بين الدّولة المدنيّة والدّولة الدّستوريّة

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الدّولة المدنيّة وما قد ينتج عنها من تطبيقات قانونيّة لا سيّما الزّواج المدني. وهذا ما زاد الانقسام انقسامًا جديدًا في المجتمع اللّبناني. وكأنّه مكتوب لهذا المجتمع ألّا يتّفق إلّا على انقسامه! فهل يستطيع اللّبنانيّون الوصول إلى صيغة سياسيّة تضمن لهم حقوقهم بالكامل؟ وهل يقدر مجتمع كلبنان أن يصبح مجتمعًا واحدًا؟

بالعودة إلى علوم السياسة كلّها لا نجد أيّ مفهوم للدّولة المدنيّة، ولا يوجد أيّ اتّفاق حول مفهوم هذا المصطلح الذي لا يوجد له أثر في مراجع المصطلحات، ومفاهيم علوم السياسة، وعلوم الاجتماع. بالمقابل نجد أكثر من مرجع يعرّف بـ”المجتمع المدني”. من هنا، صار مصطلح الدّولة المدنيّة مصطلحًا تأويليًّا، أي أنّه يحتمل الكثير الكثير من التأويلات والتّفسيرات.

من هنا، في ظلّ هذا الواقع الانقسامي الذي يعيشه المجتمع اللّبناني، من البديهي الاختلاف حول أيّ طرح. ولعلّ هذا الانقسام لن يجد له نهاية إلّا بعد الوصول إلى صيغة “الشّعب اللّبناني”. للأسف نحن في لبنان مجموعة شعوب يعود كلّ منها إلى حضارة مختلفة، شئنا أم أبينا ذلك، فهذا هو واقع التّاريخ، لذلك يجب ألّا ننكره بل العكس تمامًا يجب الاعتراف به كحقيقة وجوديّة لكيانيّة هذا الوطن التي جمعت هذه الشّعوب في إطار جغرافيٍّ موحّد.

والمفارقة الكبرى تكمن في الخلاف أيضًا حول الجغرافيا اللّبنانيّة. فمنهم من يعتبر وجود الكيان اللّبناني خطأ جغرافيًّا أنتجته سلطة الانتداب وقتذاك، وبالتّالي وجب تصحيح هذا الخطأ. ومنهم أيضًا من وصل إلى تكوين فائض من القوّة العسكريّة جعلته أكبر من إيمانه بهذه الكيانيّة، فهو بالتّالي يبحث في كيفيّة تغييرها، وذلك لتطبيع الآخرين في كيانيّة تتّسع فائض قوّته. وفئة ثالثة ما زالت مؤمنة بهذا الوطن كيانيًّا ووجوديًّا. وتسعى هذه الفئة إلى تثبيت الكيانيّة اللّبنانيّة التي تكاد تبلغ القرن من العمر تاريخيًّا، لكنّها حضاريًّا تتعدّى الألف وخمسئة عام.

من هذا المنطلق، تمّ طرح الدّولة الدّستوريّة التي تنطلق من التمسّك بالكيانيّة اللّبنانيّة لتثبّت سيادتها وحرّيّتها في نظام برلماني ليبرالي. وتكون هذه الدّولة الضّمانة القانونيّة لحرّيّة الأفراد والجماعات. لذلك كلّه، لسنا بحاجة إلى حالة تدمج الوضع اللّبناني الهجين. جُلَّ ما نحن بحاجة إليه هو العمل على خلق حالة لبنانيّة أصيلة بتحويل الشّعوب اللّبنانيّة المتناحرة والمنقسمة بعضها على بعض، إلى شعب لبناني موحّد حول المفاهيم الدّستوريّة.

وبالطّبع تحقيق هذه الحالة ليس بالأمر المستحيل، طالما يستطيع اللّبنانيّون التّرفّع عن الخلافات بين بعضهم عندما يتعلّق الأمر بإدارة صفقاتهم. من هنا، نستطيع في لبنان الاتّفاق على توحيد رؤيتنا لمفهوم الوطن متى تجرّدنا كلّنا من فوائض قوّاتنا، وساوينا أنفسنا بعضنا ببعض. عندها نستطيع فعلا أن نكون ” لبنان الرّسالة” ولبنان” العيش معًا”. ونبقى مجموعات حضاريّة فكريّة تغتني بتواصلها وحوارها لكن تحت راية الشّعب الواحد في الوطن الواحد.

فالدّولة الدّستوريّة كفيلة بأن تكون وطنيّة وديمقراطيّة وتطبّق العدالة والمساواة، وتحترم القوانين وحرّيّة الأديان، وتكفل العيش معًا في صيغة سياسيّة تدير هذا الاختلاف تحت نظام لامركزي سياسي وإداري. وعندها فقط يصبح القانون سيّدًا على الجميع، ولا يعد طرح القانون المدني طرحًا نقيضًا للطّرح الدّيني، لا سيّما في الأحوال الشّخصيّة. ومتى تساوى اللّبنانيّون كلّهم تحت راية هذا القانون، عندها يصبح وطننا وطنًا قابلا للحياة. فليكن الزّواج المدني إلزاميًّا للّبنانيّين كلّهم ليشعروا، ولو لمرّة واحدة، أنّهم شعب واحد، وليس مجموعة شعوب.

خلاف ذلك، سنكون قد أسأنا إلى أمانة الآباء والأجداد، وأهدرنا دماء شهداء لبنان كلّهم سدًى. وسنكون قد ثبّتنا للآخرين، أنّنا شعبٌ هَيِّرٌ، لا نحترم بعضنا بعضًا، ونستخفّ بنظرة الآخرين إلينا الذين يعتبروننا دهاقنة. وعندها فقط لهم الحقّ في ذلك. فهل سنندم على ما اقترفته أيدينا لنقول بعدها: لات السّاعة ساعة مندمٍ؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل