
يقف اللبنانيون “مذهولين” أمام الهجمة الشرسة التي يشنها معظم الأطراف والفرقاء السياسيين على الفساد والفاسدين والمفسدين، وأمام الاندفاعة “الملفتة” لمكافحته والتصدي له بشكل لم يعهدوه من قبل.
من النادر رؤية جهة سياسية، أو حزب أو تيار أو وزير أو نائب، في هذه الأيام، من دون أن تلحظه ممتشقاً “سيف محاربة الفساد”، رافعاً الصوت متعهداً حماية المال العام، وبذل “الغالي والرخيص” لوقف الرشوة والصفقات والهدر في مؤسسات الدولة.
جلسات مناقشة البيان الوزاري حفلت بما “لذّ وطاب” من العهود والوعود، بعدم السكوت بعد اليوم عن التسيّب السابق والفساد الذي أنهك الدولة ونخرها حتى العظم. وتنافس “المتصارعون” من الضفتين المتقابلتين “المفترضتين” في الحكومة ومجلس النواب، على كسب ودّ الرأي العام الذي كاد يكفر بهم جميعاً لولا قلة قليلة “متميّزة”. بالإضافة إلى المؤتمرات الصحفية اليومية للنواب والوزراء ورجال السياسة ونسائها، والتصريحات “الشغّالة” على مدار الساعة في السياق ذاته.
وآخر ما يطرح في إطار الورشة الإصلاحية، يتعلق بـ”المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء” الذي يشدد عليه رئيس مجلس النواب نبيه بري، ويؤكد أنه سيوليه الاهتمام آملا “ألا يبقى عاطلاً من العمل”. وينوي بري تحديد موعد قريب لانتخاب سبعة نواب أعضاء أصيلين في المجلس الأعلى وثلاثة نواب آخرين احتياطيين هم حصة البرلمان.
ومن ثم يُستكمل عقد المجلس الأعلى بثمانية من أعلى القضاة اللبنانيين رتبةً حسب درجات التسلسل القضائي، أو بالنظر إلى الأقدمية إذا تساوت درجاتهم، ويجتمعون تحت رئاسة أعلى هؤلاء القضاة رتبة. وتُسمّي محكمة التمييز، بجميع غرفها، هؤلاء القضاة العدليين الثمانية بمن فيهم الرئيس، وثلاثة قضاة عدليين أعضاء احتياطيين. ويقوم بمهمة النيابة العامة لدى المجلس الأعلى قاضٍ تسمّيه محكمة التمييز في هيئتها العامة، إضافةً إلى قاضيين معاونين له.
لا يمكن اتهام رئيس الجمهورية لعلّتَي خرق الدستور والخيانة العظمى، أو بسبب الجرائم العادية، إلا من قبل المجلس النيابي الذي أعطي وحده سلطة حصرية من دون سائر السلطات الأخرى، ولا سيما القضائية منها، باتهام رئيس الجمهورية. وتنص المادة 60 من الدستور على أن “رئيس الجمهورية يحاكم أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة 80، وذلك ليس بما يتعلّق بخرق الدستور فقط أو الخيانة العظمى، وإنما في ما إذا اتهم بارتكاب الجرائم العادية أيضا”.
والمادة 70 من الدستور المعدّلة العام 1990، نصّت على أن لمجلس النواب أن يتّهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتّبة عليهم. وحدّدت المادة 71 من الدستور، أن رئيس مجلس الوزراء يحاكم أمام المجلس الأعلى بعد اتهامه من مجلس النواب بموجب قرار يصدر عن غالبية الثلثين من مجموع أعضائه. والمادة 72 قرّرت وجوب كفّه عن العمل فور صدور قرار الاتهام في حقه.
الهيكلية موجودة، لكن إلى أي حد يمكن لهذا المجلس فعلا أن يقوم بدور فاعل في المحاسبة و”المحاكمة”، لجهة الطبيعة الخاصة لاختصاصه، ونظراً إلى صفة الأشخاص المحالين عليه وطبيعة الادعاء الخاصة أمامه، في حال ارتكب هؤلاء مخالفات؟ فهم ليسوا أقل من رئيس جمهورية ورئيس حكومة ووزراء.
وهل يمكن في ظل الظروف السياسية الحاضرة، والتهافت المذهبي، ومراكز النفوذ التي تتحكم باللعبة السياسية اللبنانية، وعدم سيطرة القانون على الجميع سواسية للظروف المعروفة، أن يحلم اللبنانيون بمحاكمة رئيس جمهورية أو رئيس حكومة أو وزير في حال مخالفتهم القانون؟
وكيف سيتمكن مجلس النواب الحالي بتركيبته المعروفة، بصفته الجهة المخوّلة الادعاء والاتهام بموجب القانون، من التوصل إلى تقرير اتهام رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء والوزراء في حال ارتكابهم جرماً ينضوي ضمن اختصاص المجلس الأعلى لمحاكمتهم؟
وما هي “الصيغة السحرية” التي “ستهبط” على نواب الأمة، فرادى وتكتلات، وتدفعهم إلى “الانعزال” عن أي تأثيرات أو ضغوط، وتنزّههم عن المصالح الحزبية والشخصية والاصطفافات السياسية والطائفية والمذهبية المتأصّلة ليتّهموا بكل تجرّد رئيسا أو وزيرا، حتى ولو كان منتميا إلى “معسكراتهم” المختلفة؟
هل نحن في أحد البلدان الاسكندنافية حيث لا أحد فوق القانون مهما علا شأنه وفي أي موقع مسؤول كان، لكي نعيش حقيقةً مماثلة وواقعاً راسخاً في دول ومؤسسات ومجتمعات هذه البلدان؟ أم أننا في لبنان، “كما جعلوه”، حيث لا “نجرؤ” على أن نحلم هذا الحلم الجميل أو هذا الوهم المستحيل؟
الخبير الدستوري المحامي سعيد مالك يعتبر أن “تشكيل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، من الثابت أنه ليس نتيجة ما يجري راهناً، إنما هو استحقاق يحصل مع بدء ولاية كل مجلس نيابي منتخب”.
ويشدد في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، على أن “موضوع التشكيل يأتي نتيجة وترجمة لنصوص دستورية، وكإجراء دوري من المطلوب احترامه ضمن إطار المواقيت، لا أكثر ولا أقل. لا سيما سنداً إلى أحكام المادة 80 من الدستور، معطوفة على القانون رقم 18 على 1990، الذي يحدد أصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى”.
ويوضح أن “عملية الإدعاء تتم بموجب طلب بخُمس عدد أعضاء مجلس النواب، يصار بعدها إلى إجراء التحقيقات اللازمة مع المدَّعى عليهم ضمن إطار الأصول الوجاهية. من ثم، ولكي يحال الإتهام إلى المجلس الأعلى، يجب أن تتأمّن له نسبة ثلثي عدد أعضاء البرلمان”، لافتا إلى أن “الأمر متعذّر”.
ويضيف: “لم يسبق للمجلس الأعلى أن حاكم أو دان أيا من الرؤساء أو الوزراء. ولا نتوقع، ولا يمكن أن نُمنِّن النفس أن هذا المجلس سيذهب في هذا الإتجاه في أي من المراحل”.
ويؤكد أن “الإصطفافات السياسية الراهنة، تمنع الإدعاء على أي رئيس أو أي وزير بأكثرية ثلثي أعضاء مجلس النواب”.
