النأي عن التطبيع لا الوطن

ما بين النأي بالنّفس عن الصّراع السّوري، وبين ملفّ النّازحين لا صلة إطلاقًا، فالموقف السياسي من النّظام واضح جدًّا لمن لم يفقه بعد أنّ القتل ليس بسمنة أو بزيت. بالحدّ الدنى لو أنّ النّظام فعلا يريد أهله وناسه لما سمح لهم بالبقاء دقيقة واحدة خارج إطار الدّولة الشّرعيّة السّوريّة. ولكن بما أنّه لا شرعيّة لما يعتبره هذا النّظام دولة فمن البديهي ألا يعمل لإرجاعهم.

المطلوب العودة فقط من دون أن يكون التّطبيع شرطًا أساسيًّا في هذه العمليّة. هل ما رفضناه تحت سياط الجلادين، وأزيز الرّصاص، وهدير المدافع، نقبل به في عمليّة مقايضة سافرة؟

النّأي بالنّفس يلزم الدّولة اللّبنانيّة، وبكلّ من تمثّل، ألا تكون طرفًا مع أي من أطراف النّزاع في سوريا. فالمطلوب أن يعطى ما للبنان للبنان فقط، وما لسوريا لسوريا من دون التّطبيع لأخذ ما هو حقّ مكفول من قبل المجتمع الدّولي، والاقليمي، والمحلّي. وذلك كلّه، يجب أن يتمّ على قاعدة المبادرة الرّوسيّة أو أيّ شروط يكفلها المجتمع الدّولي. ولن نرضى بعد اليوم بأن يتمّ تحريف تفسير عمليّة النأي بالنّفس على حساب تعويم سياسيّ لمن فشل في إدارة أهل بيته.

فما الزّيارات التي أقدم عليها بعضهم، أو المواقف التي أطلقها بعضهم الآخر من مواقف دوليّة، إلا مزيدًا من قضم جديدٍ لناحية جديدة من نواحي الدّولة. فعوض ملاقاة وقف عمليّة القضم بواسطة فائض السلاح بعمليّة ترميم للقضم السياسي، تراهم اليوم يحاولون البدء بعمليّة قضم جديدة من شأنها أن تمعن في إضعاف هيكل الدّولة ومؤسّساته أكثر فأكثر. ولن يستطيع أحد استغلال صمت أحد، أو إسكات أحد لأنّ الحقيقة ساطعة كالشّمس. ولن تجدي مسألة التّعويم هذه لأنّ الشّارع اللّبناني عمومًا، والمسيحي خصوصًا، بات مدرك تمامًا وجهة بوصلة الحقّ.

لن يكون لبنان ساحة لعودة النّظام السّوري الميت أصلا إلى الحياة. فالأموات لا يعودون إلى الحياة، باستثناء واحد فقط؛ عاد وأعادنا معه إلى حضن ربّ القوّات السماويّة. والتّطبيع لن يرجع المهدّدين بالقتل من قبل بشّار ونظامه، وهم كثر، بل سيشكّل مكسبًا فرديًّا ليرجع النّظام على ظهر أبنائه المثقلين بآلام النّزوح إلى ارتكاب المزيد والمزيد من المجازر بحقّ من تبقّى من أبنائه الأحرار.

لن تكون مساومة لعمليّة إعادة النّازحين على حساب عمليّة النّأي بالنّفس ليصبح لبنان الدّولة كلّه شريكًا مع نظام الأسد في قتل أبنائه. هذا من آخر المستحيلات. لا دخل لنا كلبنانيّين بأيّ نظام كان في سوريا؛ إلا انّنا نرفض التّعامل مع المجرمين من حيثما وفدوا. وقضيّة النّازحين هي أكثر القضايا الانسانيّة إلحاحًا إذا ما أردنا التأسيس لدولة دستوريّة حقيقيّة تساوي بين أبنائها جميعهم في الحقوق والواجبات.

انتهى زمن المهاترات السياسيّة ولن نقبل بأن يأخذنا بعض الهيّرين إلى الهلاك على حساب تعويم ذاتهم المتهالكة أمام أهلهم وناسهم. فالتّاريخ لن يرحم هؤلاء كلّهم لأنّهم ارتكبوا بحقّ لبنان ما لم ترتكبه أيدي أكثر المحتلّين إجرامًا. عودة النّازحين شيء، والتّطبيع السياسي مع سوريا شيء آخر مختلف كلّيًّا. نحن نريد أفضل العلاقات مع سوريا، لكن من النّدّ إلى النّدّ، ونرفض أن نتعامل مع أي نظام يحترف قتل شعبه، تارة بالبراميل المتفجّرة وطورًا بالغازات السّامة تحت ذريعة محاربة الارهاب ليبقى في سدّة الحكم.

نفتخر ونقول أنّنا لسنا حلفاء مع من قتل شعبه، ومن يريد التّحالف مع هكذا نظام تسقط عنه أبريوريًّا صفة الحليف ليصبح عميلا شرعيًّا ورخيصًا جدًّا لهذا النّظام. غير ذلك مرفوض كلّيًّا. ماذا وإلا تصبح صيغة لبنان الفريدة مهدّدة بالخطر. وهل من مشّككين بعد، أنّه عندما يدقّ الخطر سنكون قوّات أيضًا كما كنّا في الماضي القريب والبعيد؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل