«لاس فيغاس» من صحراء الى كازينوهات وفنادق

كتبت كريسيتين الصليبي من نيفادا في “المسيرة” – العدد 1691

«لاس فيغاس» قلب نيفادا النابض

من سكك حديد وصحراء إلى كازينوهات وفنادق

 

من منا لم يحلم بزيارة مدينة لاس فيغاس التي تبدو كالجنّة ليلاً؟ من منا لم يسمع أو يحلم بزيارة الكازينوهات الضخمة والسهر في الملاهي الليلية ومشاهدة أضخم عروض الرقص والألعاب البهلوانية فيها؟ لكن هل فكرتم يوماً أنّ هذه المدينة المشعّة بالأنوار والمغرية جدّاً كانت مجرّد محطّة تربط بين شبكات القطار؟ الواضح أن الغالبية لا تعلم أن هذه المدينة، والتي يظنون أنها ضخمة، هي مجرّد شارع واحد نبت في قلب صحراء قاحلة وجرداء تُدعى نيفادا، وكانت الفتيل الذي أشعل الحرب بين المكسيكيين والأوروبيين والأميركيين على مرّ السنين، واستطاع الأميركيون الاستحواذ عليها وتحويلها إلى ولاية نيفادا التي أصبحت لاحقاً مقصدًا سياحيًا مثيرًا للإهتمام. وعلى رغم إكتسابها صفة «الخطيئة» إستطاعت نيفادا جذب الملايين من السياح من مختلف أقطار العالم.

 

من «مدينة الأضواء» تحقيق يكشف أسرارها وخباياها وتاريخها…

معلوم أن السكان الأصليين للولايات المتحدة الأميركية هم القبائل الهندية التي توزّعت على مختلف الولايات. وقد سكنت قبائل بايوتي وشوشوني وواشو أرض صحراء نيفادا الحالية قبل أن يكتشفها الأوروبيون. وكان الإسبان أوّل من اكتشف هذه الصحراء في الفترة التي كانوا يحتلّون فيها المكسيك. دخل الرحالة والصيادون الصحراء خلال إستكشافهم «إقليم إسبانيا الجديدة» فأطلقوا عليها إسم «نيفادا»، وتعني تساقط الثلج وذلك بسبب الثلوج التي كانت تغطي الجبال في الشتاء.

بعد إستقلال المكسيك عام 1821 أصبحت منطقة صحراء نيفادا جزءا من المكسيك، لكن هذا الأمر لم يدم طويلاَ إذ استولت عليها الولايات المتحدة الأميركية عام 1848 بعد إنتصارها في الحرب على المكسيك التي اندلعت على خلفية إكتشاف المدعو جون شارلز فريمونت، عام 1844، وجود مياه جوفية في المنطقة. وفي العام 1850 ضمت أميركا نيفادا الى إقليم يوتا، لكن اكتشاف الفضة والذهب في كومستوك (إحدى مناطق الصحراء) أدى إلى ارتفاع عدد السكان الوافدين من مناطق أخرى بحثاً عن المال وفرص العمل، ما دفع بالدولة إلى إعلان نيفادا ولاية مستقلة عام 1864.

تشتهر ولاية نيفادا بكونها صحراء تضمّ جبالاً رملية ضخمة تفصل بين شمالها وجنوبها، وتصل درجات الحرارة فيها إلى ما فوق ال50 درجة مئوية خلال فصل الصيف وتتدنى شتاء إلى ما دون الصفر. تحدّها ولاية أوريغون إلى الشمال الغربي، وأيداهو إلى الشمال الشرقي، وكاليفورنيا من الغرب وأريزونا من الجنوب الشرقي ويوتا من الشرق.

والجدير ذكره أنّ العديد من سكان ولاية نيفادا هم من أصول مكسيكية وغالبية المهاجرين من أميركا الوسطى يدخلون ولايتي نيفادا وكاليفورنيا بطريقة غير شرعية بحثاً عن عمل، فيختبئون في الصحراء داخل بيوت خشبية صغيرة. ومع إزدياد عدد المهاجرين غير الشرعيين، قرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بناء جدار فاصل بين المكسيك والولايات المتحدة الأميركية. ويأتي هذا القرار خوفاً من أن يقوم المهاجرون، تحديداً المكسيكيون، بإعادة المطالبة بولايتي نيفادا وكاليفورنيا وضمّهما إلى المكسيك مجدداً.

تحتلّ ولاية نيفادا المرتبة الأولى في الولايات المتحدة من حيث إنتاج الذهب والفضة، ويرتكز إقتصادها على التعدين وقطاع الصناعة الناشط جدّاً فيها والذي يشمل صناعة الآلات وقطع المحرّكات والإسمنت والبلاستيكيات، إضافة إلى الصناعات الغذائية. لكن الأموال التي تدخل ولاية نيفادا لا تأتي فقط من هذه القطاعات، إذ تلعب السياحة دورًا كبيرًا في تنشيط عجلة الإقتصاد. فكيف تحوّلت هذه الصحراء إلى مقصد سياحي؟

 

لاس فيغاس:

على رغم أنّها صحراء، تضمّ نيفادا إحدى أكبر المدن الأميركية شهرة والتي حوّلتها إلى مقصد سياحي رئيسي يجذب الناس من كل أنحاء العالم: «لاس فيغاس»، أو «مدينة الخطيئة» كما يحلو للأميركيين تسميتها. كيف اكتسبت هذا اللقب؟

اعتمدت ولاية نيفادا، ومنذ العام 1931، قوانين شرّعت من خلالها القمار وسهّلت إجراءات الزواج والطلاق، ما دفع بالكثيرين إلى الزواج في نيفادا على نحو «صوري» ليطلّقوا لاحقاً بسهولة. لكن لقب «مدينة الخطيئة» لم يقتصر على هذا التشريع وحسب، فكان تشريع الدعارة هو الأساس.

إزدهرت مشاريع سكك الحديد في المنطقة بشكل كبير منذ بدايات القرن العشرين ما استقطب آلاف الشباب والشابات للعمل، فاستُعملت مقصورات القطارات كأماكن لاجتماع سماسرة وبائعات الهوى بهدف جلب المتعة للعاملين هناك. وسُمّي شارع سكك الحديد ب«لاس فيغاس» وهو يعني باللغة الإسبانية «المروّج». من هنا عُرفت نيفادا بتغطيتها وتشريعها لأعمال الدعارة، وقد سهّل ذلك صاحب إحدى شركات سكك الحديد وعضو مجلس الشيوخ يومها عن ولاية مونتانا السيناتور ويليام كلارك الذي كان يملك مزرعة تبلغ مساحتها 750 هكتاراً في صحراء نيفادا. ولإنعاش أنشطته، وضع كلارك خطة بناء قرية في الموقع سمّاها «كلاركس لاس فيغاس». لكنه باع لاحقاً 45 هكتاراً من مزرعته الكبيرة في المزاد العلني ظنّاً منه أن هذه المنطقة القاحلة لن تدرّ عليه الأموال ولن تأتي بفائدة.

ما تخلّى عنه كلارك تمسّك به أحد أقوى منظمي ألعاب القمار السرية وقائد قوّادي لوس أنجلوس بينيامين سيغيل (الملقّب Bugsy). فقام هذا الأخير، وبالتعاون مع أعضاء المافيا الإيطالية، ببناء كازينوهات عملاقة لاستدراج الأغنياء من الولايات المجاورة حيث القمار ممنوع لتغطية تبييض الأموال وتسهيل عمل الدعارة، والأموال غير الشرعية التي كانت تأتي بها المافيات. وفي العام 1946 أضيئت أنوار أوّل صالة ألعاب للقمار وكرّت السبحة، ليتحوّل شارع لاس فيغاس إلى عاصمة عالمية للقمار تزدحم بآلاف الماكينات الموزّعة على أهمّ وأضخم الكازينوهات.

وبعكس الإعتقاد السائد، لم تعد الدعارة قانونية في لاس فيغاس لكن القمار بقي أهمّ مصدر لدرّ الأموال فيها. وهي تتميّز بأضوائها المثيرة وفنادقها المستوحاة من معالم عالمية، إضافة الى وجود أعلى قطار ملاهي في العالم والعديد من المتاحف والكنائس الصغيرة.

 

الجبال الرملية:

لا تقتصر السياحة في نيفادا على شارع لاس فيغاس وحده، إذ لا يمكننا الإغفال عن ال172 قمة جبلية رملية والمُسمّاة بال Grand Canyons. هذه التكوينات الصخرية المذهلة والرائعة محفورة طبيعياً ويصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من 4000 متر. تقع أكبر سلسلة جبال في الجزء الجنوبي من الولاية، أي غرب لاس فيغاس، وتُسمّى بسلسلة جبال الربيع. أما أهم مكان في هذه الجبال فهو ال Eagle Point (نقطة النسر)، المنطقة الوحيدة في الصحراء حيث يمكن للهيليكوبتر الهبوط.

والأكثر إثارة من كل ذلك فهو المشي على جسر Sky Walk، وهو ممرّ زجاجي يسمح للزوّار بالتحديق لمسافة ميل نحو الوديان التي يصل عمق معظمها إلى أكثر من 1200 متر. وتقع ادنى نقطة في الولاية على طول نهر كولورادو، ولا يمكن رؤيتها إلّا في رحلة هيليكوبتر تحلّق فوق جميع أنحاء نيفادا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل