معالي الفراشة… نهارك سعيد!

ذات نهار عطلة من سنتي الثانية في “خدمة العلم” الإلزامية، دفع ضابط الأمن بقدمه باب مهجع الرقباء الذي كنت أرقد فيه، فوقعت عيناه على شاشة تلفزيوني الصغير الذي ورثته عن رقيب سابق، بينما كنت أتابع برنامج “نهاركن سعيد” بصحبة مي شدياق. زمجر الضابط بغضب وأمر للفور بمصادرة جهاز التلفزيون مؤكدا انه ممنوع مشاهدة “المحطات المعادية” تحت طائلة الإقامة الممتعة في تدمر.

رغم معرفتي الجيدة بتركيبة النظام السوري الأمنية، لم أتوقع أن تبلغ عقوبة مشاهدة محطة لبنانية هذا الحد من الهستيريا. لكني أيقنت لاحقا أن لبنان الموسوم انه “رسالة” في عيون الكثيرين، ما هو إلا مغارة تدر ذهبا في عقل هذا النظام. مغارة عمل بشكل ممنهج من أجل الاستيلاء عليها، وأوكل حراستها إلى أربعين حرامي مدججين بالممانعة.

لم أكن الوحيد الشغوف بمتابعة الشأن اللبناني، فقد كان معظم الحراك السوري، المؤمن بربيع دمشق و”إعلانها” آنذاك، ينحو نحوي لأسباب ثلاثة:

أولا: انعدام حرية التعبير وغياب الصحافة الحرة في سوريا، ما جعل الفضائيات والصحف اللبنانية الأكثر رواجا، خصوصا أن بعض الإعلام اللبناني فتح نوافذه لأصوات وأقلام المثقفين السوريين.

ثانيا: عقم الحياة السياسية في سوريا، بحيث أصبحت حيوية المشهد الديمقراطي في لبنان (رغم شوائبه) بديلاً عن حالة الموت السياسي التي كان يعيشها السوريون.

ثالثا: انعكاس وضع النظام في لبنان على أدائه الأمني في الداخل السوري، ما دفع بالنشطاء إلى استطلاع الساحة اللبنانية لاستشراف بورصة القمع في البلاد.

كانت مي شدياق بقوة الصوت وبهاء الصورة ووضوح الفكر وجرأة الموقف تشدني لمتابعة “نهاركن سعيد”. بعد اغتيال الرئيس الحريري استضافت مي في إحدى حلقاتها الشهيد جبران تويني: “عم يقولو في قائمة بأسماء الي رح يغتالوهن، صحيح؟”، عندها فاض في ذهني نهر من الأسئلة: من وضع القائمة؟ لماذا سربت؟ هل ورد فيها اسما مي وجبران أيضا؟ هل سيبلغ حقدهم وخوفهم حد اغتيال سيدة مثل مي؟

ما هي إلا أشهر قليلة حتى دوّت الأجوبة في كل الأرجاء، وبدأ حبر قادة 14 آذار يسيل تباعاً على أرض لبنان وفي وجدان السوريين الساعين للتغيير. رحل جبران وسمير وبيار وشطح وآخرون، أما فراشة لبنان فقد حال بخور شربل من دون أن يصيبوا منها إلا الجناح، لتبقى حنجرتها تصدح بالحق في وجه من احترفوا اقتلاع الحناجر والأجنحة.

مرت الأعوام وتغير كل شيء. أنا غادرت سوريا بعد اعتقالي وبت أعمل كصحفي في وطني الجديد بعيداً عن الخوف، السوريون التواقون للحرية ثاروا، والنظام السوري تهاوى في أحضان بوتين والملالي، وذلك الجيش الذي أرعبته مذيعة تلفزيون تحول إلى عصابات قتل و”تعفيش”.

وحدها مي شدياق استحالت فراشة لبنانية تحلق برتبة وزيرة، أرفع وألمع وأشجع من نجوم ونياشين وضباط جيوشهم.
مبروك لك معالي الفراشة!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل