لبنان وحضارة التّاريخ

 

 

تَسابُق غير مسبوق لزيارات دبلوماسيّة إلى لبنان. وزوّاره كلّهم لا يتعمّدون إحراجه. والأكثر، يعرضون المساعدة من كلّ حدب وصوب، لكنّ هذه المساعدة معكوسة الفائدة، على الأقلّ بالنّسبة إلى الزّائر الايراني الذي وصل الأمر به ليعرض التّبادل بالليرة.

فهل يستطيع لبنان أن يتحمّل، وهو على وقع مناقشة بيان وزاري لحكومته، معاداة العرب والعالم لإرضاء مَن يرهن نفسه وأبناءه لمصلحة دول عقائديّة بهدف تحويل لبنان كلّه من فلك الحرّيّة الكيانيّة إلى فلك قضمه التاريخ؟

 

إنّ لبنان لا يرفض يد العون من أحد، شرط ألا تكون هي نفسها مشروطة. فمن يريد أن يساعد لبنان لا يستغلّ فلك حرّيّته ليتحرّر. يحاربون هذا البلد الصّغير لأنّه واحة حريّة في محيط استعباد واستزلام يتشوّقون لتقليده. ولن نكون في عالم 2050 إلا عالما مليئًا بالمزيد من الحرّية والتحرّر. مهما طال ليل الظّلم فلا بدّ لشمس الحرّيّة أن تشرق.

ممّا لا شكّ فيه أنّ المنظومات العائليّة والتوتاليتاريّة التي قامت في الشّرق الأوسط بعد الحربين الكونيّتين آيلة إلى السّقوط، وسنشهد أوطانًا ركيزتها الأساسيّة الحرّيّة التي قام عليها الأنموذج اللّبناني. وما هذه الثّورات التي بدأت إلا خير مؤشّر على ذلك. ولا يظنّنّ أحد أنّها حقّقت أهدافها. فالثّورة الفرنسيّة عام 1789، على سبيل المثال لا الحصر، مرّت بمخاض بلغ عمره أكثر  من قرن حتّى وصلت إلى الأهداف التي سعت إليها.

 

لا نستطيع في لبنان أن نسير بعكس المجرى الطّبيعي للتّاريخ. لقد كنّا متقدّمين على محيطنا الجيوبوليتيكي، جنوبًا وشرقًا وشمالا، لذلك حوربنا من الطّرفين الأغرّين. وما زالت هذه الحرب مستمرّة حتّى لو أنّها اتّخذت أشكالا مختلفة. لكن المسألة المهمّة وسط هذه الحرب علينا، تبقى ثباتنا في حرّيّتنا وعدم التّحوّل إلى نسخة عن المحيط الذي يسعى للسيطرة علينا لنصبح بلدًا قابلا للحياة.

 

لا يا سادة. نحن الذين نستحقّ الحياة، ونحن الأنموذج الذي يجب أن تحتذون به، وليس العكس. والتّاريخ القادم سيثبت صحّة هذه الفرضيّة. لذلك كلّه، لن ندخل في صراع دولي أو إقليميّ كرمى عيون أحد، مهما بلغ جبروته. فجبروت الحقّ أقوى من جبروت السّلاح. وما سعيهم لإدخال لبنان في هذه الحقبة الانتقاليّة، إلا سعيًا منهم في المزيد من الاستثمار بالنّتائج التي حقّقوها في الانتخابات الأخيرة التي يسعون إلى تضخيمها بتهميش نتائج تيّار الحرّيّة.

لن ينجحوا في سعيهم هذا لأنّ اللّبنانيّين مفطورون على الحرّيّة منذ الولادة وحتّى الشّهادة. ومن لا يستطيع القبول بهذه الواقعة، هذا يعني أنّه يرفض قيمة الحرّية الشّخصيّة الكيانيّة ويسعى لاستبدالها باستزلام وعبوديّة تحت مسمّيات منمّقة لن نقبل بها ما حيينا.

 

لن نتحوّل من أحرار إلى عبيد في زمن تحرّر فيه العبيد كلّهم. على الكلّ أن يفهم بأنّ مواكبة التّاريخ وحدها ستنقذ لبنان ممّا يتخبّط فيه. المعادلة بسيطة جدًّا، نستطيع إعادة أمجاد لبنان كلّها، لحظة يقرّر فيها اللّبنانيّون جميعهم، باختلاف مجموعاتهم الحضاريّة، أن يتحوّلوا أوّلا من شعوب لبنانيّة متناحرة إلى شعب لبنانيّ واحد موحّد حول قضيّة الحرّيّة.

فلبنان لا يحتمل أن يكون في مواجهة العالم كلّه. ولا يستطيع لبنان أن يرمي بأحد في البحر، أو حتّى أن يعادي شعبًا ما تربطه به جذور التّاريخ والجغرافيا. سيناقش البيان الوزاري، ولو مناقشة خجولة، لتنال الحكومة ثقتها من المجلس النّيابي، ولن تكون هذه الثّقة على قاعدة إمّا الرّضوخ وإمّا لا ثقة. العجلة دارت إلى الأمام ولن يستطيع أحد إيقافها.

 

لذلك كلّه، يجب مواكبة حكومة العمل بالأعمال، وليس بالأقوال فقط، والبدء بورشة إصلاح فكريّ وتربويّ وحضاريّ، ينقل لبنان من ثقافتي الفساد الأخلاقي، والفساد السياسي إلى ثقافة الحضارة الأمميّة، لنكون أمّة في دولة بين أمم العالم ودوله؛ وليس شعوباً في دولة بين دول العالم وشعوبه. فهل نستحقّ هذا الإرث اللبناني وثقل تاريخه الحضاري والفكري لنبقى ونستمرّ؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل