
لا تكاد الحكومة الجديدة “تنجو” من مطبّ حتى يطالعها آخر أشد من سابقه. ويبدو أن انطلاقتها المتعثرة في أولى جلساتها الوزارية، جرّاء “استعجال” بعض عناصرها المغامرة بمبدأ النأي بالنفس ومحاولة جرّها إلى سياسة المحاور عبر الدفع نحو إعادة التطبيع مع نظام بشار الأسد، شكّلت “نذير شؤم” لم يكن في حسبان بعض “أركانها”، والذي يبدو أنه لن يبقى يتيما مع تسارع التطورات والمستجدات باتجاه المزيد من العقد والضغوط التي ستواجهها.
فقد فاجأ الإعلان البريطاني عن عزم الحكومة البريطانية إحالة مشروع قرار إلى البرلمان يقضي باعتبار حزب الله منظمة إرهابية، من دون التمييز (السابق) بين جناحيه العسكري والسياسي، الأوساط السياسية اللبنانية، وأثار القلق من الترددات المحتملة التي قد يتركها على الأوضاع الداخلية، الهشة أساسا.
يشبه وضع الحكومة اللبنانية في ذلك، ذاك الذي يسعى للعبور من منطقة مشتعلة محفوفة بالمخاطر نحو برّ أمان ما. لكن المعبر الوحيد المتاح أمامه، هو عبر حقل ألغام مزروع بشتى أنواعها. وهذا ما بدا واضحا في التعليق “الحذر” لكل من رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير خارجيتها جبران باسيل على الموقف البريطاني المتقدم من حزب الله، والذي يعكس منسوب القلق من الترددات التي سيخلفها على الوضع الحكومي بمجمله، والحيرة إزاء كيفية التعاطي معه.
الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد خليل الحلو، يوضح في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “هناك حملة أميركية، وبدرجة أقل أوروبية، للضغط على إيران. ويشير إلى ثلاث مشكلات عالقة بين الولايات المتحدة وإيران وبين أوروبا وإيران: الأولى، هي المشكلة المتعلقة بالموضوع النووي. فالفريقان الأميركي والأوروبي متفقان على ألا تمتلك إيران السلاح النووي، مع بعض التمايز، إذ يعتبر الأوروبيون أن الاتفاق النووي نافع في هذه المرحلة، فيما واشنطن تراه عكس ذلك.
أما المسألة الثانية، فهي موضوع الصواريخ. وهنا، يتفق الأميركيون والأوروبيون على أن إيران يجب أن توقف تجاربها الصاروخية. فإيران تمتلك صواريخ متوسطة المدى يتراوح مداها بين 1000 و4000 كيلومترا تطاول روسيا وشرق أوروبا واليونان حتى إيطاليا، من طراز (شهاب 3) و(سجيل). وقد أجرت إيران أخيرا تجربة صاروخية فضائية، ما يعني تمكنها من التحكم بتقنية ” “multistage rocket أي الصواريخ متعددة الطبقات، على الرغم من فشل التجربة الإيرانية الأخيرة وما سبقها من إطلاق صواريخ من إيران على العراق وسوريا لم تصب أهدافها.
فالأميركيون يطالبون إيران بإيقاف البرنامج الصاروخي، فيما طهران تعتبر أنه لا يدخل في الاتفاق النووي. والأوروبيون على اتفاق مع الأميركيين في هذه النقطة، وجرت محاولات فرنسية عدة لإقناع إيران بوقف برنامجها الصاروخي، لكنها باءت بالفشل مع تمسك طهران برفضها.
أما المشكلة الثالثة تكمن في أنهم لا يريدون أن تتدخل إيران في المنطقة بواسطة وكلائها، أي حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن وجماعاتها في البحرين وفي السعودية وغيرها، ووقف تمويل هذه المنظمات التي أصبح قسم منها على لائحة الإرهاب، ولا سيما حزب الله”.
ويلخص الخبير الاستراتيجي ذاته مطالب الولايات المتحدة وأوروبا من إيران بـ”وقف التدخل في دول الجوار، ووقف البرنامج الصاروخي والنووي، وعدم تمويل التنظيمات التي تعتبرها واشنطن وأوروبا إرهابية، وآخرها حزب الله مع القرار البريطاني”، مذكرا بـ”لائحة المطالب التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بعد تسلمه مهامه”.
ويرى أن “الخطوة البريطانية ليست غريبة وتأتي في هذا الإطار، وتم توقيتها تماشيا مع هذا السياق ولتشكل أداة ضغط إضافية على إيران في ظل العقوبات المتصاعدة عليها، ووسط التطورات المتلاحقة، من استقالة وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف المتزامنة مع زيارة بشار الأسد إلى طهران، بالإضافة الى زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى روسيا للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبحث وضع إيران في سوريا”.
ويتوقع العميد الحلو “خطوات إضافية على هذا الصعيد سواء من بريطانيا أو من فرنسا”، لافتا إلى أن “العلاقة الفرنسية – الإيرانية متراجعة، على الرغم من الموقف المتميز لرئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون من حزب الله”.
ويوضح أن “السبب يعود إلى أن الأوروبيين لا يريدون الآن أن تنسحب إيران من الاتفاق النووي. فالمنطق الأوروبي يقول للرئيس الأميركي دونالد ترمب: أنت انسحبت، لكن في حال انسحابنا أيضا ستعود إيران إلى تخصيب الأورانيوم وتعقيد الموقف من جديد، ولذلك من الأفضل أن نبقى ممسكين بإيران من خلال هذا الاتفاق لمراقبة الأمور عن كثب”.
ويتابع: “هذا طبعا بالإضافة إلى أن لدى الأوروبيين شركات ومصالح في إيران، توقفت نشاطاتها بسبب العقوبات الأميركية، لكن ثمة مخارج عبر الاتفاقات الخاصة التي يحاولون إبرامها. بالتالي، الموقف البريطاني غير مستغرب في إطار المواجهة بين الغرب وإيران، والعرب طرف واضح فيها من خلال مشاركتهم في مؤتمر وارسو للحد من النفوذ والتمدد الإيراني في المنطقة، والضغوط على طهران ستزداد”.
ويعرب العميد الحلو عن اعتقاده أن “الإيرانيين يراهنون كما دائما على الوقت، إذ حين تتصاعد موجات المواجهة ضدهم ينكفئون ويلجؤون إلى المهادنة والتصريحات (الطريّة) ولا يبحثون عن المشاكل، ومن ثم ينتظرون تغيّر الإدارات في الغرب بحكم الانتخابات الديمقراطية الدورية، في فرنسا وأميركا وبريطانيا وغيرها، فيما (الاستبلشمنت) الإيراني يبقى على حاله”.
لكنه يلفت الانتباه إلى أن “هذه السياسة التي يعتمدها النظام الإيراني لن تصح دائما، لأن الاستراتيجية الغربية لن تتغيّر. قد يتغّير التكتيك والطريقة والأسلوب، لكن الاستراتيجية ثابتة والأهداف ذاتها: إيران نووية غير مسموحة، والصواريخ غير مسموحة، ومساندة حزب الله يجب أن تتوقف، وأيا كان من سيأتي في الغرب إلى السلطة سيمشي بهذه الاستراتيجية”.
ويرى أن “القرار البريطاني بتصنيف حزب الله منظمة إرهابية سيزيد الضغط في الداخل اللبناني وعلى الحكومة اللبنانية”. ويسأل: “كيف ستتعاطى الحكومة البريطانية مع وزراء حزب الله؟ لن يكون هناك تعاط مباشر بعد القرار كما هو مرجح، ولكن حتى من خلال المنظمات غير الحكومية البريطانية الموجودة في لبنان والتي تقدم المساعدات والخبرات في مجالات عدة، كيف ستتعاطى الحكومة البريطانية مع الوزارات التي يتولاها وزراء من الحزب؟ ما يعني أننا نتجه إلى المزيد من التعقيد، والوضع اللبناني، مع الحكومة أو من دونها، من سيّئ إلى أسوأ في الجو الإقليمي الحاضر”.
