الاستراتيجية الدفاعية بوجوه عدة… وبو صعب: مطروحة فعلياً

بعد انتظار دام 9 أشهر تم الافراج عن الحكومة الجديدة برئاسة سعد الحريري. تحديات ووعود كثيرة تواجهها الحكومة والشعب ينتظر الأفعال كما المجتمع الدولي. أبرز الملفات التي على الحكومة التصرف بشأنها، هي محاربة الفساد وإيقاف الهدر، وتنفيذ الاصلاحات وتطبيق مقررات مؤتمر “سيدر”، ومناقشة الاستراتيجية الدفاعية الوطنية.

قد تجد بعض الملفات الاقتصادية سبيلها إلى التحقيق في ظل إصرار جميع الأفرقاء على وجوب تنفيذها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم عما إذا كانت الاستراتيجية الدفاعية من ضمن هذه الملفات السالكة أم أنه طرح قُدّر له أن يبقى معلّقاً إلى أبد الآبدين على الرغم من دعوة كل من رئيس الجمهورية ميشال عون وابداء الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله استعداده لمناقشتها، في ظل حماسة بعض الأحزاب.

وزير الدفاع الوطني الياس بو صعب يشير إلى أن رئيس الجمهورية ميشال عون سبق وطرح فكرة مناقشة الاستراتيجية الدفاعية في مراحل عدّة قبل خطاب القسم وبعده، كما أنه تكلم عنها مرارا في الاعلام.

ويؤكد بو صعب في حديث لموقع القوات الالكتروني، أن الموضوع فعلا مطروح، ويضيف، “أعتقد أنه في وقت قريب جدا، سيبدأ الحديث حول مناقشة استراتيجية دفاعية، ليس في مجلس الوزراء بل على الأرجح سيكون هنالك طاولة حوار في هذا الخصوص”.

يمزج وزير الدفاع بين الحقيبتين السابقة والحالية، مشيراً إلى أنه “لدينا في لبنان جيشان نتكلّ عليهما، جيش من الأساتذة والجيش اللبناني. ولا أزال أتعاطف لغاية اليوم مع التلاميذ والأساتذة الذين عملت معهم”.

ويضيف، “بعد استلامي وزارة الدفاع أصبحت مسؤولياتي متعلقة حصرا بالجيش، وأتأمل من التلامذة إناثا وذكورا، التحاقهم بصفوف المؤسسة العسكرية، لأن اتكالنا في لبنان على الجيش الوطني، إذ إنه خلاصنا”.

طُرح مصطلح الاستراتيجية الدفاعية في لبنان للمرة الأولى العام 2006، إذ ناقش الفرقاء مواضيع أساسية من بينها السلاح الفلسطيني وسلاح حزب الله، واختلفوا بين مطالب بمنظومة تحمي لبنان، وأخرى بنزع سلاح حزب الله. والبحث في الاستراتيجية الذي قطعته حرب تموز 2006، استؤنف برئاسة رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان بعد التطورات والتحولات الجذرية على الساحة اللبنانية عقب أحداث 7 أيار 2008 ليعود و”يضمحل” عن ساحات الحوار.

الاستراتيجية الدفاعية مبنية نظريا على ثلاثة أسس، أولها الحفاظ على استقلال لبنان وسيادته، وثانيا حماية المواطن اللبناني، وثالثا حماية مصالح المجتمع اللبناني. أما الانقسام اللبناني حول سلاح حزب الله والاستراتيجية الدفاعية يمكن تبيانه في خمسة مواقف مختلفة.

– استراتيجية يطرحها حزب الله مدعوما من حركة أمل والأحزاب الوطنية اليسارية وفئات إسلامية ومسيحية شتى، تتبلور في استمرار الوضع على ما هو عليه، ومواجهة إسرائيل تكون باستراتيجية تقوم على الثنائية العسكرية، بتنسيق ترعاه السلطة بين جيش رسمي قوي وتنظيمات شعبية مسلحة.

– استراتيجية تطرحها فئة متحالفة مع حزب الله في مقدمتها التيار الوطني الحر، وتتمحور بمركزية القرار لدى الدولة ولامركزية التنفيذ لدى خلايا المواجهة والقتال.

– الموقف الثالث يمثله حزب القوات اللبنانية، يرفض سلاح حزب الله، ويطالب بنزعه فورا، وحصر المهمة الدفاعية بالجيش.

– أما تيار المستقبل وحلفاؤه يقولون إن “الدولة فقيرة، والمقاومة تستجلب الدمار”، ويطالبون أن تكون استراتيجية الدفاع بيد السلطة ويرفضون وجود أي سلاح قد يهدد السلطة أو الثروات، مع الاستعانة بالغرب وأميركا وقرارات الأمم المتحدة.

– استراتيجية يقدمها الحزب التقدمي الاشتراكي وتقوم على اعتبار المواثيق والمعاهدات الدولية هي الأساس في حماية لبنان، والجيش هو الوحيد المخول بالدفاع عن البلاد.

من الناحية الإقليمية، لم يكن الشرق الأوسط يوما في تاريخه الحديث أحادي القطب، واليوم أكثر من أي وقت مضى تعيش هذه المنطقة مرحلة من الغموض الاستراتيجي في ظلّ وجود قطبين أساسيين بقيادة الولايات المتحدة وروسيا.

وتجلت هذه الثنائية القطبية على الساحة السورية، إذ تنضوي تحت ألويتها مشاركة أو دعم لاعبين دوليين وإقليميين آخرين. فتنضم بعض دول أوروبا والعالم العربي إلى جانب الولايات المتحدة في محاولة للجم ما يسمى بـ”دول الممانعة” وشركائهم أي سوريا وايران وحزب الله الذين ينضوون تحت لواء القطب الروسي.

في ظلّ هذه الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط يواظب لبنان اعتماد سياسة النأي بالنفس كحكومة، بالتالي من المفروض أن يكون متملصا من كل الأقطاب ولكن عوامل داخلية كالسلاح المتفلت على سبيل المثال ومشاركات حزب الله الخارجية، لم تبق لبنان على حياد تام.

ضباب الرؤية السياسية المشتركة وعدم القدرة على التسمية والتصنيف دفعت لبنان إلى اعتماد سياسة النأي بالنفس، فعدم القدرة على تحديد الأعداء والحلفاء للوطن أجمع وفي ظلّ تأثير الأزمة السورية على لبنان وتطوراتها الأمنية واسرائيل على الحدود الجنوبية وحزب الله والسلاح الفلسطيني في الداخل اللبناني، كل هذه الاسباب مجتمعة، أدت إلى غياب الاتفاق الداخلي والقرار الموحد وحالت دون وضع استراتيجية لبنانية للدفاع الوطني.

والاستراتيجية الدفاعية ليست حصرا الشق العسكري بل تتطور وتتضمن أولويات أخرى بحسب حاجة البلاد ووضعها الراهن. فعلى سبيل المثال المصالح الاقتصادية أولوية في الاستراتيجية الدفاعية الأميركية. أما في “ألمانيا النازية” كانت المصالح العنصرية وتبعا للأوضاع الراهنة.

ولتحقيق أي استراتيجية دفاعية، أقله نظرياً، يجب تحديد النقاط الأساسية التي تشكل عناصر تهديد للمصالح اللبنانية العامة من ثم وضع سياسة دفاع شاملة خارجيا وداخليا لضبط الأمن والمحافظة على وعي استراتيجي، وانشاء احتياط بشري وطني، وانشاء صيغة مدنية عسكرية لإدارة الازمات في فترات الحروب والبحث عن تعاون استراتيجي وتمكين قدرات الجيش.

لكن في لبنان، لا يوجد اتفاق اساسا على الحليف من العدو. فالانقسام يتعدى السياسة ويغوص في التبعيات والأديان. وأكثر من ذلك كيف نتكلم عن استراتيجية دفاعية والسلاح في لبنان ليس “حصرياً” والقرار غير محصور بالدولة اللبنانية فعلى أي أساس تبنى استراتيجية دفاعية؟ هذا ولم يجري الحديث عن موارد الجيش اللبناني وعتاده المؤلف 90% من الهبات والمساعدات.

ومن النقاط البارزة في مناقشة استراتيجية الدفاع اللبنانية، ايجاد حل لجعل السلاح في الدولة اللبنانية “حصري”. وهنا تتعدد الطروحات، وأبرزها: سحب السلاح الداخلي بالقوة، (سلاح الحزب الله والمقاومة الفلسطينية) ما قد يؤدي إلى كارثة في البلد. أو محاولة خلق صيغة لتسليم السلاح أو رده إلى مصدره أو دمجه مع الجيش اللبناني. ويبقى الأهم طبعا دعم الجيش اللبناني وتخصيص ميزانية تسمح له تمكين أركانه وعديده وعتاده وتطوير مهاراته وقدراته.

وعليه، فإن البحث الحالي في الاستراتيجية الدفاعية في لبنان عقيم، خصوصاً أن الأمر يظهر كصورة لصراع مشروعين دوليين على أرض لبنان، ينتصر أحدهما إن بقي سلاح “المقاومة” واعتمدت استراتيجية دفاعية في وجه إسرائيل، وينتصر السياديون بتسليم هذا السلاح.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل