حكومةٌ على كفّ “العفاريت”!

لم تكد 10 أيام تمرّ على تشكيل الحكومة الجديدة واقرار البيان الوزاري، حتى بدأت طلائع الموفدين الدوليين والاقليميين بالتسابق للوصول الى بيروت.

في هذا التهافت، ما يشي ان عرقلة التشكيل على مدى نحو تسعة أشهر لا يمكن فصلها عن الاشتباك الاقليمي المشتعل. خصوصا لناحية المحور الايراني الذي يحاول عبر “تجميع الاوراق” ايجاد “ملاذات آمنة” و”حيطان صدّ” او طرق التفافية، تساعده على كسر الحصار الخانق الذي تعيشه إيران في ظل العقوبات الاميركية والدولية المتصاعدة عليها.

لا يشكل تصريح وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف، فور وصوله الى بيروت قبل ظهر الاحد الماضي للقاء كبار المسؤولين، بالإضافة إلى الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، عن استعداد إيران لتسليح الجيش اللبناني، فضلا عن سائر انواع المساعدات التي تطلبها الحكومة اللبنانية، حدثا جديدا على المشهد السياسي. ومهد له نصرالله قبل ايام في تصريحات صبّت في الاتجاه ذاته.

طهران دأبت على اعلان رغبتها هذه منذ سنوات، وكررها حزب الله اكتر من مرة. لكن إيران والحزب اول من يعلم ان المزايدات في هذا الخصوص، مهما بلغ “الضخ الدعائي”، لا تسبغ على الموضوع جدية يفتقدها نظرا للتوازنات الداخلية والاقليمية والدولية التي تفرض نفسها على لبنان والمنطقة، والتي تجعل من الصعب على لبنان ان يكون تابعا لاي من المحاور لئلا يدفع ثمن الصراع القائم لكونه الحلقة الاضعف في “صراع الفيلة” الحاصل، ومصلحته القصوى تكمن في التأكيد على سياسة النأي بالنفس فعلا لا قولا فقط. ومن المعروف أن إيران محاصرة بالعقوبات الدولية ووضعها الاقتصادي شديد التأزم، وهذا باعتراف الرئيس الايراني حسن روحاني قبل أيام.

بعد ظريف بساعات قليلة، وصل الى بيروت الامين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، لينفي من بعبدا بعد لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون اي معطيات لديه عن توافق عربي في شأن عودة سوريا الى الجامعة وانه لا يرصد “اي تطور في هذا المفهوم”.

كما يتوقع بحسب معلومات صحفية وصول المستشار في الديوان الملكي السعودي نزار العلولا الى بيروت خلال الساعات المقبلة. لتليه الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الإتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني في 25 شباط الحالي. وتتزامن زيارة المسؤولة الاوروبية مع زيارة قائد القيادة العسكرية المركزية الأميركية جوزيف فوتيل نهاية الشهر الجاري.

وفي ظل التسابق الدولي والإقليمي، لا يخفى الانقسام المتأصل في لبنان بين فريقين اساسيين حول مجمل القضايا الاستراتيجية المتعلقة بعلاقات لبنان الاقليمية والدولية:

– فريق يرى ان على لبنان ان يصطف في ما يسمى “محور المقاومة”، واساسه النظام الايراني وما تبقى من نظام بشار الاسد، لان في ذلك قوة ومناعة له ما يمكنه من التصدي للاعتداءات الاسرائيلية والمؤامرات الدولية!

– وفريق آخر يعتبر ان مواجهة الاطماع والاعتداءات الاسرائيلية مسؤولية الدولة ومؤسساتها الشرعية بتوفير ما يلزم من وسائل لها، ومن ضمن الشرعيتين العربية والدولية باستنفار اصدقاء لبنان. ويؤكد انه لا يمكن للبنان الخروج عن المنظومتين العربية والدولية، خصوصا في ظل اوضاعه الاقتصادية التي شارفت حد الانهيار قبل تشكيل الحكومة الجديدة، الخاضعة لـ”عدسات الرصد” الدولية والعربية لتبيان جديتها في تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية والمالية المطلوبة “بشكل حازم” في مؤتمر سيدر، فضلا عن التزامها بالعقوبات والقوانين والقرارات الدولية القائمة. وبيان مجلس الامن الاخير الذي اعاد مطالبة الحكومة بالتطبيق الكامل للقرار 1701 وانهاء حالة الميليشيات غير الخاضعة للسلطة الشرعية، لم يجف حبره بعد.

بالتالي، أين ستكون الحكومة الجديدة اذا ما دهمتها الاحداث والتطورات في المنطقة التي لا تنبئ بانفراجات قريبة، بل على العكس، المؤشرات تدل على انها مقبلة على سخونة في الاوضاع في ظل الصراع المحتدم وغياب افق حل قريب لأزماتها المشتعلة، خصوصا في سوريا؟

وكيف ستتمكن “حكومة الى العمل” من انجاز اي عمل ان لم تنجح في النأي بنفسها عن صراعات “العفاريت المتعددة الجنسيات”؟ وان لم يلتزم اطرافها، او بعضهم، فعلا لا قولا بالقواعد الموضوعية التي يفرضها الالتزام بهذه السياسة والتواضع وعدم الانجرار الى “غرور قاتل” او الانتشاء بانتصارات وهمية مستحيلة؟

الزغبي: طموحات إيران “اللبنانية” دونها عقبات

المحلل السياسي الياس الزغبي، يوضح انه “فور ولادة الحكومة، تبيّن ان عقدة خارجية ما كانت تحول دون تشكيلها وليس فقط الحسابات الداخلية وتنازع المصالح والمكاسب. وهذه العقدة الـ(ما) اتضح انها إيرانية بامتياز”.

ويرى الزغبي في حديث الى موقع القوات اللبنانية الالكتروني، انه “من خلال قراءة إيران للمرحلة، كانت في البداية تستشعر حالة قوة واستكبار، ثم جاءت تطورات في سوريا من خلال الغارات الاسرائيلية الموجعة، ومن خلال الضغط الروسي بمباركة اميركية على نفوذ ايران وحزب الله في سوريا، اضافة الى العاملين الدوليين: مؤتمر وارسو الدولي برعاية الولايات المتحدة في 13 و14 شباط الحالي ضد النفوذ والتمدد الايراني، واستحقاق القرار الصادر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الذي يقترب موعد صدوره”.

ويشير الى أن “كل هذه العوامل مجتمعة ضغطت على إيران كي تسهّل ولادة الحكومة في لبنان، خصوصا لجهة (البازار) الذي سعت اليه مع موسكو، اذ تبيع في لبنان وتشتري في سوريا تخفيفا للضغوط الروسية”. ويلفت الى ان “هذا ما حدث فعلا من خلال تخفيف او حجب او وقف الغارات الجوية الاسرائيلية في هذه المرحلة، اذ ان روسيا معنية، وبالتنسيق مع واشنطن، بان يكون هناك حكومة في لبنان”.

ويشدد على ان “المؤشر الاول الى ان العقدة كانت إيرانية يكمن في مسارعة وزير الخارجية الايرانية الى زيارة بيروت، مستبقا كل الزيارات الاخرى. وكأن إيران تقول: أنا عقّدت الوضع في لبنان وأنا سهّلته، وها أنا ذا أحضر في العاصمة العربية الرابعة الخاضعة لنفوذي لأقطف او لاستثمر ولادة الحكومة كمؤشر انتصار او غلبة لذراعي حزب الله، لتصوير الامر وكأن الحكومة الجديدة هي انجاز ايراني”.

ويتابع “أما في ما يتعلق بالزيارات الاخرى، فهي زيارات طبيعية جدا من طبيعة لبنان في حد ذاته كدولة تنتمي الى جامعة الدول العربية، تجمعها علاقات تاريخية راسخة مع الخليج العربي وخصوصا السعودية، فضلا عن العلاقات الاقتصادية والتجارية التي تقدر مع تحويلات اللبنانيين العاملين في هذه البلدان بمليارات الدولارات التي تُضخ سنويا في الاقتصاد اللبناني”.

ويضيف: “هذا ما يفسر زيارة الامين العام لجامعة الدول العربية والموفد الملكي السعودي المتوقعة كزيارتين طبيعيتين بحكم انتساب لبنان الى بيئته العربية، للتهنئة ولتأكيد الحرص على لبنان وابقائه في مداره العربي في وجه محاولة إيران استتباعه كما فعلت في عواصم عربية أخرى”.

ويضع الزغبي زيارة موغيريني “في سياق طبيعي تحكمها علاقات تاريخية معروفة مع أوروبا والعالم الغربي عموما، وهذا هو المكان الطبيعي للبنان بحكم العلاقات الثقافية والاكاديمية والتجارية والاقتصادية. من دون ان ننسى بالتأكيد اللبنانيين المقيمين في هذه البلدان والمراكز والمواقع التي يحتلونها وتأثيرهم، ومساهماتهم في دعم لبنان على المستويات كافة. وكذلك زيارة فوتيل، فهي ليست الاولى له، وتأتي من ضمن سياق مستمر في إطار دعم المؤسسات اللبنانية، وفي طليعتها الجيش اللبناني والقوى الامنية اللبنانية الشرعية، وتأكيد سيادتها وحيدة على الاراضي اللبنانية من دون شريك”.

ويعتبر الزغبي ان “الزيارة الوحيدة النافرة في مجموع الزيارات الاربع هي الايرانية، خصوصا انها تترافق مع طرح السيد نصرالله ومسارعة طهران الى تبني فكرة دعم لبنان عسكريا وفي قطاعي الكهرباء والأدوية”. ويؤكد ان “دون هذا الطموح الايراني عقبات قانونية دولية فعلية تحول دون فتح علاقات واسعة عسكرية وتجارية في هذا الشكل مع إيران، في ظل العقوبات الدولية والتزام لبنان بقرارات الامم المتحدة والقوانين والمواثيق الدولية”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل