البيان الوزاري “مدموغا” بنهج “القوات”

“حيث أكون أنا يكون رأس الطاولة”. كلمات اختصر بها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ردّه على محاولات العزل والاستبعاد الى حد الالغاء ذات “اجحاف حكومي”، على خلفية تصدي وزراء القوات للملفات التي احاطتها “الشبهات” في الحكومة السابقة.

يدرك حزب القوات اللبنانية انه لا يشبه سائر الاحزاب، وهو لا يريد التشبه بأحد. ويرفض على الرغم من كل الاغراءات الانخراط في المنظومة السياسية التقليدية البائدة، لان رسالته وقضيته أسمى. لا يشبه القواتيون الا ذواتهم النبيلة العاشقة للبنان وشعبه الى حد بذل اغلى التضحيات في سبيله.

وما يغبط قلوب القواتيين ان مساحة المدركين لحقيقة القوات الناصعة تتمدد على امتداد الوطن والمغتربات كافة، وبات نهج القوات في التعاطي بالشأن العام محلّ تقدير واحترام داخليا وخارجيا من الخصوم قبل الاصدقاء. وما النتائج غير المسبوقة التي حققها في الانتخابات الاخيرة، رغم الحصار شبه الكامل بعدما خاضها شبه وحيد، سوى الدليل الدامغ على “الخامة” التي يريدها اللبنانيون في من يحكمهم من “رجال” السياسة ونسائها.

ولعلّ من قال “هنا نعمة القوات ونقمته في الوقت ذاته” اصاب في مكان ما، لان المفاجأة اذهلت الجميع من دون استثناء، واثارت المزيد من المخاوف من توسع المناصرين والمؤيدين في كل لبنان ومن مختلف الشرائح والمكونات، ما يفسر أيضا محاولات الحصار الدائمة.

لم يتردد القوات في بذل كل التضحيات لتخرج “حكومة الى العمل” الى النور، انطلاقا من تحسسه بمسؤولياته الوطنية تجاه اللبنانيين الذين أولوه ثقتهم، فبادر وتصرف وولدت الحكومة المعوّل عليها لوقف النزف الحاصل واستنهاض الدولة من حالة الهريان.

قبل الدخول في مناقشات البيان الوزاري، اشيعت اجواء اوحت ان “ما كتب قد كُتب والقديم على قدمه”، وان البيان معد سلفا وسيمشي كيفما كان، بحجة عدم اضاعة الوقت والحاجة الملحة لـ”بدء العمل والانتاج”.

رفض القوات هذا المنطق المعتور، مؤكدا ان كل القضايا يجب ان تبحث على طاولة لجنة صياغة البيان الذي يجب ان يشكل خريطة طريق للحكومة تلتزم بها وتعمل لإنجازها. ونجح في مطلبه هذا ولم يتم اقرار البيان بـ”شحطة قلم”.

حقق ما يمكن تحقيقه في اللحظة الراهنة، وهو ليس بقليل، نظرا للتوازنات المعروفة، والباقي الى “ربط نزاع” لتحقيقه “بعد حين”. وأصرّ ممثلوه على طرح الشؤون الوطنية والاقتصادية والحياتية كافة، ونجح على عكس ما اراده كثيرون شاؤوها مواضيع مسلّم بها وخارج البحث. وتقاطعت نظرته مع غالبية اعضاء اللجنة من مختلف المشارب السياسية في ملفات عدة.

وتمكن القوات بالتضامن مع آخرين من التأكيد على سياسة النأي بالنفس، واقرار وقف التوظيف العشوائي، وحذف الأرقام المالية التي كانت موزعة سلفاً على قطاعات محددة في اطار تنفيذ مقررات مؤتمر “سيدر”.

وبينما الجميع كان سلَّم بتمرير البند المتعلق بسلاح حزب الله أصرت وزيرة الدولة لشؤون التنمية الادارية مي شدياق على طرحه وبحثه، وضرورة وضع الضوابط له ضمن الأطر الشرعية بغية إمساك الدولة حصراً بالقرارات الاستراتيجية.

صحيح ان القوات لم ينجح في الوقت الراهن بإدخال التعديلات المطلوبة الاساسية في هذه النقطة، لكنه ثبّت مطالبته وطرحه ومنطقه القائل ألا شيء ممنوعا من البحث، ولا محرمات ولا بديهيات مسلّما بها سوى بديهيات الدولة ومنطقها وقواعدها، وان كل القضايا المصيرية هي اولوية تبحث على طاولة مجلس الوزراء.

وبدا لافتا ما احاط لحظة بداية بحث سلاح المقاومة. اذ همّ الوزير محمد فنيش بالخروج من الجلسة معتبرا ان الموضوع سيمر بعد التحفظ كالعادة، ليعود ويجلس الى الطاولة مستمعا الى شدياق وهي تقدّم أدلتها بمنهجية دستورية وقانونية ومنطق علميّ دولتيّ مؤسساتيّ.

يعكس تصرف فنيش استعدادا للتعاطي بطريقة مختلفة مع القضايا والامور المطروحة على الساحة الوطنية، من ضمن المؤسسات الدستورية. ويؤكد نجاح حزب القوات في ترسيخ نهجه واسلوبه في الشأن العام، حتى مع أشدّ المختلفين في الرأي، الا وهو التواصل والحوار والبحث مع مختلف الاطراف في كل القضايا الوطنية، من منطلق ايجابي لبناء الدولة ومؤسساتها.

وطبع الجلسات اصرار شدياق على طرح موضوع اطلاق وزير الخارجية جبران باسيل مواقف أحادية داعية الى اعادة سوريا إلى الجامعة العربية، من منابر خارجية. وشددت على رفض هذا الامر بالمطلق والتوقف عنه لان الحكومة لم تتخذ اي قرار بهذا الخصوص، وأيّدها في ذلك رئيس الحكومة سعد الحريري.

وبنتيجة اعتراض وزير العمل كميل أبو سليمان والوزيرة شدياق حذف السقف الزمني الذي كان محدداً بسنة لتأمين الكهرباء 24/24، لمنح القطاع الخاص فرصة زمنية معقولة لإنشاء المعامل ولقطع الطريق على أي مبررات للصفقات.

كما نجح أبو سليمان في إقناع وزراء “امل” و”حزب الله” ببند تحديث الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي واعادة النظر بقوانينه وهيكليته ونظامه. بالإضافة الى تحديث قانون العمل وتطوير وتحديث المؤسسة الوطنية للاستخدام من ضمن خطة لمكافحة البطالة. وإثر مطالبته بوضع رقم محدد في الموازنة لخفض العجز بمقدار 1 مليار دولار كحد أدنى، فيما البيان الوزاري كان خفض العجز بنسبة 1% فقط، اصبحت العبارة بعد اصراره “بما لا يقل عن 1%”.

هو نهج القوات المختلف في ممارسة الشأن العام وتحمل المسؤولية، ينجح في التغلغل شيئا فشيئا في مؤسسات مترهلة متآكلة منذ عقود، ويحقق الانجاز تلو الانجاز في كل مرحلة. عماده الوطنية الصافية والاستقامة والنزاهة والشفافية والحفاظ على المال العام من موبقات الفساد والفاسدين. وحيث يتعذّر، مرحليا، تحقيق الأهداف، يعود لينهض مجددا ويكمل المسيرة لتحقيق الدولة العادلة العصرية الحديثة التي يستحقها اللبنانيون.

لن يخذل القوات ثقة الناس مهما بلغت الصعوبات ووُضعت العراقيل والمطبات على طريق تحقيق آمال اللبنانيين وطموحاتهم بمستقبل زاهر وواعد وآمن ومستقر لأبنائهم. هذا نهجه، ولو بقي وحيدا في ساحة المواجهة. هذا تاريخه في أصعب المحطات بمواجهة الاخطار التي تهدد لبنان واللبنانيين وحياتهم ولقمة عيشهم.

فما على بعض الذين يتبرّمون من هذا النهج “المستقيم الراي” وهذه الممارسة “المختلفة” في السلطة، سوى التكيّف والتأقلم لأن لا خيار آخر أمامهم. اذ، وبالاستناد الى السابقات التاريخية، القوات لا يتزحزح عن هدف وضعه قبل تحقيقه وانجازه مهما كانت التحديات. والهدف واضح، مستقبل لبنان المشرق، الآتي حتما.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل