الراهب المقاوم

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1692

الأب سليم عبو اليسوعي

قصة راهب مقاوم شجاع

 

في 23 كانون الأول 2018 مات الأب سليم عبو. منذ ولادته في بيروت في العام 1928 كتب قصة حياته لتكون قصة راهب يسوعي مقاوم وشجاع.

كان شجاعا منذ اختار من على ضفاف بحيرة طبريا أن يمشي على طريق يسوع المسيح وينذر نفسه من أجل الدفاع عن الضعفاء والبحث عن الحرية. حرية الفرد وحرية الجماعة وحرية الوطن. وكأنه من ذلك المكان الذي شهد فصولاً من حياة السيد المسيح أراد أن يثبت نفسه تلميذاً من تلاميذه وأن يلقي شباكه في المياه ليصطاد سمكاً كثيرًا، وهو يدرك تمامًا أنه اختار الطريق الصعب الذي لا عودة فيه إلى الوراء.

كان شجاعا أيضًا عندما اختار أن يكون يسوعيًا وفي رهبنة عالمية كاثوليكية، وهو الذي ولد في عائلة أرثوذكسية مدركاً أيضًا أن الراهب في هذه الرهبنة إنما يذهب إلى النهايات ولو كانت موجعة كما كان مؤسسها الراهب المقاتل القديس إغناطيوس دو لويولا في 15 آب 1534 قبل أن يصادق على ترخيصها الفاتيكان في 27 أيلول 1540.

كان مقاومًا عندما ارتسم جنديا من «جنود الله» ليس لشيء إلا من أجل «مجد الله الأعظم»، وهو يعرف أن هذه المهمة كبيرة وشاقة في هذا الشرق الكبير الذي شهد ولادة المسيح وكان يشهد محنة المسيحيين الذين أرادوا أن يبقوا فيه شهداء لرسالة المسيح ومواطنين في أوطان كانت لم تولد بعد.

كان مقاومًا عندما ذهب إلى أقاصي الأرض بحثاً عن حرية شعوب سحقتها التجارب التاريخية، معتبرًا كما المسيح أن مهمته لا يحدها زمان ولا مكان وأنه يكون حيث يكون كل معذب ومقهور في هذه الأرض.

كان مقاومًا أيضًا عندما ذهب إلى أقاصي الفكر بحثاً عن أسباب الحياة الحرة وعن الكلمة التي تحيي وعن الثورة على الظلم والظالمين، مستشهدا بتجارب أشخاص كانوا سجناء أنظمة قمعية وصاروا رؤساء دول حرة قوية.

كان شجاعًا عندما كتب «بشير الجميل أو روح شعب» بعد اغتيال مؤسس «القوات اللبنانية» ورئيس الجمهورية المنتخب الذي بنى صورة الجمهورية القوية خلال واحد وعشرين يومًا حتى قبل أن يصل إلى قصر بعبدا وتحول رمزًا وأيقونة ومثالاً.

كان شجاعًا عندما تجرأ ومن دون خوف على أن يسمّي الأشياء بأسمائها في لبنان في زمن الوصاية والإحتلال السوري عندما لم يكن يتجرأ على ذلك إلا القليلون الذين يكونون حيث لا يجرؤ الآخرون.

كان مقاومًا عندما صار في العام 1995 رئيسًا للجامعة اليسوعية في بيروت وفتح الطريق أمام تجديد مهمة الجامعة وتكريس دورها المقاوم ثقافيًا، لأن هذه المقاومة الثقافية تبقى أساس كل مقاومة أخرى، ومن دونها لا تولد مقاومات ولا يكون مجتمع مقاوم ولا جماعة مقاومة مدافعة عن هويتها وثقافتها على أساس أن السجن يكون في العقول أولاً قبل أن يكون قيودًا، وأن الفكر الحر يولد ويزهر حتى داخل زنزانة ضيقة لا ضوء فيها إلا ضوء العقل ولا نور فيها إلا نور الحرية.

هكذا حوّل الأب سليم عبو مناسبة عيد جامعة القديس يوسف في عيد شفيعها كل 19 آذار من كل عام مناسبة لإطلاق الفكر الحر المقاوم الذي لا قدرة لدى أي سلطة إحتلال على إعتقاله وترويضه وقهره. ومن هناك صار خطابه في كل عام موعدًا مع فجر جديد منتظر، ومدماكاً في بناء حلم إستعادة السيادة والحرية والإستقلال، وتأكيدًا أن لا إحتلال مؤبد ولا سجون مؤبدة.

في 20 أيلول 2000 أطلق البطريرك مار نصرالله بطرس صفير نداء المطارنة من أجل إستعادة سيادة لبنان وحريته وسيادته، وقال إن الأوان آن لسحب الجيش السوري من لبنان. إعتبارا من ذلك التاريخ صار اللبنانيون التواقون إلى الحرية ينتظرون موعدين في السنة الواحدة: خطاب الأب سليم عبو في كل 19 آذار ونداء المطارنة الموارنة في  كل 20 أيلول.

بين جامعة القديس يوسف وبين بكركي كانت ترتسم الطريق إلى حرية جديدة. بين راهب وبطريرك كانت تختصر مسيرة نضال تتكامل مع مسيرة مناضلين من أجل الحرية ذاتها، من «القوات اللبنانية» وغيرها، تمت ملاحقتهم واضطهدوا واعتقلوا وأدخلوا إلى السجون وكانوا رمز النضال في تلك المرحلة التي صار رئيس «القوات» سمير جعجع رمزها بامتياز. فكان اعتقاله تأكيدًا على إعتقال وطن وحريته تثبيتاً لحرية هذا الوطن.

مقاومًا وشجاعًا كان الأب سليم عبو وهو يتبنّى من موقعه الرهباني والإيماني والفكري والثقافي فلسفة تلك المقاومة وخيارها من موقعه المستقل ولكن غير المستقيل من هذه المهمة التي أراد أن يجعلها ثابتة وقاعدة في العمل المقاوم.

حتى عندما كان كثيرون ينحنون ويتعاونون مع الإحتلال السوري للبنان ويشكلون أدوات لعهد الوصاية، كان صوت الأب عبو هو الصوت الصارخ ضد تدجين العقل والفكر وضد محاولات تصوير الوضع القائم أنه طبيعي وأن لا مجال لمقاومته لأن المقاومة ستكون فعل انتحار ولكن الواقع أنها كانت ممكنة وكانت بداية الطريق إلى الإنتصار الذي صنع في 14 آذار 2005 بعد عام واحد على مغادرة الأب عبو موقعه الرئاسي في الجامعة اليسوعية. غادر موقعه ولكن كلماته وخطاباته كانت باقية وراسخة، والبذور التي ألقاها في الأرض أزهرت حرية.

إعتبر الأب عبو أن إذعان الأمة هو أشد الأمور سوءًا وأن أسوأ ما فيه التأقلم مع حال الإحتلال وتدجين الفكر بحيث يصبح كل تجرؤ عليه بمثابة «إنتهاك تجديفي لميدان مقدس». ودعا إلى الإنتفاض على أيديولوجية اللجوء إلى لغة الصور الرمزية وتسمية الأشياء بأسمائها كالقول عن الجيش السوري في لبنان إنه جيش إحتلال والتخلي عن إستخدام تعبير قوات الردع، كما قال في خطاب «تحديات الجامعة» في العام 1997 عندما هاجم أيضًا ما كان يُعتبر مسلّمة لا يمكن المسّ بها في تلك المرحلة وهي عبارة كان يرددها رئيس النظام السوري حافظ الأسد وهي أن «في  لبنان وسوريا شعب واحد في دولتين». لقد دعا الأب عبو صراحة إلى تحطيم هذه الأصنام النمطية معتبرًا أيضًا أن لبنان ينتظر الظروف المواتية ليتخلص من العبء الذي يثقل كاهل إستقلاله وسيادته.

بعد العام 2000 تكاملت خطابات الأب عبو مع عظات البطريرك صفير ومواقفه المعارضة لمصادرة القرار اللبناني. ولذلك صار يشير مباشرة إلى الحالة الإستقلالية التي بدأت تتكوّن وعمادها لقاء قرنة شهوان والرئيس رفيق الحريري والوزير السابق وليد جنبلاط، مركّزًا على نضالات الأحزاب المعارضة لعهد الوصاية والإحتلال السوري، وقد وصل به الأمر إلى إعتبار أن السكوت عن هذا الوضع القائم خنوع وولادة لروح العبودية مستشهدًا بتجربة الرئيس التشيكي فاكلاف هافل وبكلام له ومنه: «كنا منشقين مزعومين ورجالاً تطاردهم الشرطة ومسجونين. وكنا موضع سخرية. وكنا نحن أيضًا بالتأكيد نسخر من حراسنا ونفرح بإفلاتنا من قبضتهم. ولكن لو أخبرَنا أحدُهم يومذاك أننا سنصبح بعد عشر سنوات نوابًا ووزراء ورؤساء جمهورية، لكنا سخرنا منه سخرية أكبر. ومع ذلك فهذا ما حدث». في ذلك الخطاب الذي ألقاه في العام 2003 وجعله تحت عنوان «مقاومة الجامعة» وأراد فيه أن يهز ضمائر الحكام كما قال داعيًا إلى المقاومة بالكلمة ومنتقدًا «إنشاء حزب ليكون بديلاً عن حزب حل بقرار رسمي» من ضمن التدابير التي اعتمدتها سلطة الإحتلال السوري «لقمع عناد شعب خطيئته الكبرى مطالبته باستعادة لبنان سيادته واستقلاله» منتهيًا إلى الإعلان عن « أنه يقع على عاتق اللبنانيين واجب الصمود وعدم الإستسلام لليأس… والتمرّس بقول لا للإحتلال ولا للتعاون معه… فلا ندعنّ روح الحرية تضعف فينا… ولا ندعنّ طعم الحرية يفسد فينا… ولا ندعنّ شعلة الحرية ترتجف فينا…».

إنها دعوة إلى الثورة على تدجين العقل وإلى المقاومة بالكلمة وبالعنفوان ذاته. لقد أطلق الأب عبو هذه الثورة وكان لبنان لا يزال تحت سلطة الإحتلال السوري. في 26 نيسان زال هذا الإحتلال ولكن السيادة الكاملة لم تعد ولا يزال الإستقلال منقوصًا، ذلك أن الدولة اللبنانية لم تستعد بعد سيادتها على كامل أراضيها ولا يزال هناك سلاح «حزب الله» الذي يمنع تحقيق السيادة الكاملة، ولذلك تبقى كلمات الأب عبو لازمة وقاعدة للعمل بها حتى يتحقق الحلم الذي نادى به راهبًا شجاعًا ومقاومًا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل