي تطرق الى الوضع العام في البلاد، ومراحل الوساطة السورية قبل وقف القتال وبعده، ودور المقاومة الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني، ومطالب القمة الإسلامية المنعقدة في منزل المفتي حسن خالد في عرمون، والضمانات السورية لتطبيق اتفاق القاهرة ومحاولات تفشيل الوساطة السورية وغيرها من المواضيع المطروحة على بساط البحث في تلك الفترة.
وتلا الشاعر سعيد عقل بعد الاجتماع بياناً مقتضبًا من ثلاثة بنود:
1- أعلن قيام «جبهة الحرية والإنسان في لبنان».
2- درست الجبهة الموقف ورحبت بكل مبادرة بناءة من شأنها إعادة الأمن والطمأنينة الى كل لبنان.
3- قررت الجبهة كشرط أساسي لأي حل، وقف إطلاق النار نهائيًا، وعودة السيادة الى أصحابها، وسيطرة السلطات اللبنانية، مدنية وعسكرية، سيطرة تامة على كل الأراضي اللبنانية.
التأمت كوكبة كبار السياسيين والمفكرين نفسها في اليوم التالي مدة أربع ساعات متواصلة. وحضر ممثل رئيس الجمهورية سليمان فرنجية الوزير السابق لوسيان دحداح ليضعنا في أجواء المبادرة السورية والصورة شبه النهائية للوثيقة الدستورية التي كان يعمل عليها الرئيسان فرنجية وكرامي برعاية دمشق. وصدر في نهاية الاجتماع بيان أيّدت فيه «جبهة الحرية والإنسان في لبنان» المبادرة السورية وتشجعيها لها، ودعت الى استمرار الجهد السوري الخيّر بحيث يصار الى حل كل الأمور العالقة في الساحة اللبنانية ويخلق جوًا من التعاون بين البلدين على أساس من الثقة والاحترام». وقد شدد قادتنا السياسيون يومذاك، أمام ممثل الرئيس فرنجية على ضرورة تقيّد الفلسطينيين ببنود اتفاقي القاهرة وملكارت «بما يضمن السيادة اللبنانية».
لقد كان المسيحيون في ذلك الحين مرتاحين الى التبدل الذي بدأ يظهر في الموقف السوري حيال مجرى الأحداث في لبنان. فـ»الحركة الوطنية» ومنظمة التحرير الفلسطينية كانتا تقومان بما في وسعهما عربيًا ودوليًا، وبخاصة لدى الاتحاد السوفياتي لقطع الطريق على دور سوري مباشر في لبنان. في المقابل، رأت الولايات المتحدة، القلقة مما يجري على الساحة اللبنانية ومن تنامي نفوذ حلفاء الاتحاد السوفياتي، أن عليها التحرك للحد من اندفاعة اليسار والحؤول دون سقوط النظام في بيروت بيده. ولتنفيذ هذا الهدف لم يكن أمامها سوى الاستعانة بإحدى القوات التالية: الأميركية أو الإسرائيلية أو السورية. بعد حسابات السلبيات والإيجابيات والكلفة المترتبة على كل خيار، حسمت واشنطن رأيها وقررت الاستعانة بالقوات السورية لفرض النظام في لبنان وقطع الطريق على محاولات السيطرة الفلسطينية واليسارية عليه.
غير أن الارتياح للدور السوري لم يرقَ يومًا، على الأقل لدينا نحن «لجنة البحوث» في الكسليك، الى درجة الثقة بإمكان قيام تحالف متين بيننا وبين النظام السوري. لقد كنا مقتنعين بنتيجة مراقبتنا لسلوك الرئيس السوري حافظ الأسد بأنه يطمح الى أن يكون «معاوية الجديد» بالنسبة الى الشرق العربي الإسلامي وليس رئيسًا لمقاطعة العلويين. وعندما تباحثنا في الأمر مع قيادات الجبهة، تبيّن لنا أنهم مدركون لهذا الواقع، لكنهم أوضحوا لنا أن الاعتبارات السياسية كانت تحتم عليهم الاستفادة من الخلاف بين السوريين من جهة وبين الفلسطينيين واليساريين والمسلمين من جهة ثانية، لكي يتم تعزيز مقوّمات صمود المناطق المسيحية ووقف الزحف إليها، والتخلص من المربعات المسلحة الفلسطينية داخل هذه المناطق التي كانت تقطع أوصالها وتزيد من الصعوبات والمخاطر المحدقة بها.
إلتقى أركان «جبهة الحرية والإنسان في لبنان» مجددًا في الثاني من شباط 1976، في مكتب الأباتي قزي في جامعة الروح القدس في الكسليك أيضًا، بحضور الوزير السابق لوسيان دحداح. وتفاهموا على ضرورة عدم إعلان أي موقف من الورقة الإصلاحية التي كانت قيد الإعداد، قبل إستتباب الأمن نهائيًا واستعادة هيبة الدولة وسلطتها على كامل الأراضي اللبنانية. كما أنهم أصروا على ضرورة مساعدة المهجرين ماديًا ومعنويًا في انتظار عودتهم النهائية الى منازلهم.
عكفنا في إطار «لجنة البحوث»، في الأيام التالية، على تقديم مساهمتنا في صياغة «عهد جبهة الحرية والإنسان في لبنان»، وعلى إعداد رد مدروس على محتوى الورقة الإصلاحية والتعديلات الدستورية المقترحة. وقد شددنا بنوع خاص على إعطاء العهد الذي قرأه الأباتي شربل قسيس في مؤتمر صحافي عقده في مقر الرئاسة العامة لرهبانيتنا في شارع لبنان، بعدًا إنسانيًا لافتاً عبر التأكيد على أن «الإنسان هو شخص حر بمسؤولية ذو كرامة، وهب عقلاً، غير منقطع عن حق، يطمح الى التسامي ويبدع».
أما الرد الذي أعددناه على «الوثيقة الدستورية» فكان مستفيضا، على رغم أن القيادات المسيحية الأساسية وافقت عليه. كنا نعرف أن سبب موافقتها ناجم عن المعطيات السياسية والعسكرية والظروف الإقليمية والدولية المؤثرة على لبنان، وأن لا خيار أمامها غير الموافقة، وأن عدمها يعني إستئناف المواجهات والمعارك التي لم تكن لدينا طاقة على الإستمرار فيها من دون أفق. غير أننا تمسكنا بحقنا في تسجيل موقف تاريخي يظهر أننا لسنا مرتاحين للوثيقة الدستورية، لأنها تنطوي على مغالطات عدة، أبرزها حصر أسباب النزاع بين اللبنانيين بقضية التوازن بين المسلمين والمسيحيين، وعدم التطرق مباشرة الى مسألة النشاط الفلسطيني المسلح في لبنان، وانتهاكه السيادة اللبنانية وتعريض البلاد الى خطر ردود الفعل الإسرائيلية.
وبعدما تولى الرئيس كميل شمعون عرض موقفنا ونقاط تحفظنا على الوثيقة في مجلس الوزراء الذي انعقد في الرابع عشر من شباط 1976، نشرنا كتيّبًا من سلسلة «القضية اللبنانية» أوضحنا فيه رأينا من «الوثيقة الدستورية»، وقد حرصنا على أن نبدأ بالإشارة الى ما حفلت به من إيجابيات، خصوصًا على مستوى تأمين سرعة إصدار المراسيم واستحداث مجلس دستوري ومجلس تخطيط وإنماء، وتحقيق اللامركزية، قبل أن نلفت الى النقاط التي اعترضنا عليها أو تلك التي كانت تحتاج الى توضيح في نظرنا مثل قانون الجنسية. لقد اعترضنا في شكل خاص على إعراض الوثيقة عن الدخول في عمق المشكلة اللبنانية، معتبرين أن رسالة الرئيس سليمان فرنجية غير مقبولة بكاملها كوثيقة وأنها تستحق الرفض الصارم. ومما جاء في مذكرتنا:
(…) تقول الرسالة: «إن لبنان، لبنان كله يستحق ولاء أبنائه، أبنائه كلهم، يستحق ولاءهم المتأجج الكلي غير المقيّد بشرط ولا المشوب بعيب (…) هذه العبارات ذات المدلول العميق والمثقل بالنتائج، نرحب بها دون تحفظ فهي تتجاوب مع ما سبق أن أشرنا إليه مرارًا من أن ولاء المسلمين في لبنان، كل مرة تعارضت فيها مصالح لبنان مع أي مصلحة عربية كان يتجه حكمًا نحو المصلحة العربية (…) هذا الإنحراف في الولاء هو الذي كان ولا يزال يهدد كيان الدولة بالزوال (…).
لقد تحول لبنان في رسالة الرئيس من «لبنان ذي الوجه العربي»، كما كان في ميثاق 1943، الى «لبنان العربي». وهي العبارة التي ترضي الإسلام اللبناني الذي يفهمها على أنها تربط لبنان عضويًا الى البلدان العربية وتخضع مصالحه كدولة لكل مصلحة عربية أيًا كانت.
(…) وكما أن سلبيّتي مثياق 1943 فشلتا في جعل لبنان أمة واحدة ـ كما كان تنبأ بذلك المفكر جورج نقاش ـ كذلك يبدو أن إيجابيتي الرسالة (عروبة لبنان من جهة والولاء الكامل له من جهة أخرى) ستفشلان حيث فشل الميثاق مخلّفاً آلاف القتلى ومليارات الخسائر واستمرار حوار الطرشان بين فريقي البلاد المعارضين.
إن إرادة الرئيس، حتى لو حظيت بموافقة أسياد دمشق أو جاءت بوحي منهم، كما يتراءى من خلال الرسالة، لن تكفي لتبديل هوية المسيحيين اللبنانيين الوطنية، كما يرونها هم، ولا هوية المسلمين اللبنانيين الذين لا يعرّفون عن أنفسهم إلا كعرب لأنهم مسلمون.
ولعلّ أحد أسباب رفضنا لهذه الوثيقة أيضًا، هو أنها تمت بتدخل سوري مباشر، في ظل تأثير عسكري سوري وفلسطيني، وقبل عودة الأمن والاستقرار، وبالتالي لا تعبّر عن إرادة اللبنانيين الحرة. وقد أشارت مذكرتنا الى أن «الرسالة كما يُستفاد من نصها حبل بها في دمشق وإن قُرِئت في لبنان. لقد كانت نتيجة لتدخل الجيوش السورية والفلسطينية من أجل حل مسائل محض داخلية تتعلق بالسيادة اللبنانية دون سواها».
غير أن إفشال المبادرة السورية لم يأتِ من الجانب المسيحي، بل من قوى «الحركة الوطنية» واليسار التي دعمت ظاهرة الملازم الأول أحمد الخطيب، وشجعتها على التمرّد واحتلال ثكنات الجيش في البقاع والجنوب، خلال النصف الأول من شهر آذار 1976. وانفجر الوضع الأمني من جديد، وبلغ ذروته مع إستهداف القصر الجمهوري بالقصف، والسفارة البابوية في القنطاري بالقصف والحرق، في الثالث والعشرين من الشهر نفسه. فاضطر الرئيس سليمان فرنجية الى مغادرة قصر بعبدا صباح الخامس والعشرين منه، متوجهًا الى جامعة الكسليك، حيث استقبلناه بالترحاب. ومن هناك رافقه الأباتي شربل قسيس الى القصر البلدي في زوق مكايل، الذي أضحى مقرًا موقتاً لرئاسة الجمهورية. فيما أعلن رئيس الحركة الوطنية كمال جنبلاط في اليوم التالي أن «العمليات العسكرية ستستمر لكي يتم الحسم العسكري».
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]