
عندما قبلت رانيا بوظيفتها، لم تكن تعلم أنها ستواجه هذه التحديات. مديرها الذي أعجب بقامتها الممشوقة ووجها الجميل، حوّل يومياتها في العمل الى كوابيس لا تنتهي. تحرش لفظي وجسدي، ورانيا عاجزة عن مغادرة العمل لأنها بحاجة الى راتبها.
ناديا قاومت وتحدت من تحرش بها في الشركة رافعة الصوت عالياً، ولكن بدل أن تلجأ الى القضاء لينصفها، تخلت عن عملها.
ويبدو أن الأخيرة اختارت الحلّ الأنسب، إذ لا يزال لبنان ينتظر إقرار قانون يحمي النساء من التحرّش في العمل والأماكن العامة، في الوقت الذي تحاسب فيه القوانين المتحرّش وتطبق عليه إجراءات صارمة في الدول المتقدّمة، تتقدمها بريطانيا.
قد يتخيّل اللبنانيون أن قانون العمل يحميهم من شتى التجاوزات، لكن في موضوع التحرش تكمن الصدمة. في القانون اللبناني برمته، كما قانون العمل، لا يوجد حتى اليوم مادة، “ولو يتيمة”، لمعاقبة وتجريم التحرش الجنسي صراحة.
لكن المادة 507 من قانون العقوبات تنص على ما يلي: “من أكره آخر بالعنف والتهديد على مكابدة او اجراء فعل مناف للحشمة عوقب بالأشغال الشاقة مدة لا تنقص عن أربع سنوات.
إذا كان المعتدى عليه قاصراً أتم الخامسة عشرة ولم يتم الثامنة عشرة من عمره، يعاقب المعتدي بالأشغال الشاقة لمدة لا تقل عن خمس سنوات ويكون الحد الأدنى للعقوبة ست سنوات أشغال شاقة إذا وقع الفعل على قاصر لم يتم الخامسة عشرة من عمره”.
مشروع قانون اوغاسابيان: عقوبات تأديبية وصرف من الخدمة
في محاولة لخلق مساحات أكثر أمناً واماناً في المؤسسات الرسمية والخاصة، اقترح النائب غسان مخيبر العام 2014 مشروع قانون أمام المجلس النيابي يرمي الى تجريم التحرش الجنسي. والعام 2017، اقترح وزير الدولة لشؤون المرأة جان اوغاسبيان تضمين مشروع قانون التحرش الجنسي في قانون العمل وقانون العقوبات.
يشدد مشروع قانون “اوغاسبيان” على أنه يتوجب على صاحب العمل اتخاذ التدابير اللازمة لمنع ومعاقبة التحرش الجنسي والوقاية منه في أماكن العمل. ويخضع كل من أقدم على ارتكاب التحرش الجنسي الى العقوبات التأديبية ومنها الصرف من الخدمة بالإضافة الى الملاحقة الجزائية والسجن من سنة الى ثلاث سنوات مع غرامة تتراوح بين عشرة ملايين وعشرين مليون ليرة. ويجزم مشروع القانون أنه لا يجوز في جرائم التحرش الجنسي منح الاسباب التخفيفية. أحيل مشروع القانون هذا الى اللجان النيابية، لكنه لم يسلك طريق التنفيذ بعد.
في هذا الإطار، يوضح وزير الدولة لشؤون المرأة في حكومة تصريف الأعمال جان أوغاسبيان أن مشروع القانون الذي تقدم به وأقره مجلس الوزراء في آذار من العام الماضي، يعزز حصانة الأجير إذا تعرّض لتحرش جنسي، ويشدد العقوبات ضد المتحرش في مكان العمل.
ويلفت لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني إلى أنه يعوّل على الاتصالات التي أجراها مع الكتل النيابية كي يسلك مشروع القانون طريق التنفيذ. يضيف، “على الرغم من التقدم الذي تم إحرازه في التشريعات المتعلقة بالمرأة وصون حقوقها، ثمة ثغرات تعترض تحقيق الغايات المنشودة، ونحن نعوّل على تبدل المزاج الذي سيساعد على إحداث التغيير المطلوب”.
الرجال أيضاً ضحايا
صدمة أخرى مدوية. تعتقد الفئات العاملة أن الشركات الخاصة أوجدت ضمن قوانينها وفي انظمتها الداخلية شرعة تحمي من التحرش، لكن المؤسسة العربية للحرية والمساواة AFE وفي دراسة معمقة هدفها العمل مع الشركات لمعرفة ما إذا كان لديها سياسة للتحرش الجنسي داخل المؤسسة، خرجت بخلاصة مفادها أن 15% فقط من الشركات لديها سياسة لمواجهة التحرش. و33% منها لديها نوعاً ما من الحماية في سياستها الداخلية، مثل السياسة الخاصة بالتمييز، لكنها لا تسمي التحرش”.
وإذا كانت النساء تتعرّضن أكثر للتحرش من الرجال، إلا ان الأخيرين وإن كان عددهم قليلاً، يتعرضون ايضاً للتحرش الجنسي والمضايقة ممن هنّ وهم أعلى منهم منصباً.
وفي حين أنه من غير المستغرب عدم وجود إحصاءات رسمية توثق نسبة اللواتي والذين تعرضوا للتحرش الجنسي في مكان عملهم، تعيد المؤسسة العربية للحرية والمساواة AFE السبب الى عوامل عدة قد يكون أبرزها غياب القانون الذي ينصف الضحية، نظرة المجتمع وحكمه، إضافة الى الوضع الاقتصادي الضاغط الذي يلزم الضحية على السكوت كي تحافظ على عملها.
وينسحب التحرش اللفظي والجنسي على جميع القطاعات، إذ غالباً ما يُسمع “همساً” عن حالات تحرش، لكن في ظل غياب القانون تطرح تساؤلات عدة عن كيفية حماية الفرد نفسه وماهية الآلية التي يجب اعتمادها.
حمدان: المادة 50 من قانون العمل قد تنصف الضحية
يقول المحامي والناشط في مجال حقوق الانسان سامر حمدان، ان التحرش الجنسي ليس بجريمة في لبنان، إذ إن قانون العقوبات اللبناني لم يجرّم ولم يذكر صراحة أو بشكل غير مباشر مصطلح “تحرش”. وفي ظل غياب القانون، بإمكان من تتعرض لتحرش في مكان عملها أن تلجأ إلى المحاكم الجزائية من خلال التقدم بشكوى أمام النيابة العامة بناءً على المادة 507 من قانون العقوبات أو المادة 532 منه. وتنصّ على أنّه “يعاقب على التعرض للأخلاق العامة بإحدى الوسائل المذكورة في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 209 بالحبس من شهر الى سنة وبالغرامة من عشرين ألف إلى مئتي ألف ليرة لبنانية”.
ويشدد حمدان لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني على أنّ هذا النوع من الشكاوى قليل جداً، لأن المرأة تعاني في ظل هذا المجتمع الذكوري وتخشى التشهير بها، وغياب القانون الواضح الذي يجب أن يحميها. أضف إلى أنّه لا بد من وجود اثبات على المتحرش، وهو أمر يصعب تحقيقه في مثل هذه الجريمة التي تستلزم قانوناً خاصاً بها وأصولاً معيّنة للإثبات”.
يعود حمدان الى قانون العمل الذي لم يتطرق طبعاً الى التحرش، مؤكداً أنه يمكن للأجيرة أن تقوم بفسخ عقد العمل على مسؤولية رب العمل، وتتقدّم أمام مجلس شورى الدولة بدعوى تطالبه فيها بتعويض الصرف التعسفي بالإضافة إلى تعويض عن العطل والضرر الذي لحقا بها.
يضيف، “هذه الطريقة التي يمكن أن تلجأ إليها الأجيرة، تتطلب منهجية قانونية صحيحة في الدعوى، إذ يجب أنّ تستند إلى المادتين 75 و50 من قانون العمل وتحديداً الفقرة (د) بجزئها الأول الذي ينص على الآتي: (المادة 50 – الفقرة د) يعتبر الصرف من قبيل الاساءة او التجاوز في استعمال الحق إذا تم في الحالات التالية: – لسبب غير مقبول او لا يرتبط بأهلية العامل او تصرفه داخل المؤسسة او بحسن ادارة المؤسسة والعمل فيها.
بهذه الحالة تستطيع الاجيرة في دعواها اعتبار فعل التحرش سبباً غير مقبول، ما يدفعها الى فسخ عقد العمل مع رب العمل على مسؤوليته، ويعتبر ذلك بمثابة صرف منه وليس استقالة، على أن تتقدم خلال مهلة 30 يوماً من تاريخ تبلغها كتابها بالفسخ على مسؤوليتها، بدعوى أمام مجلس شورى الدولة ليعود لقضاة المجلس النظر بالحالة ومدى إمكانية الحكم بالصرف وتعويضه.”
وينصح المحامي كل أجيرة بأن تتجرأ على القيام بهذه الخطوة القانونية، على الرغم من عدم وجود نص واضح في قانون العمل يجيز لها فعل ذلك، إلا أن استنادها إلى هذا النص قد يساهم في صدور قرارات قضائية تكرّس كاجتهادات ثابتة بعد ذلك، ليتم الاستناد عليها في دعاوى اخرى مشابهة.
