#adsense

شهداء سيدة النجاة… وين العدالة؟

حجم الخط

 

 

حتى اللحظة، حتى اللحظة لم يتزحزح شهيد عن مقعده في الكنيسة. حتى اللحظة تسرح عيونهم في بخور المكان تسأل عن العدالة. حتى اللحظة وعند الساعة التاسعة وعشر دقائق يدوي القلب من حضورهم كما دوت اجسادهم في حضور الجريمة، في موت الانسانية. كم صار عمركِ يا صغيرة؟ لا أزال في العاشرة منذ خمسة وعشرين عاما. لا تزالي حلوة يا اليان، لا تزال شابا يا الفريد، اين الاخرين؟ يجيب شهيد “هناك عند وجه العذراء يمسح دمعها الذي لن يجف قبل ان تتحقق لأجلنا عدالة الارض”…

هنا دائما باب الكنيسة مفتوح. عبق البخور يغرق المكان برهبة الصلاة. قد يبدو الا أحد فيها. غير صحيح، هنا عشرة شهداء يسكنون، يتناوبون على اضاءة الشموع والصلاة للعذراء مريم، وخدمة الكنيسة. كنيسة سيدة النجاة ما غيرها، تلك التي فجّرها ميت في الانسانية ذاك الـ27 شباط العام 1994. من سنة إلى سنة ومنذ خمسة وعشرين عاما والشهداء ينتظرون هذا اليوم للقاء أهاليهم وأحبتهم، لتذكير وطن غارق في النسيان، اننا لا نزال هنا، لم نرحل، ولن نفعل قبل ان تحققوا لأجلنا العدالة.

“خي حمدلله بعدن ما نسيونا بس العدالة نسيتنا” يقول شهيد، ونحن هنا نسمع صراخهم الدائم، صوتهم الملعلع في ضمير الانسانية، في ضمير وطن لا يزال اطرشا عندما يقرع جرس الحق. ها هي اسماؤهم مدروزة عند باب الكنيسة، فوق منحوتة العذراء مريم، سيدة النجاة، لتبقى ذكراهم منحوتة في وجداننا، إليان بطيش، ميراي مشعلاني، ماري عطالله، ألفرد عطالله، منصور سكر، أنطوان عماد، أندريه عيد، توفيق منصور، عبود أبو خليل، توفيق خليل. كيفكن يا شباب وصبايا من صوب ربنا؟ فيصمتون. صوت الارض ما عاد يقنعهم، صارت اصوات الارض قرقعة الباطل والباطل لا يلتقي مع ضياء السماء ولا مع اشعاع الحقيقة. اما زال في لبنان حقيقة؟!

خمسة وعشرون عاما، ربع قرن من دون عدالة. ربع قرن ونحن كل سنة نستذكر تلك اللحظة التي قلبت حياتنا رأسا على ظلم واضطهاد واحتلال وعملاء، عملاء يا الله تحكموا بالأرض والعباد، وجعلوا من أنفسهم أسيادا في الذل وانصاف الهة لأجل المحتل.

لا ينسى لبنان واحرار لبنان تلك اللحظة، كان أحد النازفة في زمن الصوم، نحو التاسعة والنصف صباحا، فجأة تقطع “المؤسسة اللبنانية للإرسال” برامجها المعتادة لنقل خبر عاجل “انفجار في كنيسة سيدة النجاة الذوق”. دقائق وليس اقل، خلت شوارع بيروت من الناس، عمّ سكون غريب لم نشهده يوما في حياتنا وكأنه انذار لانفجار شيء ما كبير، كبير جدا.

صمت لبنان كله اذ ما كان ليتوقّع ان يدا بهذا القدر من القبح والاجرام قد تمتد الى بيت الربّ. واذ بملالات الجيش بدأت تزرع الشوارع من ذهابها وايابها المتسارع وكأن الشوارع ساحة حرب ما. غيّرت الـ “الـ. بي. سي” برامجها وبدأت بعرض فيلم the mission الذي يروي سيرة كاهن نشر المسيحية في مجاهل افريقيا واغتيل برصاص محتلين. وفي تلك اللحظة كان لبنان يُغتال على يد الاحتلال السوري عبر عملائه والنظام الامني اللبناني السوري.

علمنا لاحقا ان ملالات الجيش كانت تلاحق المناضلين في صفوف “القوات اللبنانية”، وعلمنا ما هو أخطر بكثير بكثير بعد، ان الهدف من التفجير لم يكن سوى تحضير تهمة جاهزة للقوات وتحديدا رئيسه سمير جعجع، وسوقه الى الاعتقال وحل الحزب، واهم الاهم، انهاء اي معارضة للاحتلال السوري وقمع الاحرار واعلان سطوة عملاء بشار الاسد وانهاء الكيان اللبناني الحر نهائيا.

كانت هناك خمس عبوات معدة للتفجير وانفجرت منها واحدة والا لأصبح عدد الشهداء من عدد تراب المكان، عطّلت العناية الالهية العبوات الاربع الاخرى لتتحول الخامسة الى عرس دماء تكلل بالشهادة والجرحى. ولعل الرب شاء ان تكون الامور على ما هي عليه، لإيصال رسالة ما الينا، اولها ان كل مسيحي على هذه الارض هو مشروع شهيد لأجل هذه الارض، وان بلادنا غالية غالية لا تقاربها الا دماء الشهداء.

دار الزمن دورته خمس وعشرين دورة، أُسر الوطن، اعتقل سمير جعجع، تحوّلت الارض الى مزبلة العملاء وسجن الاحرار الشرفاء، ثم تحرر لبنان وتحرر حزب القوات وعاد الحكيم بعدما اسر وطنا بكامله في معتقله.

خمسة وعشرون عاما تخللهم أشرف الثورات، ثورة الارز، وعبر بنا شهداء الثورة كعدد حبيبات الارز التي تهرق فوق رأس عروس، اهرقت دماؤنا، اضطهدنا، دفعنا اغلى اغلى الاثمان، وخرج الاحتلال السوري مكللا بعاره من ارضنا، واذ بنا فجأة نعود لنسمع من يناشد القاتل وازلامه للعودة الى لبنان بعدما اخرجته دماء الشهداء ونضال الاحرار. وعلى الرغم من بحر الاغتيالات والشهداء، رغم الثورة، رغم التحرير، عاد الاحتلال نفسه من جديد “يتناوط” على ابواب واسوار لبنان، فماذا نقول لكل الشهداء ولشهداء كنيسة سيدة النجاة؟!

ها هم يحومون فوق دمائهم في انتظار العدالة، يضيؤون الشموع لعذرائهم، “استشهدنا مرة ما تقتلونا بعد بالنسيان واللاعدالة وبالذل الف الف مرة” وذهبت الصبية تعانق شموعها هي التي اصبحت ملاكا حارسا لكنيسة رسمت بالشهادة حب المسيح.

خبر عاجل