
مبكرا، بدأ بعض الوزراء بخرق البيان الوزاري الذي نالت الحكومة الثقة بناء عليه من مجلس النواب قبل أيام قليلة، وحبره لم يجف بعد. لم يمهل حلفاء وأصدقاء النظام السوري رئيسها سعد الحريري فرصة لالتقاط الانفاس بعد أشهر التأليف التسعة المضنية، اذ بادروا الى “هتك” التضامن الوزاري ونكث التفاهمات التي افضت الى الولادة الحكومية “العسيرة”.
أحد ابرز تعهدات الحكومة في بيانها الوزاري الذي تلاه رئيسها، هو التأكيد على سياسة النأي بالنفس، عبر “الالتزام بما جاء في خطاب القسم لفخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، من أن لبنان السائر بين الألغام لا يزال بمنأى عن النار المشتعلة حوله في المنطقة بفضل وحدة موقف الشعب اللبناني وتمسكه بسلمه الأهلي. من هنا ضرورة ابتعاد لبنان عن الصراعات الخارجية ملتزمين احترام ميثاق جامعة الدول العربية وبشكل خاص المادة الثامنة منه، مع اعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي حفاظا على الوطن ساحة سلام واستقرار وتلاقٍ”.
كما “تؤكد الحكومة على التزامها مضمون البيان الوزاري الذي اقرته الحكومة السابقة (حكومة استعادة الثقة) بكافة مكوناتها في جلستها المنعقدة في 5/12/2017 حول النأي بالنفس”.
من هنا، علامات استفهام كثيرة تُطرح حول هذه “الهجمة” المريبة من قبل بعض الاطراف الاساسيين الفاعلين في الحكومة واستعجالهم لضربها من داخلها، عبر التنكر لما التزموا به. علما انه بالكاد مضت أيام قليلة على “تواقيع” هؤلاء بالذات، ومواقفهم الرنانة لا يزال صداها يتردد، وهي الموغلة في الحرص على فتح صفحة جديدة جدية للعمل والانتاج، والالتزام بالتوافق والتلاقي بين الجميع، والابتعاد عن سياسة الاستفراد والاستئثار وتوريط لبنان في ما لم يعد لديه طاقة على احتماله، ومحاولة الاستفادة من الفرصة المتاحة لمعالجة الاوضاع الاقتصادية الكارثية وانتشال البلاد من المأزق.
وقائع دامغة تشير الى “تفلت” الامور في مكان ما وخروجها عن الانتظام الحكومي المفترض، أبرزها:
– رسائل وزير الخارجية جبران باسيل الى الامم المتحدة وجامعة الدول العربية حول موضوع النازحين، متهماً المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتحريض لمنع عودة النازحين إلى بلداتهم وقراهم، طالباً التدخُّل لتغيير سلوكهم والتعاون لعودتهم، بحسب مصادر صحفية.
– المواقف التي أطلقها وزير الدفاع الياس بو صعب على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، ممثلا الحريري، والتي أبلغ من خلالها نظيره التركي، خلوصي آكار، تحفظ لبنان على إعلان أنقرة عن “منطقة آمنة” شمالي سوريا، معتبرا أن أي وجود تركي في سوريا من دون موافقة دمشق، يعد احتلالاً.
– زيارة وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب الى سوريا ولقائه وزير الإدارة المحليّة والبيئة في حكومة بشار الاسد، حسين مخلوف، واستقبال رئيس الجمهورية له بعد ساعات قليلة على عودته.
اضافة الى تصريحات كثيرة ادلى بها بعض الوزراء، كلها تصرفات وقرارات ومواقف تفرّد بها اصحابها من مواقع ومنابر خارجية، من دون اي تكليف من مجلس الوزراء ومن خارج اي اصول دستورية او مؤسساتية.
وبقدر ما يدفع هذا السلوك المرفوض باللبنانيين واصدقاء لبنان الحريصين على مساعدته للخروج من الازمات الخانقة، الى فقدان الثقة و”تطليق” الامل كليا في ان يكون بعض الطبقة السياسية قد اخذ دروسا من الممارسات السابقة التي ورّطت البلاد، بقدر ما يفقد اصحاب هذه “التصرفات” اي صدقية ومصداقية، ويثير الشكوك والريبة ويفتح ابواب التكهنات على “مصاريعها” حول “المخفي” من ورائه.
فهل يجوز السكوت من قبل “المعنيين” عن هذه المباغتة “الفجة” للحكومة الجديدة، والتغاضي عن انتهاك بيانها الوزاري بهذه “الغلاظة” تحت اي عنوان، وهي على ابواب عقد جلستها الاولى غداً الخميس؟ ام يجب وضع حدّ سريع لـ”التفلّت” و”التسيّب” الحاصلين من اول الطريق، قبل فوات الاوان وخروج الامور عن السيطرة؟
يؤكد المحلل السياسي الصحفي علي حمادة، المتابع عن كثب لمجمل التفاصيل التي سبقت وواكبت تأليف الحكومة الوليدة، انه “مما لا شك فيه ان هناك خرقا فاضحا لأصول العمل الحكومي الرسمي حصل قبل الاجتماع الاول لمجلس الوزراء المقرر غداً. بدءا بوزير الدفاع”.
ويقول في حديث الى موقع القوات اللبنانية الالكتروني، “نحن لا نعترض على هذه المشاركة، انما نعترض على المواقف التي أدلى بها. وبو صعب غير مخوّل للإدلاء بهكذا مواقف بصفته وزيرا للدفاع وكأنه يدلي بموقف رسمي باسم الحكومة”. ويشير الى ان “هذا رأياً خاصاً حزبيّاً، لكنه ليس موقف الحكومة اللبنانية في مطلق الاحوال، وهو غير مخوّل وغير مكلّف بذلك”.
ويشدد على انه “لا يحق لاحد كائنا من كان ان يدلي بمواقف في السياسة الخارجية من دون العودة الى مجلس الوزراء الذي يصنع ويضع السياسات العامة للدولة، أكانت داخلية ام خارجية”.
ويشير حمادة ثانيا الى “الزيارة الخاصة الى دمشق، التي حوّلها الى رسمية وزير الدولة لشؤون النازحين، وهي في مطلق الاحوال لا شرعية لها في إطار العمل الحكومي، واستبقت اي قرار من مجلس الوزراء، ولم يجر التشاور بها، اقله علنا، مع اي من الاطراف المعنية”.
ويلفت مع التشديد الى انه “حتى لو جرى التشاور في شأنها، هذا الامر لا يستقيم، لان هناك مخالفة صريحة للدستور ولأصول العمل الحكومي في إطار النصوص الدستورية”. ويضيف: “لا يستطيع الوزير الغريب ان يزعم انه يقوم بزيارة علنية رسمية باسم الحكومة اللبنانية. انها زيارة خاصة، وطبعا نحن نعرف انها من الفواتير السياسية ذات الطابع الحزبي لا أكثر”.
“اما ثالثا، في ما يتعلق بوزير الخارجية المكلف اساسا ان يعكس السياسة الخارجية للحكومة، هو ايضا يستعجل كثيرا في المباشرة بالعمل في اطار موضوع النازحين، وفي اتخاذ قرارات ومواقف باسم الحكومة اللبنانية”، كما يؤكد حمادة. ويضيف ان “هناك خرقا فاضحا، لان هذه المواقف والسلوكيات هي من خارج إطار مجلس الوزراء”، لافتا الى ان “مجلس الوزراء لا يتعلق فقط برئيس الحكومة نفسه انما بكامل الجسم الوزاري، اي ثلاثين وزيرا”.
ويشدد على انه “في حال اتُخذت القرارات في مجلس الوزراء، حسنا. اما في حال لم يكن الامر على هذا النحو، فنحن نعتبر ان هذه مخالفة ويجب التوقف عنها”، داعياً “رئيسي الجمهورية والحكومة الى التحرك في هذا الإطار، واعادة الانتظام العام قبل ان تفلت الامور من عقالها”.
ويلفت حمادة الانتباه الى “نقطة مهمة لا بد من الاشارة اليها، وهي ان لبنان يحتاج في هذه المرحلة الى أكبر قدر من التضامن والتوافقات والتفاهمات، لكن ليس على حساب الانتظام العام للمؤسسات، ولا على حساب النصوص الدستورية الواضحة”، جازما “قطعا، ليس على حساب القوى المعنية باتخاذ القرار”.
