هل نثق بلبنان؟

كثر الحديث في الآونة الأخيرة، لا سيّما بعد سلسلة أزمات المدد الزّمنيّة في تشكيل الحكومة، وفي انتخاب رئيس الجمهوريّة عن اهتزاز الثّقة بلبنان كبلد. والأبعد من ذلك كلّه، هذه الثّقة التي يكاد يفقدها لبنان الدّولة، أبناء هذا الوطن عينهم كادوا يفقدونها. ونسمح لأنفسنا بأن نقول إنّ بعضهم قد فقدها. إزاء هذه الواقعة الخطيرة، تستوقف هذه الأزمة أيّ مراقب سياسي في لبنان والعالم ليطرح الاشكاليّة الآتية: لماذا صار انقسام المجتمع اللّبناني اليوم بين من يثق أو لا يثق بوجوديّة الدّولة، وحتّى الكيان؟

الثّقة هي أساس أي عقد اجتماعي، فكيف إذا كان هذا العقد بين الانسان والكيان؟ بين الانسان والدّولة؟ صحيح أنّ هنالك فئتين في لبنان موجودتان بفعل التّاريخ ومحكومتان بفعل الجغرافيا بأن تكونا معًا، وحتّى انقضاء الدّهر. وهنا، الحديث لا ينحصر فقط بالمجموعتين الحضاريّتين الأساسيّتين، أي المسيحيّة والاسلاميّة، لأنّ الانقسام تجاوز حدود هذه المجموعات التي كوّنت الشّعوب اللّبنانيّة. وحتّى تاريخه عجزت هذه الشّعوب في أن تتحوّل إلى شعب واحد.

بالرّغم من ذلك، إنّ القضيّة التي تجمع هذه الشّعوب هي واحدة ومشتركة، حتّى لو أنّ بعض مكوّنات هذه الشّعوب لا يعترف بها حقيقة كيانيّة شخصيّة وجوديّة، تقوم على أساس فلسفتها فلسفة الكيان والوطن. وممّا لا شكّ فيه أنّ الحرّيّة الشّخصيّة الكيانيّة هي هذه القضيّة. ومن لم يسلم بعد حتّى هذه اللّحظة بأنّ هذه الحرّيّة هي القضيّة اللّبنانيّة لن يستطيع أن يكون لِبْنَةً من لَبِنَاتِ هذا الوطن.

وعبر التّجارب التّاريخيّة، تبيّن أنّ كيانيّة لبنان تقوم على تساوي المجموعات الحضاريّة كلّها داخل حدود الـ10452 كلم2. ولقد أثبتت هذه التّجارب عينها أن لا غلبة لمجموعة على أخرى أو على سائر المجموعات فيه. ومهما عظمت قوّة أيٍّ من هذه المجموعات لا بدّ وأن تسقط منظومة قوّتها لصالح منظومة الدّولة.

واستنادًا إلى هذه التّجارب التّاريخيّة، عندما تمتلك أي مجموعة فائض قوّة تسقط ثقة أبنائها بالدّولة، وتقوى حتّى النّشوة ثقتها بذاتها على حساب ثقتها بهذه الدّولة. وهذا ما نعيشه اليوم في لبنان، وقد نعيشه في المستقبل القريب أو البعيد مع أي مجموعة حضاريّة قد تصبح بفعل فائض قوّة سلاح غير شرعي ما، أو هيمنة سياسية على تركيبة الدّولة، فاقدة الثّقة بهذه الدّولة. وقد يصبح سعيها لتغيير كيانيّة هذه الدّولة نحو كيانيّة تستوعب حجمها الذي فاق حجم الدّولة المؤسّسة. حبّذا لو تطبَّق التّجربة المسيحيّة التي كانت مع القوّات اللّبنانيّة في الدخول في صلب تركيبة الدّولة، لَما فُقدَت هذه الثّقة، ولَصَار لبنان عن حقّ دولة بكلّ ما للكلمة من معنى.

من هنا، لن نتنازل كمؤمنين بهذه الدّولة اليوم وإلى الأبد، عن الحقّ بحصر أيّ حركة مقاومة ضمن المؤسسّات الشّرعيّة للدّولة، وما خلا ذلك يكون خروجًا على منظومة القانون والشّرعيّة ولن نعترف يومًا به. ولن تقوم أي دولة في العالم، وليس فقط في لبنان، ما لم تكن تملك القرار الاستراتيجي العسكري والأمني بالكامل.

ولا يتعجّبنّ أحدٌ من قوّة إيماننا بهذه الدّولة، برغم عللها وفسادها وزبائنيّة بعضهم فيها. نعم، نحن نثق بهذه الدّولة ولنا ملء الثّقة بقرار أجدادنا عندما نادوا بلبنان الكبير. لا نريد لهذه الدّولة أن تسقط. ومن لا يريدها عليه هو السّقوط والرّحيل اليوم قبل الغد. وما زيارة قداسته إلى الشّرق إلا تكريسًا لهذه النّمط من الدّول. ولبنان أوّلها. ومن يريد دولة على قياسه فليبحث عن أرض غير لبنانيّة. أمّا من يثق بلبنان وبكيانيّة هذا الوطن وبقدرة هذه الدّولة على النّهوض بأبنائها الشّرفاء فأهلا به إلى عمليّة إصلاح وتغيير منهجي تبدأ بالفكر ولا تنتهي بالمؤسّسات حتّى نصل إلى لبناننا المنشود.

بنهاية المطاف، مهما حاولوا الاستخفاف بالغرب لاستحضار أمواله، الحقيقة ساطعة كالشّمس وستظهرهم عراة من باريس 1 حتّى سيدر اليوم. ما لم نستطع استعادة الثّقة بأنفسنا وبوطننا أولا، لن نؤمن بوجوديّته. ونحن نؤمن لأنّ لبنان وطننا وفيه باقون. ومن لا يؤمن بذلك ما عليه سوى الرّحيل. فهل من يجرؤ على قول الحقيقة مهما كانت صعبة غير الذين يثقون بلبنان؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل