توقعات ستي أفضل مرصد للطقس

كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” العدد – 1691

إنه كانون يا عالم… فحل الشتاء

توقعات ستي أفضل مرصد للطقس

كان الوقت صار موغلا في العتمة في كانون الضيعة، والليل فوق يحتل مساحاته باكرا في الشتاء، جلسنا حول الموقد في بيت ستي نمزمز أخبارها قبل أكلها الطيب، بعدما تأكدنا ان الوالد سينام حتما في بيروت بسبب انقطاع طريق ضهر البيدر، والسماء تغدق خيراتها ثلوجًا مطرًا رعودًا، هو كانون وكيف له ألا يكون غير ما هو عليه، عاصفاً جبّارًا سخيًا. وفجأة يقرع الباب بقوة، هرعت ستي لتفتح “مين بهالليل يمكن حدن محتاج”، وركضت الى بابها الخشبي العتيق وإذ ترى وجه أبي عائدًا من رحلة صعبة مبللاً جائعًا متعبًا “تقبرني رجعت فكرتك مزروب بـ بيروت”، وركن أبي الى الدفء نحاصره بالحب، وجلسنا على السجادة والحطب  في الوجاق يُفَقْفِقْ من ضحكاتنا وأخبارنا، وهرة ستي تخرّ بهنائها، ونحن نلتهم أطايب الشتاء وأبي يروي لنا مغامرته الصعبة في ضهر البيدر، وحكايات المطر والثلوج في الضيعة، في وطن جعل من النعمة على مرّ الإهمال حكاية لعنة…

لا يطلق أهالي الجرد الأسماء الأجنبية تلك على العواصف التي تجتاح لبنان، العام 2016 مثلاً وكان الثلج إجتاح لبنان بعاصفة أُطلق عليها يومذاك إسم “ألكسا”، فأصبح إسمها في الضيعة عيانة الدايم دايم لأنها جاءت ليلة الغطاس. أما “نورما” تلك فتحوّل إسمها الى عاصفة الغطاس لأنها هبّت علينا يوم ذكرى عماد المسيح بنهر الأردن على يد المعمدان. إذن عواصفنا من ريح الإيمان، من روح المسيح دائمًا طالما عنوانها الخير والبركة والينابيع التي تتفجر في قلب الصخر ووعر الجبال، لتجعل مواسمنا أنشودة الخوابي.

بلغة الضيعة ما زلنا في مرحلة المربعانية التي تستمر حتى اليوم الأخير من كانون الثاني، وفي العادة هي المرحلة التي تشتد فيها عواصف الطبيعة وخيراتها، وهو كانون، وبكانون “كنّ بـ بيتك وكتّر حطبك وزيتك”، وأكثر بعد يقولون في الضيعة “يا عاصفة يا زلزبيل خبريني حكاية الريح”، وتجن الريح في الأشجار مستجيبة للنداء، وأكثر من أكثر بعد، يقولون فوق إن “فواكه كانون قْرامي مخلوطة بسَيكون”، ما معناه ان القرامي هي قطع الحطب الكبيرة والسيكون هو الحطب الرفيع الذي به يشتعل البابور أو الوجاق، والمقصود ان نغذي الوجاق بالكثير من الحطب في كانون لنتمكن من الدفء، في وقت وصلت درجات الحرارة في لبنان عمومًا وفي العواصف المتلاحقة، الى ما دون الصفر فوق جبالنا وسبع درجات كحد أقصى على السواحل، أهو أمر غريب على لبنان في هذا الوقت؟ أبدا، إنه كانون يا عالم، فحل الشتاء، وفي مفكرة الطقس قبل سنين المحل المتعاقبة التي اجتاحت لبنان منذ نحو السنوات العشر الأخيرة، وقبل أن تتحول صفحات التواصل الاجتماعي الى مراصد جوية جماعية حافلة بالتنبؤات من هناك وهنالك، وحيث المنخفض الآزوري في صراع مرير دائم مع الآخر السيبيري وما شابه، لم تكن الشمس تعرف لها منفذا ليس في هذا الشهر تحديدا إلا لماما، فما ان يطل تشرين الثاني، حتى تبدأ العواصف ولا تنتهي قبل أفول آذار والتاريخ يشهد…

عتاق الضيعة المعتّقون بالحكايات فيها، ما زالوا حتى اليوم يذكرون تلك العاصفة الهوجاء التي اجتاحت لبنان أواخر تشرين الثاني العام 1964، عاصفة إستمرت أربعة أيام متواصلة من دون استراحة، واقتلعت معها الأشجار وطافت الينابيع، ويقولون إن يومها وصل مستوى الثلج الى ساحل بيروت وهطل ممزوجًا بالبَرَد، ولم يصدق الأهالي المشهد الإستثنائي، فنزلوا من بيوتهم الى الشوارع تحت وابل البرد ليعيشوا المشهد النادر وليتأكدوا منه، واعتبروها أعجوبة من السماء، ولا دليل على تلك اللحظة النادرة إلا تلك الصورة لفندق “إنتركونتيننتال” التي التقطها سائح أجنبي، لمشهدية قيل عنها يومذاك إنها تكرار لما حصل أواخر القرن التاسع عشر حين ثلجت في بيروت وكتب التاريخ “بيروت تحت الثلج”…

إنه كانون وبكانون بـ بيتك كنّ وع الفقير حنّ، وحتى اليوم لم ينس لبنان أسوأ العواصف التي اجتاحته العام 1983 حين وصل مستوى الثلوج عند منطقة ضهر البيدر تحديدًا الى عشرة أمتار، حيث احتجز الناس لساعات وساعات واختفت السيارات تحت الثلوج، ومات بعضهم في السيارات وكانت من أسوأ الفواجع الطبيعية آنذاك.

وفي تاريخ قريب عايشناه بكل تفاصيله، كانت تلك العاصفة التي اجتاحت لبنان ليلة رأس السنة، العام 1992 – 1993، كنا نحتفل بالسنة الجديدة في فاريا، واحتجزنا لأربعة أيام متواصلة.

لم يكن لتلك العاصفة ولا لسابقاتها أسماء أجنبية وما شابه، لكن في الضيعة حتى اليوم يطلقون عليها إسم “عيانة راس السنة”، ولم تكن حتى الأرصاد الجوية الرسمية تقول “طقس لبنان عاطل”، إذ لم يكن يوما دفق الخير خبرًا عاطلاً، ولم تكن هناك مذيعة حسناء تجعل من كلمة “الطقس” المشبعة بمعانيها، كلمة “تقس” خالية من كل رجولتها المشبعة من كانون، وأفضل مرصد جوي آنذاك، كانت تنبؤات العتاق الذين يغوصون بنظرهم الى أفق الغيم واتجاه الريح وعلى أساسها يبنون التكهنات، “الدني مِطِبْعة لمّوا الغسيل عن السطيحة بدها تطوف الساعة تلاتة بعد الضهر”، يخبرون بالضيعة هذه الحكاية عن أحد رجالها ذات كانون، وكانت الشمس بتقدح، ولم تصدق زوجته الأمر، وعند الثالثة بدأ المطر بغزارة وأصبح ثلوجًا تجاوزت حدود المتر، وأقفل باب البيت وكل بيوت الضيعة، فحمل أبي الرفش وبدأ يشق الطريق، وخرجنا في ما يشبه النفق. ويخبر المختار، وكان ممرضا آنذاك في قوى الأمن الداخلي، أن وفي تلك الليلة، مرض أحد الأطفال وكان البيت في آخر الضيعة، والثلوج تنهمر بغزارة ولا كهرباء، فقطع الطريق الى بيت المريض عبر السطوح، بعدما كانت الثلوج تجاوزت المتر ونصف متر، ولما قرر العودة كانت آثاره محيت تماما فعاد وشق طريقه من جديد من سطح الى آخر، هذا هو كانون يا شتاء الزمن…

من “ألكسا” الى “نورما” الى ميريام الى “عيانة الغطاس”، يعبر زمن وكوانين، وتعبر ضيعة ومدينة، فما يسمى هنا عاصفة، فوق في الضيعة هي عيانة، ومنذ العام 2014 حين بدأ إطلاق الأسماء الأجنبية على العواصف، والمعلومات تتضارب حول دقتها وغالبًا تكون ممزوجة بالكثير من المبالغات، قال يومها قرروا إطلاق التسميات للتمييز بين تلك العواصف لدراسة نسب المتساقطات بين عاصفة وأخرى والمقارنة فيما بينها، ولا تعتبر عاصفة إلا إذا تجاوزت نسبة الرياح الـ80 كلم في الساعة، كما حصل مع العاصفة الصديقة “نورما”، وإذا تجاوزت الرياح الـ120 كلم بالساعة نصل حينذاك الى مرحلة الإعصار، وحتى تاريخ اللحظة لم يدخل لبنان ولا مرة في مرحلة الإعصار. وبحسب الأرصاد الجوية الرسمية لا مؤشر على ذلك.

هو كانون، “أول تلجة دم تاني تلجة سم تالت تلجة كول ولا تهتم”، كنا نقول في الضيعة، الآن لا نصبر، بل من أول تلجة نحضّر “البقسما”، الليموناضة الممزوجة بالثلج مع ملعقة دبس العنب، وكأس الأبيض المترامي عزًا فوق جبالنا وضياعنا وسهولنا وكوانيننا، وذاك السحر العابث بطفولتنا، تلك النعمة الغامرة لينابيعنا ومواسمنا، ذاك الدفق الساحر من قلب كانون الى قلب الأرض والعيون وعبق النعمة، ولن نلتفت الى ما يجري من غضب إهمال أهل الأرض وفسادها، وتلك الويلات التي اجتاحت مدن لبنان المعتقة بإهمال السنين وفساد المسؤولين، الذي يحوّل العواصف الى ويلات الى نقمة الى لعنة، ليست السماء مسببها بل أهل من أهل هذه الدولة العفنة بإهمالها وفسادها، ولا من يحاسب، يعاتب، يا أخي يسأل مسؤولاً غير مسؤول “شو عملت بالبلد؟”….

كتاب كوانين حافل بحكايا فيها الكثير من الأبيض، فيها أكثر من النعم المتدفقة على وطن وإن كفر أحيانا بالنعمة، لكن قلبه أبيض مثل ثلوج كانون ولا يريد أكثر من حضن وطن يغرقه بالدفء في زمن العواصف وليس أكثر…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل