النيوليبراليّة ومكافحة الفساد

يتأرجح الوضع اللّبناني بين السّاحة الاقليميّة والسّاحة المحلّيّة على وقع تصنيف جديد لحزب الله، وسرعان ما أتى تلقّف الحزب لهذا القرار البريطاني بطريقة سلسة من خلال محاولته تحريف الأنظار عبر تجربة جديدة في خرق ساحة مكافحة الفساد.

فهل سيجرؤ حزب الله حيث لم يجرؤ آخرون بعد؟ أم أنّ المناورة التي يديرها هي مجرّد تكتيك لن يؤثّر في توجّهاته الاستراتيجيّة على صعيد المنطقة، وحتّى انعكاسها في السّاحة الدّاخليّة؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ المتغيّرات العالميّة قد طالت أمواجها اقتصاد الحزب، حيث بدا الحصار المالي والاقتصادي الذي يعانيه اليوم أكثر تأثيرًا في سياساته الماليّة منذ ذي قبل.

ويتوقّع أن يتزايد هذا الحصار على إيقاع القرارات الأوروبيّة التي بدأتها المملكة المتّحدة. وبرغم المعارضة الفرنسيّة التي لن تطول لأنّ فرنسا بحدّ ذاتها تعاني من التحرّكات الإيديولوجيّة في أرضها، وليس آخرها المشاركين في عمليّة السترات الصّفر.

عاجلا أم آجلا سيحدث تبدّل في الموقف الفرنسي، وسيليه مواقف من دول أوروبيّة أخرى. ومن المتوقّع أيضًا أن يمتدّ هذا الحصار إلى الشرق الآسيوي والعربي.

فعالم اليوم يسير في تيّار نيوليبرالي سيدفع القوى كلّها للانخراط به. فهذا التحوّل نحو النيوليبراليّة سيطال الحزب إن لم يكن اليوم فبالغد القريب. وذلك جليّ لأنّه سيرتبط بوجوديّته. إن لم يستطع الحزب الانخراط في هذا التيّار الذي أشرنا إليه، سيفقد مبرّر وجوده، لأنّ الزّمن الآتي سيكون بين زمنين اثنين واضحين لا رماديًّا بينهما:

  • زمن أبيض فيه الحرّيّة المَسُودَة في الحياة العامّة.
  • زمن أسود، دخان البارود والنّار هو السيّد المطلق فيه.

هذا التحوّل النيوليبرالي الذي أشرنا إليه إن لم يستثمر الحزب فيه سيكون رأسمالا ضائعًا. والسياسات الاقتصاديّة العالميّة متوجّهة كلّها نحو هذا المنحى. وما سنشهده من حركة مفاوضات بين أدنى الشرق وأقصى الغرب، أي بين كوريا الشماليّة والولايات المتّحدة الأميركيّة، لهو خير دليل على ذلك.

وما التنصّل من الاتّفاق النّووي الايراني إلّا تحسينًا للشّروط الأميركيّة وليس أكثر لأنّ ما تسعى إليه الولايات المتّحدة الأميركيّة هو التّكلفة الصّفريّة التي تعمل على تحقيقها في مواجهاتها في مختلف أصقاع العالم. وفي السياق عينه يأتي الانسحاب من السّاحة السوريّة.

والملفت في ذلك أنّ حليفة الولايات المتّحدة في الشّرق الأوسط، أي إسرائيل، قد أخذت هذا المنحى قبلها بكثير. وتحديدًا منذ فترة ما بعد حرب تمّوز 2006. من هنا، نفهم هذا التحوّل الذي بدأه الحزب، ومن المتوقّع أن يستمرّ به، ملاقاة لروّاد هذا النّهج في لبنان. وهذا ما سيبدو مستغربًا بالنّسبة إلى حلفائه اللّبنانيّين والسّوريّين وحتّى الايرانيّين منهم.

أمّا عمليّة مكافحة الفساد فهي الجوهر الأساس في استعادة بناء الوطن، والأوطان لا تبنى على منظومة فاسدة. ولا تبنى في ظلّ عمليّة فساد في المكافحة. ستشهد الحياة السياسيّة اللّبنانيّة طريقة جديدة في التّعاطي السياسي بين اللّبنانيّين وبين لبنان الدّولة، ونيواستراتيجيّة إقليميّة مع المجتمع الدّولي والاقليمي على السّواء. فهل سيستطيع اللّبنانيّون مواكبة هذه النّمطيّة الجديدة في العيش، وهم الذين اعتادوا على منظومة فاسدة تكاد تبلغ من العمر أكثر من نصف قرن تحت ذريعة ” الشّطارة”؟ وهل سيكون اللّبنانيّون روّاد السلام والحوار والتّواصل؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل