.jpg)
حسنا. انطلقت أولى جلسات مناقشة البيان الوزاري لـ”حكومة الى العمل” برئاسة سعد الحريري في مجلس النواب، كما دعا اليها رئيسه نبيه بري يومي الثلاثاء والاربعاء، إذ ينتظر ان تنتهي مساء اليوم الثاني بنيل الثقة المحسومة المؤمّنة بغالبية كبيرة.
لا مفاجآت متوقعة. المشهد رتيب الى حد الملل ان شئنا الصراحة الشديدة. فالجميع سلّم بالتفاهمات والاتفاقات التي سبقت تشكيل “حكومة العهد الاولى” كما يريدها رئيس الجمهورية ميشال عون، والثانية في ولايته برئاسة الحريري. والاعتداد بكثرة النواب طالبي الكلام لمناقشة البيان الذين شارف عددهم نصف عدد اعضاء البرلمان، لا يعني بالتأكيد ان “الامر جلل”، بل يثير “الابتسامات الملغومة” اكثر مما يعكس جدية في مناقشة بنود البيان الوزاري ليبنى على الشيء مقتضاه.
يدخل “العهد” “حكومته الاولى” بعد الانتخابات النيابية، الثانية برئاسة الحريري، مثخنا بجراح “حكومة استعادة الثقة” السابقة التي “أدمته” الى حدود الجفاف شبه التام. وبكل موضوعية، لا افتئات في القول ان الرجلين يتحملان شيئا من المسؤولية في ما اصابهما من “نكبات ونكسات” حكومية عدة. لكن اكثر ما يؤلم هو ما اصاب اللبنانيين من بؤس جراء بعض السياسات التي اتُبعت، او القرارات التي لم تُتخذ او التهاون في غيرها والتساهل في أخرى.
نجحت الحكومة السابقة بشكل منقطع النظير في تحقيق عكس ما وعدت اللبنانيين به وما رفعته عنوانا لها. “حكومة استعادة الثقة” الراحلة، نجحت بالفعل في القضاء الناجز على اي أمل كان لا يزال “مختبئا” في دواخل اللبنانيين بإمكانية الخروج من هذا الوضع البائس والتطلع نحو مستقبل افضل لأبنائهم. نجحت في قتل الثقة لديهم بمجمل الطبقة السياسية الحاكمة المسؤولة عن مأساتهم المتمادية وأوضاعهم الحياتية والمعيشية التي بلغت حد طلب “الموت احتراقا”.
لكن من الموضوعية القول ان عون والحريري، لم يخططا للوصول الى هذا الوضع الشديد السوء المقبل على الانهيار التام ما لم يتم تداركه في أسرع وقت، باعترافهما. ومن المنطقي ان الرجلين رغبا وأرادا تحقيق الكثير من الانجازات، ففي ذلك حتى مصلحة شخصية وسياسية لكل منهما، ولا يعقل انهما يعملان كل من زاويته ضد مصلحته على الاقل.
ومن الانصاف لفت الانتباه الى ان عقبات كثيرة اعترضت الرجلين ووقفت حائلا دون تحقيق ما كانا يطمحان اليه. منها ما يتعلق بالمناكفات والمماحكات والمصالح السياسية الضيقة، ومنها ما يتصل بظروف اقليمية وخارجية خارجة عن ارادتيهما.
لكن لا يمكن عدم التوقف امام المرحلة السابقة بكل تجرد، ومراجعة الاخطاء التي كان يمكن تفاديها، في ما لو سُجّلت مقاومة أكثر لإغراءات السلطة التي تملكت بعض المقربين، هنا او هناك، والضرب على الطاولة لوقف التمادي والانغماس اكثر في هذا السياق المدمّر، الذي اضر اكثر ما أضرّ بهما. من دون ان ننسى “الظروف القاهرة” التي سعى البعض لفرضها على الحياة السياسية من خلال “اعراف جديدة”، كما قال رئيس الجمهورية من بكركي قبل اقل من شهرين في عيد الميلاد.
قد يكون حزب القوات اللبنانية الطرف السياسي الفاعل، الاكثر وليس الوحيد، من بين أطياف اللون السياسي اللبناني، الذي كسر في مكان ما هذه الرتابة المفرطة الجاثمة على صدر المشهد السياسي، شأنه في محطات عدة عند كل استحقاق وطني. وهذا ما فتح عليه “ابواب الجحيم”، في الحكومة السابقة وفي ما سبق الانتخابات النيابية والتحالفات وتركيب اللوائح. بغض النظر عن ان النتائج أتت عكسية بفعل “هجمة المقترعين” لانتخاب لوائح القوات، جراء شعورهم ان ثمة املا باقيا هنا لتغيير الوضع القائم وتصحيح المسار.
ولا شك ان من بين ما دفع اللبنانيين لمنح ثقتهم للقوات في الانتخابات الاخيرة، بالإضافة الى الخطاب السياسي الوطني الواضح والتمسك بمنظومة قيم ومبادئ لا يحيد عنها في ما يتعلق بسيادة الدولة والدستور والقانون، هو الممارسة الحكومية لوزرائه في “حكومة استعادة الثقة”.
مارس القوات السلطة الحكومية عبر وزرائه بأعلى معايير النزاهة والاستقامة والشفافية والصدقية ومواجهة الفساد والحفاظ على المال العام بشهادة كل الاطراف. ورفض السكوت والصمت عن اي قضية او مسألة او ملف، او اي امر داخل مجلس الوزراء حامت حوله “شبهة” او “التباس” ما من اي نوع.
وشكل وزراء “القوات” قدوة ومثالا في ممارسة السلطة، اذ رفعوا اصواتهم عاليا، وانضم إليهم بعض الأفرقاء، في الجلسات، وتصدوا لكل ما يمكن ان يستشم منه رائحة فساد او صفقات او عقود ملتبسة، علما ان تشبثهم بمواقفهم هذه كاد “ألا يُبقي لهم صاحبا”، على الرغم من التأكيد الدائم ان “القوات” لا مواقف لديه من أشخاص، بل من ملفات وقضايا بعينها.
يعترف الجميع بالأخطاء التي دمغت الحكومة السابقة، بدءا من أعلى الهرم وصولا الى آخر مواطن لبناني. والكل وصل الى قناعة ان ما كان، بات من المستحيل ان يستمر. ويبدو رئيسا الجمهورية والحكومة، مع معظم الاطراف الفاعلين، مصممين على احداث نقلة نوعية تنتشل البلاد من الحفرة التي تكاد لا تعرف عمقا الراقدة فيها. وهما أكدا في اكثر من مناسبة ألا عودة الى الوراء، وان الاصلاحات المطلوبة ستُقرّ وسيتم الالتزام بها، لضرورات وطنية بنيوية قبل ان تكون تلبية لمؤتمر سيدر او غيره، لانقاذ البلاد والعباد واخراج لبنان من الضائقة الاقتصادية الخانقة والشروع في بناء الدولة والمؤسسات على أسس صحيحة متينة.
وهنا بيت القصيد والمطلب والهدف، على ما أكد قبل أيام رئيس القوات سمير جعجع في مقابلته التلفزيونية، مشددا على ان “القوات” سيكون اول المؤيدين لاي بنود اصلاحية تُطرح في مجلس النواب وفي البرلمان. وانه سيكون الى جانب الرئيسين عون والحريري لمساندتهما في كل ما يتصل بتنفيذ مشاريع سيدر، تحت سقف الدستور والقوانين المرعية وتحت إشراف الهيئات الرقابية.
لكن جعجع كان صريحا وواضحا من دون اي مواربة، اذ أكد ايضا ان “القوات” سيكون رأس حربة في التصدي لاي ملف “تشوبه شبهة” مهما كلف الامر. ففي هذه الامور لا صاحب عند “القوات” الا الحق والاستقامة ومصالح المواطنين والمحافظة على المال العام، مال الناس. ووزراء “القوات” سيكونون كما كانوا في الحكومة السابقة عند ملاحظة اي خلل، ولا تراجع ولا مهادنة في هذا المجال.
ساعات قليلة وتنطلق الحكومة الجديدة في أعمالها بعد نيلها الثقة في مجلس النواب. عيون اللبنانيين ستكون مفتوحة على مداها، وخصوصا عيون “القوات”، لمتابعة اقرار وتنفيذ الاصلاحات المطلوبة بأقصى معايير النزاهة والاستقامة، والشروع في بناء الدولة والمؤسسات على أسس صحيحة متينة. “ماذا وإلا… لكل حادث حديث”.
