بين الزيارة الأولى للرياض منذ 6 سنوات للمشاركة في مهرجان “الجنادرية” والزيارة الأخيرة منذ بضعة أيام للمشاركة في “منتدى مسك للإعلام”، تشعر بحجم التحول الذي شهدته وتشهده المملكة العربية السعودية مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
جمع المنتدى حوالي ثلاثة آلاف شخص معظمهم من جيل الشباب للمشاركة في ورشة هدفها تسليط الضوء على التحول الذي يشهده العالم على المستوى الإعلامي، من الإعلام الكلاسيكي المعروف بالصحافة الورقية والتلفزيون والإذاعة، إلى ثورة وسائل التواصل الاجتماعي والتغريدة التي أصبحت تلخِّص الموقف السياسي وتستقطب آلاف المتابعين وأحيانا الملايين، فلم يعد مثلا رئيس الولايات المتحدة بحاجة لوسيلة إعلامية ليطلق مواقفه التي تهز العالم، بل يكتفي بتغريدة على حسابه لتشغل جميع وسائل الإعلام والعالم قاطبة. وهذا نموذج من عشرات الأمثلة التي أعطيت للدلالة على الزمن الجديد وضرورة التوفيق بين الحفاظ على الجانب التقليدي وتطويره، وبين مواكبة التحولات الحداثوية على المستوى الإعلامي.
والهدف الأساس من هذه الورشة المزيد من انخراط المجتمع السعودي في التحول الذي يشهده العالم، والإطلالة على الحداثة والتطور بكل أبعادهما، ومعلوم ان الرياض تستثمر في الإعلام وتعوِّل كثيرا على هذا الجانب من أجل نقل الصورة الحقيقية إلى الداخل والخارج، وتسعى إلى تقديم كل الحوافز لمجتمعها بغية مواكبة التطور على هذا المستوى بعدما أصبح كل مواطن صحافي ومعلِّق وناقد وكاتب، وأما أبرز المشاهدات التي يمكن التوقف عندها فتكمن في الآتي:
أولا، الحيوية التي يشهدها المجتمع السعودي، فهناك شيء جديد يمكن ملاحظته وتلمسه بسهولة ويكمن في الحماس لدى الفئة الشبابية التي تظهر وكأن الدنيا لا تتسع لطموحها وأفكارها، ومنخرطة في الصميم بالشأن العام، وتحمل قضية ورسالة ولديها هدف تريد تحقيقه، وهذه الفئة هي الأكثر حماسا للانفتاح الحاصل تجسيدا لطموحها بان يكون الفرد السعودي كأي فرد في هذا العالم.
ثانيا، يشكل الأمير بن سلمان الرمز والمثل الأعلى للمجتمع السعودي عموما ولفئة الشباب تحديدا التي رأت فيه القائد القادر على تحقيق تطلعاتها على ثلاثة مستويات أساسية: المستوى الأول شخصي ويتصل بتحريرها من القيود التي كانت موجودة وبسرعة هائلة وبما يمكنها من الإطلالة على الحداثة والتطور. المستوى الثاني اقتصادي عن طريق فتح المجالات والآفاق الاقتصادية والسياحية وتحويل المملكة الى مساحة للاستثمار في مجالات مختلفة بما يعزز فرص العمل وبقاء الشباب السعودي في بلده. والمستوى الثالث وطني ويتمثل بالشعور الذي أدخله بن سلمان إلى عقل كل مواطن سعودي بأن دور بلاده لا يقتصر ولا ينحصر بالسعودية أولا، بل يتجاوزه الى قيادة مشروع سياسي على مستوى المنطقة هدفه الحفاظ على استقلال الدول العربية وسيادتها وإعادة الاعتبار للدور العربي في موازاة الأدوار الإقليمية التركية والإسرائيلية والإيرانية.
وانطلاقا من المستوى الأخير تلمس مدى إلمام الفئة الأكبر من السعوديين المنخرطة في الشأن العام بأوضاع المنطقة برمتها وحتى بالتفاصيل المملة، من اليمن والعراق وسوريا ولبنان، إلى إيران ومشروعها التوسعي والعقوبات الصارمة عليها والسعي الحثيث والجدي لتطويق دورها ونفوذها، وصولا الى الصراع العربي-الإسرائيلي الذي لا يمكن الوصول الى الحل على قواعد المبادرة العربية للسلام سوى بعد وضع حد لطهران التي تستخدم هذا الملف من اجل توسيع دورها الإقليمي، وبعد ان تتحول العلاقة الغربية مع العرب الى ما يوازي العلاقة مع إسرائيل بغية الضغط عليها لإرساء قواعد السلام العادل والشامل والذي من دونه سيبقى الصراع مفتوحا مع تل ابيب.
ثالثا، في موازاة الرهان على الشباب هناك رهان أكبر على المرأة ودورها، ومعلوم ان المرأة ليست فقط نصف المجتمع، بل انخراطها في الشأن العام قادر على تحريك هذا المجتمع وتطويره، فهي دينامو المجتمعات وتطورها، ويمكن ملاحظة التحول على هذا المستوى من قيادة المرأة للسيارة، إلى الاختلاط الطبيعي بين الرجل والمرأة والأحاديث الجانبية التي لم تكن مسموحة في السنوات السابقة. وقد جاء تعيين الأميرة ريما بنت بندر سفيرة للسعودية في الولايات المتحدة ليشكل اوضح رسالة في اتجاهين: الاتجاه الأول باتجاه المرأة نفسها بأن أدوارها مفتوحة وغير محدودة لا في الزمان ولا في المكان من اجل تشجيع جميع النساء على ان تحذو حذو ريما لتحصل على فرصتها في تبوؤ المواقع والمناصب العامة مع إزالة الاعتبارات التي كانت تحول دون ذلك. والاتجاه الثاني موجه للمجتمع السعودي الذي عليه ان يعتاد من الآن فصاعدا على دور المرأة الموازي لدور الرجل.
لا يحتاج زائر السعودية إلى ملاحظة الفارق الكبير بين الأمس القريب واليوم، فالخوف تحول الى أمل، والحذر الى إقدام، والحركة البطيئة الى حيوية فوق العادة، لان الناس غالبا ما تتمثل بقياداتها، فتتحدث عن عمل يتجاوز الـ16 ساعة يوميا، والاهتمامات انتقلت من يومية ومحلية إلى مستقبلية وعامة تبدأ من شراكة المملكة مع الغرب ولا تنتهي بدورها في المنطقة وقيادتها لمشروع عربي كبير.
هناك شيء جديد يستحق المتابعة في السعودية، والتحول الذي تشهده أشبه بالصاروخي والعميق والكبير والاستراتيجي، والسنوات القليلة المقبلة كفيلة بترجمته أكثر فأكثر في كل المجالات والمستويات، وكل ذلك على أثر وصول من تيقن ان القوة الأساسية لأي دولة لا تكمن في مالها وصواريخها وما تختزنه تحت الأرض وفوقها، بل ان قوتها الفعلية متأتية من قوة مجتمعها وتماسكه واندفاع كل شرائحه، وليس شريحة واحدة، اندفاع هذا المجتمع باتجاه واحد وقلب واحد وفكر واحد وهدف واحد…
