هل تكون انطلاقة الحكومة “مكهربة”؟

تنطلق حكومة “الى العمل” رسمياً هذا الاسبوع في ممارسة أعمالها يوم الخميس المقبل، مع اولى جلساتها، بعد نيلها ثقة 111 نائبا من أصل 117 حضروا جلسة التصويت على البيان الوزاري. وبعدها، يبدأ المحك الفعلي للحكم ما إذا كانت الاقوال ستقترن بالأفعال، والوعود بالإنجازات المنتظرة على أرض الواقع.

آمال كبيرة معقودة على النجاح في المهمة، مع تكرار المسؤولين كافة “تحسسهم” بخطورة ما بلغته الاوضاع من تردٍّ وسوء. لكن اللبنانيين ما عادوا يركنون بسهولة الى الوعود “المنتفخة” لكثرة ما أُغدقت عليهم طوال سنوات وسنوات، فيما أتتهم النتائج صادمة في غالب الاحيان. ولن يأمنوا قبل ان يتلمّسوا بالفعل لمسَ اليقين، انعكاس السياسات والقرارات التي ستُعتمد تبدلا في أوضاعهم الحياتية والمعيشية والاقتصادية على نحو ايجابي.

فـ”كلمة السرّ” السارية بين مختلف الاطراف عن فترة سماح أعطيت للحكومة لا تتعدى الـ100 يوم لتحقق شيئا ما ملموس، داخليا وخارجيا، خصوصا من الدول المانحة المعنية مباشرة بمؤتمر سيدر، يجب ان تقترن بأعلى معايير الجدية من قبل “المعنيين”، في ظل وضع الحكومة تحت مجهر المراقبة الداخلية والاقليمية والدولية خلال هذه المهلة، ما يحتم عليها ان تكون على مستوى تحدي الانجاز السريع لمعالجة الأزمات المالية والاقتصادية، والا سيكون للأمر تبعات و”محاسبات” و”تحميل مسؤوليات”.

وتحذر اوساط مطلعة من عدم التعاطي بالجدية “الواجبة” مع الرسائل المباشرة التي يتلقاها المسؤولون والتي تتكرر في اللقاءات مع الموفدين الاقليميين والدوليين، ومفادها ان على “أركان” الحكومة الاساسيين الا يطمئنوا كثيرا الى امكان استمرار حكومتهم معوّلين على الدعم المالي والاقتصادي للدول الصديقة للبنان، ما لم تتحقق الوعود بالإصلاحات البنيوية المطلوبة، وأولها تعزيز الشفافية المطلقة ومكافحة الفساد المستشري في مختلف مفاصل الدولة بشكل جدي وفعلي.

ويأتي الاجتماع التشاوري الموسع الذي عقده الحريري قبل ظهر الاثنين في السراي الحكومي، وشارك فيه ممثلون عن الصناديق العربية والأوروبية والدولية والمؤسسات المالية التي التزمت بمساعدة لبنان في مؤتمر “سيدر”، بمثابة انطلاقة للبدء في تنفيذ مقررات المؤتمر لناحية استكشاف استعدادات المانحين وتحديد المشاريع التي طرحتها الحكومة في مؤتمر باريس في نيسان الماضي.

وفي اولوية الملفات الضاغطة المطروحة، ملف الكهرباء، الذي يتوقع ان يطرح في الجلسة الاولى لمجلس الوزراء. علما ان رئيس الحكومة أكد ان “2019 سنة ايجاد حلّ فعلي للكهرباء، وإلا نكون قد فشلنا جميعا، ومعالجة العجز المزمن في الكهرباء هي نقطة البداية”.

وتجدر الاشارة الى ان عجز الكهرباء المتراكم منذ أول العام 1992 الى آخر كانون الاول 2017، بلغ 36 مليار دولار، بحسب التقرير الملخص الذي وزعه رئيس الجمهورية ميشال عون على الوزراء عن اوضاع الكهرباء في جلسة 7 آذار 2018، ما يمثل أكثر من 45% من إجمالي الدين العام البالغ 79.5 مليار دولار بنهاية كانون الاول 2017. من دون احتساب العجز المقدر في الكهرباء والذي لحظته موازنة العام 2018 بقيمة 1.4 مليار دولار، وقد تخطى هذا الرقم بحسب الارقام الاولية.

بالتالي، ووسط ما بدأ يتردد عن دعوات يطلقها “البعض” لتجاوز الأساليب التقليدية في عملية تلزيم المناقصات والعقود! هل ستكون الحكومة أمام انطلاقة “مكهربة”، خصوصا مع تأكيد أطراف “أساسيين وفاعلين” عن عزمهم على عدم السكوت وتصديهم الحازم لأي ملف يطرح على مجلس الوزراء تعتريه “شبهة ما” او لا يراعي أعلى معايير الشفافية والنزاهة، بدءا بملف الكهرباء؟

“أمام حكومة (الوفاق الوطني) امتحانات اساسية لتظهر مدى صلابتها أو هشاشتها، وأول امتحان هو ملف الكهرباء. وعلينا انتظار الجلسات الاولى للحكومة كي نرى ما ستكون عليه ردود الفعل”، كما يشير الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجاقة لموقع القوات اللبنانية الالكتروني.

ويضيف: “نعلم ان هناك ثلاثة (معارضين) مشاركون أساسيون في الحكومة، هم: حركة أمل، والحزب التقدمي الاشتراكي، والقوات اللبنانية. والطريقة التي ستتعاطى بها الحكومة في أول جلساتها بهذا الموضوع، ستحدد ما إذا كان سيتم فعلا حل المشكلة أو لا”.

ويلفت عجاقة الى تصريح النائب السابق وليد جنبلاط حول 600 مليار ليرة الأخيرة وقوله ان “هذه ليست بداية جيدة للإصلاح”. ويعرب عن اعتقاده ان “جنبلاط لم يكن يرمي الكلام جزافا، انما يشير الى نقاط معينة في ملف الكهرباء لن يسكت عنها. وكلامه يحمل رمزية معينة، كونه صدر من عين التينة إثر لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري”.

ويشير في السياق ذاته، الى “الموقف الصارم الذي أعلنه نائب رئيس حزب القوات اللبنانية النائب جورج عدوان بالأمس في هذا الخصوص”.

عدوان أكد ان حزب القوات سيتابع ويدرس كل ملف بملفه، وألا مسلمات مسبقة، بل كل الامور مطروحة للبحث على طاولة مجلس الوزراء. و”القوات لن يقبل الا أن تشهد الحكومة الإصلاحات، وسنقف بوجه كل ما يخالف القانون. وإذا كانوا ينتظرون ان نوافق لهم على سلفة المليارين للكهرباء، لينسوا ذلك ويعيدوا حساباتهم. كلما زدنا للكهرباء اليوم سيكبر الهدر، لأنه يجب البدء من اليوم الأول من اخذ السلفة بالعمل على طريق واضح وخطة مستدامة”.

ويلاحظ عجاقة بالتالي، ان “ثمة دلائل معينة على أرض الواقع تقول ان ملف الكهرباء لن يكون بالسهولة التي حُكي كثيرا عنها، بمعنى انه ما ان تتشكل الحكومة سنتخذ القرار في شأنه”.

ويفضل بناء على ذلك، “الترقب لنرى ما إذا كان هناك تفاهمات كبرى بين الاطراف الرئيسيين حول هذا الملف، سبقت تشكيل الحكومة، أم ان الانقسامات السابقة حوله ستتجدد”، معتبرا ان الامور ليست نهائية حتى الساعة كما يريد البعض ان يوحي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل