
يبدو أنّ اللعنة الجيوبوليتيكيّة لن تكفّ عن ملاحقة لبنان ورجالاته التاريخيّة. منذ تاريخ تأسيس لبنان الكيان 1920، لبنان الكبير وهو مولود بين فكّيّ كمّاشة، طال واحد منها حتّى العام 1948 لكنّه سرعان ما عاد وأطبق عليه في العام 1978، بينما الأوّل الذي يعدّ نفسه شقيقًا قد أطبق عليه منذ العام 1976 حتى العام 2005. فهل سيستطيع لبنان فعلا أن يتحرّر من هذه اللّعنة؟
في الفترة التي سبقت الاستقلال، انقسم اللبنانيّون الى فريقين بين مؤيّد للفرنسيين وفريق مؤيد للإنكليز، وبين هاتين الكمّاشتين ظلم الوطنيّون أمثال الراحلين الكبيرين إميل إدّه وجواد بولس اللذين رفضا الاستقلال عن فرنسا من دون معاهدة دولية تضمن حماية لبنان من سوريا ومن الكيان الذي كان قيد الولادة آنذاك.
فضلا عن مطالبتهما بمساعدة الفرنسيين للبنانيّين في إدارة شؤون الدولة لأنّهما اعتقدا أنّ هكذا دولة غير ناضجة ومكشوفة أمنيًّا لن تكون قابلة للحياة وهي ستتعرض للانتكاسة عند أوّل مطبٍّ قد تواجهه. ومن البديهي أنّهما تعرّضا للاتّهام بالعمالة للفرنسيين وأقصيا عن الحياة السياسيّة في لبنان بعد مرحلة الاستقلال.
وكان ما نبّها منه بعد أقلّ من عقد ونصف على عمر الاستقلال وتتالت النكسات حتى النكسة الكبرى التي انفجرت حربًا أهليّة في العام 1975.
والنكسة الأكبر التي مُنيَ بها الوطن اليافع قبل بلوغه القرن من العمر هي دخوله في نفق الفساد السياسي ما جعله دولة شبه مفلسة اقتصاديًّا بسبب فساد بعض من تولّى سدّة الحكم فيه على أثر انتهاء الحرب الأهلية بالطريقة التي انتهت إليها.
ومن المعلوم أيضًا في مسيرة لبنان اليافعة، أنّ السلطة السياسيّة فيه غالبًا ما كانت ترتبط بتحالفات إقليميّة ودوليّة، أو على الأقلّ كانت تتأثّر بهذا المحيط المتزعزع الذي يحدّه. وذلك صحيح حتّى تمّ كسر هذه القاعدة بحدث انتخاب الرئيس الحالي للجمهوريّة، فخامة الرئيس ميشال عون الذي أتى عكس التأثّرات الجيوبوليتيكيّة التي كانت ذاهبة باتّجاه فرض حليف سوريا الأول في لبنان، أي النائب سليمان فرنجيّة.
ولا بدّ هنا من الاشارة إلى أنّ وصول الرئيس عون إلى سدّة الرّئاسة كان بقرار لبناني محض، حيث شكّل حزب القوّات اللبنانية في 18 كانون الثاني 2016 رأس حربة في إيصال الرئيس المسيحي الذي يملك القاعدة التمثيلية التي يستند إليها. وهذه قاعدة جديدة أرساها حزب القوّات اللبنانيّة في انتخاب رئيس الجمهوريّة الذي لن يكون بعد تاريخ اتّفاق معراب، رئيسًا غير تمثيليّ، مهما كان خطّه السياسي.
من هنا، تسقط مقولة أنّ اتّفاق مار مخايل 6 شباط وورقة التفاهم مع حزب الله وبندقيّته هما اللذان أوصلا العماد إلى رئاسة البلاد. بالطّبع لا ننكر مدى تأثير تحالف تيّار عون السياسي مع حزب الله لكن لا يستطيع أحد تشويه التّاريخ وتزويره والادّعاء بأنّ الرئيس عون قد وصل عبر بندقية حزب الله.
الحقيقة واضحة كالشمس، الرئيس عون هو الرئيس المسيحي الذي يملك قوّة مسيحيّة تمثيليّة تجلّت في الانتخابات النيابيّة وفي حضوره السياسي مع تيّاره في الساحة السياسيّة اللبنانيّة. فمن الآن وصاعدًا لن يصل إلى قصر بعبدا رئيس مجرّد من قدرته التمثيليّة.
أمّا مقولة أنّ بشير الجميّل قد وصل إلى سدّة الرئاسة على الدبابة الاسرائيلية فهي مقولة ساقطة. ومن لم يستطع بعد 37 سنة أن يتخلّص من عقدة بشير الجميّل فهو لن يستطيع بناء دولة، وليس أهلا لأن يكون في وطن بشير الجميّل.
نعم يا سادة، نجسر بأن نقول إنّ لبنان هو وطن بشير الجميّل لأنّه وبكلّ بساطة لو لم يكن بشير وقتذاك لما بقي لبنان في الأساس، ولكنّا اليوم في جمهورية ما.
لا يا سادة، إنّ لبنان لا يوازي بندقيّة حزب الله، ولا حتّى أي بندقيّة سوى بندقيّة الجيش اللبناني. ولمن لم يرَ العلم اللّبناني حتّى اليوم نخبره بأنّ الأرزة التي تتوسّط العلم وليس بندقيّة الم 16 الأميركيّة الصنع التي يدّعي حزب الله حملها لتحرير لبنان من العدو الاسرائيلي رغمًا عن أنف الدولة اللبنانيّة.
رفضنا الموافقة على بيان وزاري يشرّع ما هو غير شرعي ولن نقبل بذلك ما حيينا. لا سلاح يعلو فوق سلاح الدولة والشرعيّة. وشرعيّة بشير الجميّل لم تكن يومًا الدبابة الاسرائيليّة والا لما حصد الرّئيس الشاب تأييد معظم اللبنانيين. ويكفي استذكار 21 يومًا قضاها بشير بعد انتخابه لتقييم أداء الدولة آنذاك. من هناك شرعيّة البشير. ومن لا يعترف بشرعيّة بشير لن يعترف بأي شرعيّة أخرى مهما كان مصدرها.
بنهاية المطاف، تبقى حقيقة الصراع اللبناني بين فئتين اثنتين: من يؤمن بالكيان والجمهورية والدولة، من يؤمن بالدويلة والثورة والولاية.
أمّا نحن فموقفنا واضح وحقيقتنا ناصعة كالشمس. بشير الجميّل هو رئيس جمهوريّة لبنان شاء من شاء وأبى من أبى، والتاريخ كتب ذلك ولا ينتظر لا أفواه ولا أقلام متسوّلي التحرير.
ومن لم يقدر بعد أن يتفلّت من هذا الطوق الجيوبوليتيكي هو من يسعى دومًا لإقحام نفسه ولبنان في حلبة الصراع. ومن لا يستطيع أن يعترف بمبدأ النأي بالنفس صونًا للجمهوريّة هو وحده الذي يهدم هذه الجمهوريّة لحساب ولايته. وفي هذه المبادئ روح بشير.
فحتّى روح هذا الرجل يخيفكم. فالزمن ما زال واقف عندكم في العام 1982 وتبحثون في كلّ لحظة عن قتل الروح التي عجز عن قتلها الشرتونيّ الهزيل.
اطمئنّوا وليرتاح بالكم. أنتم مسكونون بروح البشير ولن تستطيعوا التخلّص منها أبدًا. هذه هي عقدتكم وداؤكم ولن تشفوا منهما أبدًا. لبنان وطننا وفيه باقون، والأمانة التي سلّمها بشير الجميّل للأجيال ما زالت حيّة. والقواعد التي أرساها سمير جعجع في الحياة السياسيّة اللبنانيّة هي تكملة لنهج بشير، وهي التي ستحقّق حلم البشير بال 10452 كلم2.
ومن لم يستطع بعد تقبّل هذه الحقيقة هو غريب عن هذا الوطن، ومصير كلّ غريب عن الدولة والوطن سيرحل. فهل من يقبل البقاء على قاعدة الوطن البشيريّ؟