للعودة لا للتطبيع

الوطن سياج أبنائه كلّهم، إنّه كالهيكل المقدّس، متى سقط يسقط على رأس كلّ من فيه. انطلاقًا من هذه القاعدة أعاد اللّبنانيّون تنظيم أولويّاتهم السياسيّة، وما يبشّر بالخير في هذه الفترة أنّ “اللّبنانويّة” قد طغت على سائر الأفكار التي كانت متقدّمة عليها أشواطًا. فهل سيستطيع اللّبنانيّون ترجمة انتمائهم الوطني هذا؟ أم أنّ انشغال بعضهم في المواجهات الاقليميّة والعالميّة سيدفعهم إلى الانزلاق أكثر فأكثر نحو المجهول المعلوم؟

لقد بات اليوم نداء اللّبنانيّين كلّهم ” إلى العمل”، ونحن لم نتوقّف يومًا عنه. فلبنان بأسره بحاجة إلى إعلان حالة طوارئ في العمل. يكفي أن نحتذي بالنموذج الألماني، إذ كان الألمان يعملون بعد الحرب الكونيّة الثّانية بمعدّل 16 ساعة يوميًّا، وذلك للنّهوض بدولتهم. وبعد سبع سنوات صار الاقتصاد الألماني يضاهي إقتصادات الدّول التي اعتبرت منتصرة في هذه الحرب.

ونحن في لبنان، أخذنا ما يزيد عن ربع قرن لنطلق عجلة العمل علّنا نعوّض قليلا ممّا أخسرناه لأنفسنا بأنفسنا. ومن البديهي هنا، أنّ مبدأ التّعميم لا ينطبق في هذه الحالة. من هذا المنطلق، يبدو حزب اللّه اليوم أقرب إلى السّاحة اللّبنانيّة منها إلى السّاحة الاقليميّة. ونأمل أن تكون عودته هذه عودة فعليّة إلى الحياة اللّبنانيّة، وليس على قاعدة استثمار أعماله الاقليميّة. صحيح أنّنا لا نلتقي استراتيجيًّا لكنّنا نلتقي في الأمور التّكتيّة التي تخدم مصلحة لبنان والانسان فيه.

وما مطالبة النّائب علي عمّار من تحت قبّة البرلمان بوضع الاستراتيجيّة الدّفاعيّة إلا مؤشّرًا لما يتّجه الحزب إليه في هذه المرحلة. ونأمل أن تكون هذه الاستراتيجيّة على قدر طموح الوطن كلّه. فلبنان بحاجة إلى أبنائه جميعًا. ولن نفرّق بين أحد يهتمّ بمصلحة لبنان. وحش الفساد يفتك بجسم الوطن، وما كان نموّه هذا لولا دعم بعض من أمّن له بيئة خصبة لينمو بها.

التّجارب التي مرّ بها المسيحيّون قد ثبّتت نظريّتهم في ” لبنان الرّسالة” تحت أيّ صيغة سياسيّة وطنيّة تحمي هذا الدّور. ولن نقبل بأن تكون إلا المناصفة القاعدة التي تبنى عليها فلسفة هذا الكيان. فبنهاية المطاف، بعد رفض اللّبنانيّين معونة الفرنسيّين في مرحلة ما بعد الانتداب، وقرارهم الاعتماد على أنفسهم، وبالتّالي إسقاط خيار الرّئيس إميل إدّه وانتصار خيار الرّئيس بشارة الخوري؛ لم يستطيعوا بناء الدّولة الحلم على قاعدة لبنان الكبير، لبنان البطريرك الياس الحويّك. فالكلّ اليوم مدعوّ للمشاركة في عمليّة البناء هذه من خلال العودة إلى الكيانيّة اللّبنانيّة.

وهذه العودة تتطلّب البحث عن حلول للمعضلات الانسانيّة وأبرزها معضلة النّازحين السّوريّين واللاجئين الفلسطينيّين. فلا نستطيع أن نُدخِل البلاد والعباد في عمليّة تطبيع مع نظام صنّف تحت راية الاجرام. العودة إلى سوريا لن تتمّ بوجود النّظام الأسدي المستأسد الذي يدعو إلى عودة النّازحين بالكلام فقط. ويشترط هذا النّظام على لبنان من خلال عملائه عمليّة تطبيع كليّ لاستعادة دوره بالكامل في مفاصل الحياة السياسيّة اللّبنانيّة.

أمّا في القضيّة الفلسطينيّة فيجب تفعيل العمل مع الجهات الدّوليّة لمساعدة هؤلاء من خلال تأمين لهم ظروف معيشيّة أفضل حيث هم، ومن خلال دعوة سائر دول الجامعة العربيّة لتحمّل مسؤوليّاتها الإنسانيّة في هذه القضيّة. والدّستور اللّبناني في مقدّمته أكّد إلى عدم توطين أحد على الأراضي اللّبنانيّة. ومن غير المقبول انتظار الحلّ السياسيّ في القضيّتين. لن نطرح أحد في حضن جلاديه بل جُلَّ ما نطلبه من الجميع: أن يتحمّل كلّ طرف مسؤوليّته لنترجم انتماءنا الوطني.

العودة للجميع هي المطلب وذلك على خطّين اثنين كالآتي:

–        عودة أي لاجئ أو نازح إلى أرضه ووطنه، وإن تعذّر أن يتحمّل العرب كلّهم مسؤوليّة التّقصير الانساني الذي ارتكبوه بحقّ القضيّة العربيّة والأزمة السّوريّة.

–        عودة أيّ لبناني منخرط في صراع إقليميّ أو دوليّ ما إلى كنف الدّولة اللّبنانيّة، وعودته هذه ستكون عودة الإبن الضّال، حيث ستقام له الولائم وسيُلبَس حلّة العيد لأنّه كان ميتًا خارج لبنان وعاد إلى الحياة بعودته إلى الكيان والوطن.

والمرفوض اليوم التّطبيع مع نظام يقتل شعبه بالبراميل المتفجّرة تحت ذريعة محاربة الارهاب الذي استولده كحجّة لبقائه. نحن لا نرفض أي علاقة مع أي دولة عربيّة تحترم السيادة اللّبنانيّة. ولا سيّما إن كنّا نملك عمقًا استراتيجيًّا معها كالدّولة السّوريّة. إلّا أنّ مفهومنا للعلاقات المميّزة لا ينسجم مع الفوقيّة والوصاية والاحتلال، وهذا من المسلّمات.

عندما تعود الحياة للدّولة السّوريّة نحن مستعدّون لإقامة أفضل العلاقات النّدّيّة معها، بغضّ النّظر عن السلطة السياسيّة التي تنبثق عن اختيار الشّعب السّوري الحرّ. اكتفينا انزلاقات وحان وقت العمل. فهل سيعود لبنان سويسرا الشّرق، أم أنّنا سنخسر ما تبقّى من سويسرا في لبنان؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل