“علم وخبر”… مبروك للقضاء اللبناني؟

لا عتب على المجتمع اللبناني إن لم يعلم بوجود “نادي القضاة”، اذ تسأل محامياً يأتيك الجواب سلبياً. لعلّ التجاذبات السياسية والضغوط كبلّت كل المساعي للنهوض بالقضاء، لكن الاعتكافَين القضائيين الطويلين في العام 2017 كانا بمثابة انتفاضة سلمية ضدّ سلطات الفساد.

صرخات أطلقت لإيجاد منفذ لقضاء مستقلّ في لبنان. جبهات كثيرة فتحت. معظمها باء بالفشل. “علمٌ وخبر” بتأسيس نادي القضاة بارك به الكثيرون للقضاء اللبناني، أولهم عضو تكتل “الجمهورية القوية” القاضي السابق جورج عقيص، فهل هو انتصار للقضاء أم مجرّد دعم معنويّ؟

حق القضاة بالتجمع ضمن أطر مهنية معترف به بكل المواثيق الدولية والمنظمات العالمية التي تعنى بالشأن القضائي. مؤتمرات عدّة حصلت لكل وزارات العدل والسلطات القضائية حول العالم، أقرّت حق القضاة بالتجمع ضمن جمعيات أو أندية مهنية.

سهولة تأسيس هذا النادي تختلف باختلاف النظام السياسي. لم يكن قرار تأسيس نادٍ في كل الدول سهلاً بالنسبة إلى القضاة، لأن أغلبية السلطات السياسية كانت تحاول منعهم من التجمع في معظم الأوقات، وأحياناً مجالس القضاء الأعلى كانت تنظر بريبة إلى تأسيس هذا النوع من الأندية.

بعض الدول العربية، حتى التي يفوقها لبنان ديمقراطيةً، نجحت بتجارب عدّة لأندية خاصة، منها فلسطين وتونس والمغرب ومصر. لبنان تأخر في تأسيس النادي، مع أن المطلب يعود إلى محاولات بائسة منذ 1960، إلى ان نجحت المحاولة الأخيرة.

“المحاولات السابقة فشلت بسبب ضغوط سياسية من السلطات المتعاقبة التي لم تكن تسمح بتأسيس النادي، القضاة لم يكونوا مهيّئين للانطلاق، لم يكن هناك عدد كافٍ منهم للالتقاء والسير قدماً بهذا المشروع، إضافةً إلى عدة أسباب داخلية وسياسية تعيق إطلاق نادي القضاة خصوصاً خلال سنوات الحرب”، بحسب عقيص.

ويؤكّد عقيص في حديث لموقع “القوات” الإلكتروني، أن الاحتجاجات الكبرى والاعتكافَين القضائيين عام 2017 نجحت في دفع عدد من القضاة للتجمّع للمرّة الأولى و”أظن أن وسائل التواصل الاجتماعي أعطت مفعولها وسمحت للقضاة بتشكيل مجموعة ضغط إلى أن قررت مجموعة من هؤلاء السير بمشروع تأسيس نادي القضاة”.

حتى قرار التأسيس الأخير تأخّر أكثر من عام إلى أن صدر “العلم والخبر” في 29 كانون الثاني 2019، أي قبل يومين من تشكيل الحكومة الجديدة ووقّع عليها وزير الداخلية والبلديات السابق نهاد المشنوق. وفي هذا السياق، يلفت عقيص إلى أنه تقدّم منذ حوالي الشهر تقريباً بسؤال إلى الحكومة، إلى وزارة الداخلية تحديداً، عن سبب التأخر في إعطاء نادي القضاة “العمل والخبر”، مفصحاً عن هاجسه بأن إرادة سياسية حالت من دون تسهيل مهمّة النادي، على الرغم من ان العلم والخبر ليس إجراء او سبباً جوهرّياً لقيامه.

“النادي كان قائماً حتى قبل صدور العلم والخبر لكن هذه الوثيقة هامة معنوياً للتأكيد ان وزارة الداخلية اخذت علماً بتأسيس النادي، وهذا الأخير شارك في منتدى واكتسب عضوية اتحاد أندية القضاة العربية وشارك في الفترة الأخيرة بفعالية ملفتة بورشة العمل التي دعت إليها منظمة “كلنا إرادة” حول اقتراح قانون استقلالية القضاء”، منتظراً من النادي الكثير في الأيام المقبلة ومؤكّداً دعمه الشخصيّ كنائب ودعم تكتل “الجمهورية القوية” لهم.

ويبلغ عدد الهيئة التأسيسية 32 قاضياً برئاسة القاضية أماني فواز والأعضاء: زاهر حمادة، وفيصل مكي، ونجاة أبو شقرا، ومحمد رعد، ويحيى غبورة، وكارلا شواح، وبلال بدر، ومحمد فواز، وحمزة شرف الدين، ونادين رزق. إشارةً إلى أن الهيئة التأسيسية نفسها عليها استكمال إجراءات تأسيس الجمعية والدعوة الى انتخاب هيئة ادارية خلال مهلة سنة من تاريخ نشر “العلم والخبر” في الجريدة الرسمية.

هذه الخطوة هي حتماً بالاتجاه الصحيح نحو تكريس استقلالية القضاء ونحو التعامل مع القضاة بشكل يتوافق ومضمون رسالتهم، ما يتيح لهم على الأقل حرية التعبير عن همومهم وهواجسهم بإطار نادٍ يحفظ المهابة القضائية ويحفظ كرامة القاضي والأهم يتيح له إيصال صوته إلى حيث يريد.

عدم الخضوع للضغوط السياسية رهن قدرة هذا النادي على إثبات وجوده، ويتوّقف عند إرادة القضاة المنضوين تحت لوائه، كما على قدرتهم على مواجهة التحديات. والمسؤولية الأخلاقية الواقعة على عاتقهم كبيرة. من الواضح أنهم قرروا خوض هذه المواجهة انتصاراً للقضاء المستقل في لبنان حتى النهاية. فهل تكون “معركة كسر عظم” أم مجرّد دويّ بلا صدى؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل