محاولة إغتيال الجبهة… انتحاري زلزل الدير

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1691

 

… ونجا أركانها بأعجوبة الأربعاء 12 تشرين الثاني 1985. أركان الجبهة اللبنانية على موعد لمناقشة التطورات على الساح اللبنانية في دير مار جرجس – عوكر كما العادة كل يوم أربعاء من الأسبوع. التاسعة والدقيقة الأربعون إكتمل عقد الجبهة  بعدما حضر أمينها العام النائب إدوار حنين ورئيس حزب الكتائب الدكتور إيلي كرامة والدكتور فؤاد افرام البستاني. وحده رئيس حزب الوطنيين الأحرار المهندس داني شمعون تأخر عن الموعد لكنه وصل ولو متأخرا ليكون شاهدا على ذاك الأربعاء الأسود في تاريخ أعداء لبنان والجبهة اللبنانية.

العاشرة والدقيقة العاشرة دوى الإنفجار في الجهة الغربية من الدير حيث القاعة التي يجتمع فيها أركان الجبهة اللبنانية، وارتفعت سحب الدخان الأسود الممزوجة برائحة دماء الجرحى والشهداء وتلوّنت قهوة المجتمعين الصباحية برماد الحقد والكراهية وبرائحة الغبار التي طمرت معالم رائحة البخور والقداسة التي تفوح من أرجاء الدير كل صباح منذ تأسيسه عام 1750. ليليان تيان إبنة النائب إدوار حنين التي كانت موجودة في مكتبها في الدير مع الوزير السابق جورج سكاف هرعت إلى الممشى الطويل وهي تصرخ: Papa,Papa,Papa». وما هي إلا ثوانٍ حتى أطل النائب حنين من بين الغبار والركام. خلعت ليليان كنزتها الصوفية ومسحت وجهه الذي كان مضرّجا بالدماء وغبار الحقد وبعدما تأكدت أنه لا يزال بكامل وعيه عانقته وأقلته بسيارتها إلى مستشفى رزق…

ذاك الأربعاء الأسود كان الموعد مع أصابع الإرهاب المتعطشة دائما لرائحة الموت في دير مار جرجس – عوكر. لكن سيف شفيع «الدير المنيع» كان أقوى من حقدهم… نجا أركان الجبهة اللبنانية وتعمّد آخرون بقدسية الشهادة.

 

دلالات كثيرة حملها التفجير الذي نفذه سائق إنتحاري في مقر الجبهة اللبنانية في دير مار جرجس-عوكر ذاك الأربعاء الأسود من صباح 12 تشرين الثاني 1985، لكن الثابت أن مدبري تلك الجريمة أرادوا من خلاله افتعال البلبلة وأجواء الإقتتال في المجتمع المسيحي وبين أطراف الصف الواحد في سبيل دفعه إلى الإنهيار ومن ثم التسليم بأي مشروع إتفاق وإن على حساب هوية المسيحيين وأمنهم وموقعهم في المعادلة اللبنانية، والأهم اغتيال أبرز المعارضين المسيحيين لمسودة مشروع الإتفاق الثلاثي. كان المطلوب إسكات صوت القرار المسيحي وطمس معالم شعار الديمقراطية اللذين رفعتهما القوات اللبنانية بعد إنتفاضة 12 آذار، بغض النظر عن قدسية المكان وموقع القيادات المسيحية التي كانت تلتئم في ثنايا ذاك الدير.

 

ذاك الأربعاء كان الحقد يترصد تحركات أركان الجبهة اللبنانية وقبل أن يلتئم شملهم تفجر نارا ولوعة في قلوب ذوي الشهداء وحنينا أبديا لدى عائلة فقدت أما، وانتهك حتى حرمة الموت والسكون الأبدي فتفتحت القبور وتطايرت رفات الرهبان التي كانت ترقد بسلام.

 

عند عتبة الدير جموع تدفقت وفي العيون خوف وفضول. عند ملتقى الكارثة وجوه سربلتها الكآبة ونظرات تحدق في الفراغ وتتلمس المجهول. كل واحد منهم كان يستفسر عن إسم قد يكون تحوّل إلى صورة مؤطرة بشريط الشهادة. كلٌ كان يبحث عن ضالته عن فلذة من فلذات كبده عن رفيق عن أب عن أم عن أخ بين أركان الدير الذي هوى بفعل التفجير الإرهابي على من فيه. حجارة عملاقة تحولت في لحظات في ثوانٍ إلى أطلال متناثرة المعالم، إلى مغارة تطوي في ثناياها أصابع حقد وانتقام و… رائحة موت. لكن ثمة من بعث حيا من تحت أنقاض دير عوكر. ليليان تيان إبنة النائب إدوار حنين كانت هناك. تعود إلى ذاك اليوم وتروي: «بعدو المشهد قدامي وبس إرجعلو بشم ريحة الدم والغباروالدخان وما بشوف إلاً صورة «بابا» إدوار راكض نحو مكتبي».

 

كانت ليليان في مكتبها مع الوزير السابق جورج سكاف عندما دوى الإنفجار وكأنه زلزال. وهوت حجارة الدير. «ركضت نحو الممشى وأنا أصرخ «Papa,papa»… إلتقيت بمجموعة أشخاص والصحافيين الذين كانوا يحضرون الإجتماعات الدورية للجبهة اللبنانية. توجهت نحوهم وأنا أصرخ «الأستاذ سكاف ع الأرض» وتوجهت نحو القاعة التي كان يلتئم فيها أركان الجبهة، وقبل أن أصل عتبتها رأيت والدي يسير بصعوبة نحو مكتبي للإطمئنان علي. كان وجهه مضرجا بالدماء. خلعت الكنزة الصوفية التي كنت أرتديها ومسحت وجهه وأول سؤال طرحته عليه: عم تشوفني؟ وبعدما تأكدت من عدم إصابة عينيه تأبطت ذراعه وتوجهنا نحو السيارة وكان زجاجها محطما بالكامل. في هذه الأثناء تقدم مني بعض الشبان وعرضوا علي المساعدة فأبلغتهم بنيتي نقل والدي إلى مستشفى رزق حيث أطباؤه». وتتابع ليليان تيان روايتها التي لا تزال ماثلة أمام عينيها: «بس شافوني الناس ع الأوتوستراد عم سوق سيارة بلا قزاز وبسرعة جنونية عرفوا إنو طالعا من الإنفجار وعرفوا «بابا إدوار» من شعراتو. فتحولي الطريق حتى وصلت ع مستشفى رزق. بهالوقت كنت اتصلت بالدكتور أسعد رزق وقلتللو إني واصلي مع إدوار ع المستشفى. بس وصلنا كان ناطرنا مع 5 حكما. سلمتن البابا وتأكدت إنو بين إيدين أمينة ووقعت وغبت عن الوعي… بس وعيت لقيت حالي بقسم الطوارئ وكانوا عم يحاولوا يسحبوا مني نثرات الزجاج ويقطبولي جروحي… ولليوم بعدني بسحب نثرات صغيرة من جسمي… سألت عن البابا. خبروني إنو وضعو كتير منيح وإنو إصابتو اقتصرت على جروح بالوج والجبين وتمت معالجتا بقسم الطوارئ».

 

حوالى 3 ساعات أمضتها ليليان تيان ووالدها النائب إدوار حنين في قسم الطوارئ في مشتشفى رزق. وبعدما اطمأنا إلى صحة باقي أركان الجبهة غادراها إلى المنزل لتبديل ملابسهما التي كانت ملوّثة بدماء الحقد وشرف الشهادة الحية. فجأة طلب النائب حنين من إبنته أن تحوّل مسارها وتتوجه إلى مقر الجبهة. حاولت ثنيه عن ذلك لتفادي حصول أية مضاعفات صحية لكن عبثا. وتروي: «عندما وصلنا إلى الدير كان المشهد أشبه بزلزال. حتى السنديانة الضخمة التي تماسكت جذورها مع تراب الدير لم تنج وهوت إلى الحضيض. أول مكان قصده والدي كان مكتبي حيث كنت أجلس مع الوزير السابق جورج سكاف. أراد أن يستكشف بنفسه حجم الأضرار التي لحقت به وكيفية إصابتي. فأخبرته أن العناية الإلهية أنقذتني إذ كنت أجلس على بعد أمتار من مكتبي لأتمكن من التحدث إلى سكاف ولولا تلك المصادفة لكنت في عداد الشهداء لأن السقف انهار فوق الطاولة التي كنت أجلس إليها. لكن إصابة سكاف كانت بليغة».

 

عندما وصل النائب حنين إلى المنزل كان بعض أركان الجبهة يرقدون للعلاج في مستشفى سيدة لبنان. وبحسب روايات شهود عيان كانوا هناك لحظة الإنفجار فإن أول الخارجين من القاعة كان الدكتور إيلي كرامة وكان يستند إلى بعض الشباب من مرافقي أركان الجبهة لأن المقر لم يكن يخضع لأية حراسة أمنية خاصة خلال انعقاد جلسات الجبهة. وتم نقل من كان في الداخل في سيارات مدنية وعسكرية تابعة للجيش اللبناني حيث كانت توجد نقطة عسكرية تابعة له قرب الدير. الأمين العام للجبهة اللبنانية النائب إدوار حنين نقلته إبنته ليليان تيان في سيارتها وتبعهما الوزير السابق جورج سكاف والدكتور إيلي كرامه، أما الدكتور فؤاد افرام البستاني الذي كان من أكثر المتضررين فنقل إلى مستشفى أبو جودة. أما الرئيس كميل شمعون الذي كان يغمره نجله المهندس داني شمعون فتم نقله في سيارة جوزف عبود إلى ضبيه. ونقل شهود عيان أن المهندس داني شمعون الذي كان آخر الواصلين لمح من نافذة القاعة بريقا فانحنى على والده… ووقع الإنفجار. أمسك يده، جس نبضه، ساعده على الوقوف وكما كان آخر الواصلين إلى قاعة الإجتماعات كان أيضا آخر الخارجين من الدير المنكوب وقد أصيب داني شمعون في أنفه وكان ينظر بعينين تائهتين إلى الشباب الذين تهافتوا إليه ليهنئوه بالسلامة. ويتذكر بعضهم كلماته قبل أن يصعد في سيارة من نوع رانج روفر وقال: «الله يسلمكن. انشغل بالي عليكن شباب». وأضاف: «ما بعرف شو صار. شي ولمع» .

 

رئيس دير مار جرجس عوكر آنذاك والمعتقل في السجون السورية منذ تاريخ 13 تشرين الأول 1990 الأب ألبير شرفان يروي في مقال نشر في مجلة المسيرة: «كان إلو الإجتماع مبلش من حوالى 10 دقايق. فجأة زلزل الدير وقمت من بين الركام فاقداً كل حس». أما الأب جورج رحمة الذي خرج من غرفته بعدما تحولت أطلالا فروى في المقال نفسه: «لا تسألوني شي، قولوا الحمدالله ع سلامتنا كلنا، هيدا أهم شي». ومما رواه: «للدير جناحان، جناح للجبهة اللبنانية وآخر للرهبان وهم خمسة. إنفجرت السيارة بين الجناحين فجاءت الخسائر جسيمة. لم يصب أحد من الرهبان لكن العاملين في الدير دفعوا قسطا من الضريبة».

 

أصدقاء الموت العاجل كانوا على موعد مع الشهادة: «ماما آماليا» كما تعوّد أن يناديها مرافقو أركان الجبهة اللبنانية، إستشهدت حيث كانت موجودة في المطبخ وتعد القهوة الصباحية للمجتمعين والشباب. وتشير إحدى الروايات إلى أن الشاحنة كانت متوقفة عند الحائط المحاذي للمطبخ في حين تفيد رواية أخرى أن الشاحنة المفخخة دخلت الدير وحاول عنصران من الجيش اللبناني كانا موجودين عند نقطة عسكرية قرب الدير هما الرقيب ميشال حداد والعريف بطرس حدشيتي التصدي للسائق المجنون وإيقافه من خلال إطلاق النار عليه. واصطدمت الشاحنة بالحائط وفجر الإرهابي نفسه بعدما صرخ «الله أكبر» وغرق الجنديان بالدم العطر قبل الأوان… العشّية روز المر كانت تحضر الغذاء عندما رن جرس الهاتف. خرجت من المطبخ وتوجهت نحو غرفة مجاورة، فأصيبت بجروح، أما جميلة شاهين فانبعثت حية من بين الأنقاض بعدما ردمتها حجارة الغرفة حيث كانت موجودة. في البدء لم يسمعها أحد. الكل هرعوا نحو قاعة إجتماعات الجبهة اللبنانية في الجانب الآخر من الدير. وحده الياس الجنيناتي سمع صوتها تصرخ: «دخيلكن أنا هون خلصوني»، وعرفها. كالعازر زارت الموت وعادت بعدما تم إخراجها من خلال فتح عناصر الدفاع المدني كوة في السقف.

 

لا تبدي ليليان تيان أي رد فعل عندما تعود إلى تلك اللحظات. حتى أنها لم تأت على ذكر تفاصيلها في أية مناسبة ولا حتى والدها النائب إدوار حنين «بعد الإنفجار طلعت أنا والبابا ع فقرا تا نرتاح. كنا نقعد ونحكي بكل شي بس ولا مرة كنا نسترجع هيديك اللحظات وبقيت الحكاية صامتة لآخر يوم بحياتو، وأنا لليوم ما بسترجعا ويمكن هاي أول مرة بحكي عن هيداك اليوم الأسود».

 

وحدها صورة وجه والدها النائب إدوار حنين المضرجة بالدماء لا تزال ماثلة أمامها والسؤال الذي لم يجد القضاء جوابا له حتى اليوم أقله لإراحة أنفس الشهداء الذين سقطوا ذاك الأربعاء «من فجّر مقر الجبهة اللبنانية؟ وهل كان التفجير إرهابيا أم جنونا وهستيريا وإجرام لم يتوقف». بعدما استعاد أركان الجبهة اللبنانية صحتهم عاودوا نشاطهم لكن الإجتماعات كانت تحصل داخل أحد المنازل… ماذا بقي من الجبهة؟ تجيب ليليان تيان: «الجبهة اللبنانية ما بتتكرر، لأنو الكبار رحلوا». وبقيت الذكرى والصورة التي تجمع كبارا صنعوا فصلا من تاريخ وطن عنوانه «الجبهة اللبنانية».

 

الرئيس شمعون يتلو بيان الجبهة المغمس بالدم

في كل أسبوع كانوا يحضرون على الموعد لتغطية خبر لقاء الجبهة اللبنانية في دير مار جرجس – عوكر. ذاك الأربعاء تحول ناقلو الخبر إلى مادة إعلامية دسمة. جورج برباري من صحيفة الأحرار وكريستيان أوسي مراسل إذاعة صوت لبنان كانا من أول الواصلين دخلا غرفة الصحافة في انتظار انتهاء الإجتماع وتلاوة البيان. أما الزميل حبيب شلوق من جريدة النهار فكان في طريقه إلى مكان الإجتماع وعلى مسافة قريبة جدا منه عندما وقع الإنفجار. أول الأمر فكر أن الإنفجار وقع في السفارة الأميركية القريبة من الدير والتي كانت تعرضت سابقا لعملية تفجير، لكن بعدما شاهد الدخان يتصاعد من الدير صرخ: «طارت الجبهة». فهرع نحو المكان وطلب من أحد ضباط الجيش الإتصال بزوجته لطمأنتها.

أما برباري فكان الشاهد على اللحظات الأولى لعملية التفجير حيث تشلعت الأبواب وانهارت الجدران أمام عينيه ولم يتمكن من الخروج من غرفة الصحافة في بداية الأمر بسبب كثافة الدخان. وبعدما انقشعت الرؤيا إلى حد ما ركض إلى قاعة الإجتماع ورأى الرئيس كميل شمعون مستلقيا على كرسي وابنه داني يغمره بذراعيه. وعلى رغم أجواء الذهول والدماء التي كانت تغطي وجهه بقي محافظا على هدوئه وطلب من المحيطين أن يطمئنوا على باقي الحضور والموجودين في الدير.

وما هي إلا لحظات حتى وقف حاملا بيان الجبهة وقال للزميل برباري: «قل بعد الإنفجار أدلى الرئيس شمعون بالبيان الآتي». وكان كتبه بخط يده. وشرع الرئيس شمعون يقرأ على رغم تمني المحيطين به بعدم إجهاد نفسه خصوصا أن آثار الدماء والغبار كانت بادية عليه.

أما الزميل كريستيان أوسي فاتصل بإذاعة صوت لبنان بعد طول معاناة بسبب كثافة الضغط على الخطوط وكان أصيب بجرح تحت عينه كما عمل على إسعاف النائب السابق جورج سكاف الذي أصيب بشكل بليغ.

 

الدير المحصّن

عوكر مركز سكني يقع على تلة ترتفع 30 متراً عن سطح البحر. كانت أصلا منطقة حرجية، تملكها الرهبنة الأنطونية التي فرزت قسما من عقاراتها وباعته من الملاكين الجدد الذين بنوا البلدة. وكلمة «عوكر» سريانية، وتعني «المنيع» أو «المحصن» وتعود هذه الصفة كون الدير القديم كان يقع على رأس جبل تحول مسالكه الوعرة دون الوصول إليه. ومن هنا كانت التسمية «دير مار جرجس – عوكر المنيع» .

عندما تسلم الأنطونيون المكان عام 1740 بنوا الدير الجديد قريبا من طريق بيروت – طرابلس القديمة. تحول دير مار جرجس – عوكر في مراحل معينة إلى مدرسة في عهد رئيسه الأب بطرس لطيف ثم مأوى للعجزة عام 1940. لكنه عاد في ما بعد ديراً للرهبان فقط برئاسة الأباتي ألبير شرفان.

مطلع العام 1977 رفعت الجبهة اللبنانية طلباً إلى رئاسة الرهبانية تطلب فيه الحصول على مقر لها داخل الدير. وجاءت الموافقة سريعا، فتكرس الجناح الشمالي منه مقراً دائما ومركزا لاجتماعاتها. ويضم الجناح سبع غرف إضافة إلى حمام وممشى. هذا الدير «المنيع» الذي بني أيضا بحجارة الصخر القوية لم يفلح في رد إعتداء «الإنسان المفخخ».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل