من أين لك هذا سمير جعجع؟

وجهاً لوجه جلس رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الى محاوره. خربط صيغة البرنامج القائمة أساسا على استقبال ضيف في الاستوديو، ومن حوله يطرح صحافيون الاسئلة. صار الاستوديو في معراب والصحافيون طرحوا ما أرادوا من الاستديو في بيروت. اعاد الدكتور جعجع في مقابلته مع جورج صليبي عبر قناة “الجديد” الاعتبار للبرامج الحوارية التي تعتمد الحوار المباشر وجها لوجه، من دون فائض ديكور او فائض ضيوف، وكما اصبحت غالبية البرامج الحوارية.

جلس الحكيم الى ضيفه على خلفية صورة لأرزة كبيرة تزين اغصانها اسماء وزراء سابقين وحاليين للقوات اللبنانية، وتلك الطاولة المستديرة والكاميرا ثالثهما، وما كانت الحلقة تحتاج لأكثر من ذلك، لان ديكورها “الفخم” كان المضمون الدسم الذي أغدق به جعجع على الحوار، وهذا يكفي وهنا بيت القصيد.

#ونحنا قدا، غرّد الحكيم على صفحته عبر تويتر قبل دقائق من انطلاق البث المباشر للحلقة، وطارت التغريدة لتصبح هي الاعلى بعدد متابعيها، او تراندينغ بلغة تويتر. وفي وقت قصير جدا بفضل جيش القوات الالكتروني، “عندك جيش الكتروني متابعك صحيح؟”، سأل صليبي، ليبتسم الحكيم بسمة الحنان تلك لشبابه، “صحيح وانا بشكر الجيش الالكتروني للي مواكبني حتى نوصّل الفكرة كما يجب”، واشتعلت صفحات الرفاق بهذا الشكر الذي تحوّل الى صورة وهاشتاغ وشعار.

الكثير من المواقف اللافتة تخللت المقابلة، اولا المواقف السياسية التي كالعادة ما حادت عن ثوابتها، ابتداء من الحكومة وملفات الفساد والعلاقة مع حزب الله، مطالبا الحزب وبحنكته المعهودة، بفتح الاسواق الايرانية بوجه الادوية اللبنانية الفائقة الجودة وليس العكس كما يطالب الحزب. موقف آخر دوى في الحلقة حين أعلن ان القوات اللبنانية يدعم بالمطلق رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في وجه محاولات التطويق التي يشنها عليه جماعة بشار الاسد في لبنان، معتبرا انها معركة وطنية، “ويجب على القوات ان يقف الى جانب جنبلاط الذي كان رأس حربة بـ14 اذار”.

اسئلة كثيرة طرحت عليه من الصحافيين الذين كانوا ضيوف الحلقة، وحاولوا احراجه بما هو غير متوقع من الاسئلة، خصوصا ان غالبيتهم من الطرف الاخر اذا جاز التعبير، كالسؤال الذي طرح عن اختياراته بين العسكر او الطب، فروى لأول مرة عن بداياته العسكرية حين كان لا يزال يدرس الطب في الجامعة الأميركية. وكشف عن انني “تعلمت ست سنين طب وكنت من بين المتفوقين، وقت كنت بالمستشفى وكانت بدأت حرب الفنادق، كان كل يوم يجي جرحى، ونطببهم، ويرجع يجي جرحى، جريح بعد جريح، قررت وقتا انو لازم نوقّف يكون في جرحى عبر الانخراط بالقضية… وبكافة الاحوال سِلم لبنان ما صار إلا على ايدنا”، قال جعجع.

سؤال آخر رمي في خانة الاحراج عن حقيقة ما نشر في وثائق ويكيليكس عن سعي القوات للتسلح، فأجاب بمنتهى البساطة “وقت للي بتحسّ حدا بدو يتعدّى عليك بدك تعمل شو ما كان، صحيح كان عنا بوقتا 7000 شب، هلأ صرنا أكتر بكتير بين منتسبين ومناصرين ومحازبين. وهالكلام يحسب النا ومش علينا لان نحنا ما طالبنا بسلاح بس قلت وقتا انو نحنا ما عنا سلاح، لكن طبعاً رهاننا الأساسي هو على الدولة وعلى الجيش اللبناني”.

وكانت ذروة الشفافية حين سُئل عن مصدر امواله، حتى نحن القواتيين لم نتوقع جوابا مماثلا وان كان بعضنا يعرف هذه الحقيقة! “من اين لك هذا حكيم؟”، سألت الصحافية. ابتسم بمنتهى الهدوء، واجاب بشفافية مطلقة رقراقة صافية هيك كما هي “انا عندي ست غير انها مناضلة حقيقية لكنها مبحبحة. ورتت اموال كتير عن والدها وانا بساعدها احيانا بهالاطار. اما مصاريف الحزب فمن اموال القوات اللبنانية، وعندنا شبكة متطوعين قواتيين من كل المطارح”.

هكذا بكل بساطة وصدق وانسجام مع الذات، واكاد اجزم ان لا احد يفعلها في لبنان الا سمير جعجع، لا احد يملك جرأة الشفافية في لبنان الا من كان يملك الصدق والنبل والتعامل الصافي مع الحقيقة مهما كانت صعبة. لذلك هو قدا وقدود، لذلك نحن “قوات لبنانية” لأننا لا نوارب، لا نمالق، لا نحابي، لا نغش، لا نطلق الشعارات الفارغة من مضمونها، ودائما ندفع فواتيرنا من حسابنا الشخصي. غالبا ندفع الثمن لأننا لا نملك سوى ان نعلن الحقيقة الصعبة في وطن المستحيل، لذلك نحارَب ولذلك نحنا قدا وقدود، ولذلك الحكيم كان قدا وأعلن مسبقا انو “نحنا قدا”.

من امتع المقابلات لسمير جعجع، وفي كل مقابلة كنت أقول تجاوز الحكيم نفسه، فأعود واكتشف ان لا، لا يزال الوقت طويلا امامي لأعرف الرجل، وكلما علمت شيئا اكتسبت قيمة مضافة، ولا قيمة تفوق كل تلك القيم في رجل واحد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل