تذكير بمفهوم العدالة    

العدلُ في اللغة هو الإنصاف وتجنُّب الظلم، وهو في الممارسة السياسية توخَي المساواة، وعلى صعيد المسلكيات الأخلاقية هو فضيلة تقوم على احترام حقوق كل فرد.

العدالة تمثَل سيادة الحق، وهي حالة ينبغي أن تنسحب على كل المجتمع من دون استثناء. ولما كانت المجتمعات البشرية قد انتقلت من مرحلة “الغاب” حيث الحق للقوة، الى مرحلة “الدولة” حيث الحق مرتبط بالقوانين، كان لا  بد من أن تُناط العدالة بالقضاء وهو القيّم على إِحقاق الحق بعيداً عن أي تحيز أو ميل أو هوى.

إن العدالة حق مشروع وليست منة شخصية أو رسمية، فهي مرتبطة بالنظام، وهي أساس كل حكم صالح، وهي أكثر الموضوعات شيوعاً في السلوك الإجتماعي. هي الخير العام الذي ينظم العلاقة بين الحرية والمساواة، أو الترياق الذي يعالَج به الاختلال الذي يسببه الفائض الحُريَاتي.

من هنا أُنيطت بالعدالة مهمةُ صد الإِنحرافات والتشوهات التي يمكن أن تنال من الديمقراطية، بمعنى تَعاظم الأنانية وتضخم الفردانية وتفكّك معادلة الحقوق والواجبات، وانحسار مفهوم المواطنة، واستشراء اللاّمبالاة السياسية، وبكلمة، تَفَلُّت الحرية من ضوابطها على حساب المساواة.

العدالة قيمة مركزية عليا من قيم التراث الإنساني، أو التجربة الأرقى في تجارب الأمم لأنها تُكَوِّن المحور الجامع للفضائل الإنسانية، هذا المحور الذي يشكل جوهر بناء المجتمع المدني وتطوره.

العدالة وحدها الضامن الثابت للسلام الإجتماعي. فعندما تصبح العدالة قيمة حاكمة للحركة السياسية وللجهات المؤثَرة في تسيير شؤون المجتمع، وتكون فعلاً محلّ إجماع والتزام، عندها يمكن القول بوجود مجتمع عادل ونظام عادل.

وعندما تصبح العدالة الإِطار المرجعي لضبط تصرفات القوى المتحكَمة بالأرض، عندها يمكن الحديث عن وطن تسوده العدالة. وعندما تُطبّق أحكام القانون على الجميع، ومن دون استثناءات، وفي كل المناطق والمواقع و”الغيتوات”، عندها يمكن القول إننا نعيش في مجتمع عادل. وعندما تصبح العدالة هي المرادفة للسلطة القضائية، وتصبح هي الآلية التي عن طريقها يتم حسم الخلافات والنزاعات ورد الحقوق الى أصحابها، عندها يمكن الحديث عن عدالة في الوطن.

لا يمكن أن تتحقق عدالة لا تستند الى شعور لدى كل جهة بالحاجة إليها، عندها فقط تنشأ العدالة الحقيقية. ولكن هذا الشعور لا يمكن أن ينشأ إلاَ أذا كان قد جرى ترسيخُه بواسطة ثقافة المساواة، وهذه ثقافة تُنمي الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين، وهذه ثقافة منوطة بالدولة وبالمؤسسات الشعبية على مختلف مستوياتها. فلا معنى إذاً للحديث عن عدالة في ظل أوضاع مختلة سياسياً ، ولا معنى للحديث عن القانون والمساواة في ظل خضوع الإنسان للقهر والضغط والتّمييز. وفي هذا المجال قال مار توما الأكويني، “العدالة تمنح القانون قوته، فبقَدر ما يكون القانون عادلاً بقَدر ما يكون قوياً”.

بعد الحرب العالمية الثانية وبزوغ فجر الإتحاد السوفياتي كقوة عظمى، عُقد اجتماع لوزراء الدفاع في أوروبا، حضره وزير الحرب السوفياتي الذي التقى نظيره في دولة اللوكسومبورغ، والتي لا يتخطى عديد جيشها فَيلقاً من الرماحين. رمق الجبار الروسي نظيره وابتسم بسخرية وتَعجب ، فكأنه يسأله، “وهل يوجد في اللوكسومبورغ جيش”؟ تبرم الوزير اللوكسومبورغي وقال له، “أنا أفعل مثلَك عندما ألتقي وزير العدل عندكم”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل