صعوبات امام التعامل مع إيران بملف الدواء

لا يُمكن القول فعلياً إن زحمة زيارات الأسبوع الحالي قد تؤدي حتماً الى فرملة انطلاقة الحكومة الجديدة، انطلاقاً من تضارب الأجندات الإقليمية والدولية حول لبنان، لأن كل طرف يزور بيروت لأهداف “مزمنة” وجديدة مختلفة عن الآخر. وبالتالي، ما على اللّبنانييّن سوى تأكيد عدم القدرة على الارتماء الكلّي لا في هذا الحضن ولا في ذاك، والحجّة المسهّلة لذلك هو غياب التوافق اللّبناني الكلّي حول هذا الطرف الإقليمي أو ذاك.

وضمن “همروجة” الزيارات تلك، يبرز الكلام على جوانب معيّنة لزيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بيروت، والتي قد تتعلّق بالحراك الإيراني العالمي للإفلات من العقوبات الأميركية، انطلاقاً من سلسلة مشاريع تعرض إيران التعاون فيها مع لبنان، ولعلّ أبرزها ما يرتبط منها بالملف الصحي والدوائي.

فالاقتصاد الإيراني، وإن كانت العقوبات الأميركية أمّنت له بعض المخارج النفطية مع بعض الدول، وحتى ولو أن الأوروبيّين بدأوا عملياً بآلية التفافهم على عقوبات واشنطن في تعاملاتهم مع طهران، إلا أنه يرزح تحت صعوبات جديّة. وبموازاة هذه الصورة، يُعتبَر الملف الدوائي والصحي من أبرز الأسلحة “المقاوِمَة” التي تستخدمها إيران في العالم ضد الولايات المتحدة، بهدف الحفاظ على وجودها وقوّة تأثيرها العالمي، وهو ما برز بوضوح على لسان مسؤولين إيرانييّن منذ أشهر، إذ عبّروا عن أن النجاح الإيراني في سوق الدواء سيكون مشابهاً للنجاح في سوق السلاح. ومن هنا، يُمكن قراءة إصرار “حزب الله” على التعامُل الصحي اللبناني مع طهران.

ولكن معوقات تقنية وفنيّة كثيرة، لا بدّ من الإضاءة عليها، في مسألة أي تعامُل مع إيران في هذا المجال، انطلاقاً من نقاط عدّة، أهمّها:

– أن ملف الأدوية الإيرانية هو أكثر من شائك، لِكَوْنه يرتبط بالكثير من عمليات التهريب، كما بالفشل في الكثير من عمليات تجارب المختبرات، وهو ما يتسبّب بمخاطر شديدة على الصحة. ونذكر في هذا الإطار أن الأدوية الإيرانية تسبّبت بالكثير من الوفيات كما بحالات فشل كلوي والتهابات وحالات سرطانية كثيرة وجلطات وتفاقمها بدلاً من معالجتها، سواء في الداخل الإيراني أو في العراق وسوريا تحديداً.

– أن عمليات بيع الأدوية الإيرانية تشبه في مفاصل كثيرة منها الصفقات التي يقوم بها “الحرس الثوري الإيراني”، لأنه يمتلك الكثير من شركات ومصانع الأدوية الإيرانية، وهو ما يهدّد السوق الدوائي اللّبناني في تعاملاته مع السوق الدوائي والصحّي العالمي. ونذكر في هذا السياق أن عمليات تهريب الأدوية لا تحترم الشروط الطبيّة كثيراً، وهو ما يؤدي الى أضرار صحيّة كثيرة على المرضى.

– أن التعامل في المجال الصحي عموماً مع إيران، ليس سهلاً، إذ إن كثيراً من المواد التي تُستخدم كضرورة في صناعة الأدوية لا يُمكن لإيران أن تحصل عليها بسهولة، منذ مرحلة ما قبل العقوبات الأخيرة. فضلاً عن أن المختبرات ومصانع الأدوية الإيرانية تعاني من عدم القدرة على الحصول على كلّ الآلات والقطع اللاّزمة، وهو ما يجعل الكثير منها إما خارج “المعايير الصحية العالمية” المطلوبة، كلياً، أو جزئياً.

– أن التعامل مع إيران في المجال الصحي عموماً ليس سهلاً، لِكَوْنه سيؤثّر حتماً على المفاهيم والثقافة الطبية للأطباء اللّبنانييّن الذين يتمتّعون بهوامش غربية واسعة في هذا الإطار. وهذا الحقل أيضاً لا يُمكن ولا يجب تعديله على طريقة خوض المغامرات، بسبب أثمانه الأكثر من باهظة على السلامة الطبية العامّة.

شددت مصادر طبية بارزة على أن “أي دواء لا يُقبَل في لبنان دون وجود موافقة عليه من قِبَل “منظمة الصحة العالمية” أو الـ FDA أو الـ EU أو اليابان. وهذه هي المرجعيات الأساسية للدواء في العالم التي تعطي الثقة بأي دواء، مهما كان البلد المصنّع له”.

وأكدت في حديث الى وكالة “أخبار اليوم” أن “وزارة الصحة تأخذ هذا الأمر في الاعتبار، ولا تقبل بتسجيل أي دواء ليس حاصلاً على موافقة تلك المرجعيات الدولية”.

وشرحت المصادر أنه “توجد لجنة فنية في وزارة الصحة، يتمّ من خلالها تسجيل أي دواء يدخل الى لبنان، إذ إنها تدرس الملفات وتعمل بالتنسيق مع “منظمة الدواء الفرنسية” أيضاً. ولذلك، فإن كل الأدوية المسجلة في لبنان تحظى بالاعتراف بها وتوحي بالثقة سواء كانت “جينيريك” او “براند”.

ولفتت الى أن “لدى إيران صعوبات كثيرة في الحصول على المواد والآلات الأساسية لتصنيع الأدوية، كما توجد صعوبات كبيرة حالياً في استقدامها من أوروبا الى طهران في الوقت الراهن. لذلك، فإن استمرار إيران بتصنيع الأدوية توجد حوله أسئلة كثيرة، بالإضافة الى أسئلة كثيرة حول ما إذا كانت أدويتها تتمتّع بالمواصفات العالمية”.

وحذّرت تلك المصادر من أن “التعامل مع إيران في هذا المجال قد يجعل لبنان خاضعاً للعقوبات الأميركية على طهران، وهذا الأمر يسيء الى قطاع الصحة عموماً، وخصوصاً الى قطاع الدواء في لبنان”.

ومن جهتها، شدّدت مصادر صيدلانية بارزة على أن “يهمّنا أن يحصل المواطن اللبناني على أفضل أدوية من أفضل مختبرات، وبأحسن جودة وابتكار، كما بأسرع وقت ممكن”.

وأكدت في حديث الى وكالة “أخبار اليوم” أن “أي دواء يدخل لبنان يجب أن يدخله بحسب الأصول، وأن يحترم قوانين التسجيل والتسعير”.

وأضافت: “هذه هي النقاط الأساسية كشروط بالنسبة إلينا، بالإضافة الى احترام الدواء للأصول بالتسجيل. فالأصول تتطلب أن يكون للأدوية ملفات تسجيل، فضلاً عن أن حصول أي جهة مصنّعة للدواء على ملفات تسجيل تستوجب قيامها بالتصنيع بالطرق اللّازمة وبتقنية دقيقة”.

ولفتت المصادر الى وجود “مشاكل لها علاقة بالتسجيل والتسويق والإرشاد بالنسبة الى الأدوية الإيراني في لبنان، بالإضافة الى نوع من مقاومة من قِبَل الطاقم الطبي اللبناني لها”.

وختمت: “لبنان حصل على المرتبة 23 من أصل 170 بحسب آخر التصنيفات الصحية العالمية، ويهمّنا البقاء في المرتبة الرائدة نفسها”.

المصدر:
أخبار اليوم

خبر عاجل