الأب سليم دكّاش يروي قصة الأب سليم عبو  – 1

كتبت نجاح بو منصف في “المسيرة” – العدد 1692

• بدأت دعوته على ضفاف بحيرة طبريا

• إكتشف قيمة بشير الجميل كرمز للوطن والمقاومة

• عمل تحت رعاية أبوية من البطريرك صفير

• سيبقى دائمًا في ضمير الرهبنة

• خطاباته وكتاباته حرّكت ثورة الأرز

 

على ضفاف بحيرة طبريا بدأت الحكاية.. وصار لآباء اليسوعية وللبنان الاب سليم عبو…

بأي كلمات نروي حكاية رجل كان رجالاً عدة؟ عن رجل الله؟ عن المعلم العظيم؟ عن الكاتب أم الفيلسوف والمفكر الكبير؟ أم عن ذاك المتمرد الشرس والمقاوم الغاضب؟… بأي سطور نستعرض سجلاً ذهبياً سطره كبير من بلادنا بذهب إيمان وأبحاث وفكر ونضال ومقاومة، بأي حزن وحسرة سنكتب عن «قومية لبنانية» أرادها وحفر لها الأب سليم عبو، على خطى ميشال شيحا، ورحل خائبًا وتركنا نتحسر على لبنان لكم حلمنا به، هو لبنان ميشال شيحا وسليم عبو؟

 

فيه وعنه قالوا الكثير الكثير.. لكن  الكثير الكثير لا زال ليروى وليكتب، وهي جدران تلك الجامعة العريقة التي تبوأ رئاستها لسنوات، من «أقحمها» بدور وطني أراده رديفا لرسالتها التربوية، وهو تاريخ لبنان الحديث، من سيرويان معا عن أب يسوعي أحب لبنانه بعد يسوعه، ولأجله «تمرد» مستبقا سياسيين ومثقفين مطلقا من عقر ذاك الصرح «غضب الجامعة» في مواجهة الإحتلال السوري في عزّ طغيانه.

 

غضب ومقاومة كرسته رمزًا شرسًا للمقاومة الثقافية وملهمًا ومفكرًا لثورة الأرز، وفيما كان البطريرك الماروني مار نصرالله صفير يشن مقاومة سياسة على الإحتلال السوري، كان الأب عبو يشن هجومًا رديفاً ثقافيًا وفكريًا مؤسسًا  لـ«مقاومات» طلابية ثقافية، ليتفجر ذاك الغضب المستعر في الحرم الجامعي في أكبر حدث شهده لبنان، هو ثورة 14 آذار 2005 التي أدت الى خروج المحتل من بلادنا، مكرّسة الأب عبو رمزّا وشعلة للمقاومة وأحد أبرز الآباء الرمزيين للإنسحاب السوري والإستقلال الثاني للبنان.

 

هكذا لقب وهكذا مضى بعد ان قال كلمته ومشى.. لتبقى أبحاثه ورسائله وخطاباته في عيد القديس يوسف تدوي أبدًا في الضمائر، وتردد أصداء حكاياته، كهنوتي وفيلسوف ومناضل، بدأت من حيث مرّ يسوعه، من على بحيرة طبريا، وهو خلفه رئيس جامعة القديس يوسف البروفسور الأب سليم دكاش يروي لنا بعضًا من تلك الحكايات ونصغي…

 

 

من هو الأب سليم عبو؟ أين ولد؟ وسط أي عائلة ترعرع وأين تلقى دروسه؟

الأب سليم عبو هو قبل كلّ شيء اليسوعيّ الذي انخرط في سلك الرهبنة بقناعة واقتناع وبثقة كبيرة منذ سنة 1946.

لمع نجم الأب عبو لبنانيًا لكنه الأب اليسوعيّ الملتزم بتوجّهات وقرارات وبروحانية الآباء اليسوعيين، إنطلاقًا من هنا: هو «الأب» وكلمة الأب تعني أنه للجميع، هو أبعد من جماعة معينة، هو الكاهن، خادم المحبة، وخادم العطاء… هو الإنسان الذي أعطى ذاته مثلما الربّ أعطى ذاته في الأفخارستيا. هوأعطى حياته لهذا البلد ولإخوته، وواضح أن رسالة الأب سليم عبو من الناحية الفكريّة تخطّت لبنان، إذ كان له وزنه على المستوى الفرنكفوني العالمي، ومن الناحية الفلسفية كان له وزن كبير أيضًا، وشهادة زملائه في «الكوليج دو فرانس» من أجمل وأقوى الشهادات التي تبيّن مكانته، خصوصًا الرسائل التي وصلتنا بعد إنتقال الأب عبو إلى الحضن السماوي، يصفونه برجل الفكر العالميّ، ما يؤكّد مكانته على المستوى العالميّ الرحب وليس على مستوى ضيق.

 

ولد سليم عبو في 26 نيسان عام 1928، في بيروت تحديدًا في منطقة الصيفي حيث منزله العائلي، وهناك ربي وترعرع وكبر، دخل إلى الكليّة الثانوية لجامعة القدّيس يوسف وتخرّج منها عام 1945 حيث درس الفلسفة. ومن رفاقه الذين لمعوا، على سبيل المثال، الوزير والمثقف الكبير الأستاذ ميشال إدّه؛ بيار حبيب أبلا؛ جوزف ضومط أبي صالح؛ جان الأسمر؛ بيار جان قماطي؛ حبيب داغر؛ روبير كميل إدّه؛ نيقولا غبريال جمّال؛ سمير لمع؛ ريمون فيليب نقّاش؛ فيليب سرحال؛ لويس تابت؛ رزق الله توتل؛ جوزف نجيب طاسو… وغيرهم من الأسماء التي لمعت وهم رفاق الأب عبو.

بالنسبة لأصول العائلة معروف أن عائلة عبو موجودة في سوريا وتركيا وفلسطين ومصر، فشقيق والد الأب سليم كان في مصر، وشقيقه الآخر كان في تركيا، لكن جذور العائلة قديمة في لبنان، فجد ووالد جدّ الأب عبو مدفونان في بيروت، ما يؤكّد على تجذّر العائلة في بيروت منذ ما يزيد على الـ 150 عامًا، وهي عائلة أرثوذكسيّة معروفة، تحوّل عدد من أفرادها إلى الكاثوليكيّة، لكن مدافن العائلة الرئيسية ظلّت في مار متر الأشرفية.

 

كيف دخل سلك الرهبنة؟ متأثرا بمن؟ وكيف تطور؟

دخل الأب سليم عبو الرهبنة عام 1946 وأسرّ إليّ صديقه الأقرب ميشال إدّه في أحد اللقاءات، أن إدّه نفسه كان يرغب في دخول الرهبنة اليسوعيّة، وسليم عبو لم تكن الفكرة واردة بالنسبة إليه، وكانا يتبادلان الحديث والآراء حول هذا الموضوع.

ما حدث أن ميشال إدّه تزوّج فور إنهائه دروسه، ويمكن القول «أتته نعمة الزواج». في ذلك الوقت لم يكن سليم عبو يفكر في مسألة دخول الرهبنة، لكن في رحلة إلى فلسطين، وخلال تمضيته يومًا كاملاً على صفاف بحيرة طبريا، حيث قام بنوع من خلوة روحيّة، قرّر أن يدخل الرهبنة اليسوعيّة، وكأنه اكتشف دعوته هناك، أو جاءه وحي، ورأى أن هذا العالم لا يعني له الكثير، وأن الأهم هي القيم والمبادئ الإنجيليَّة والمحبّة فزهد وقرّر ترك العالم ودخول الرهبنة.

عاد إلى بيروت وبلّغ قراره إلى أهله، فلقيَ معارضةً شديدة من والدته، انطلاقًا من مبدأ أنه يملك كل الكفاءات والإمكانات وأن عليه أن يتخصّص ويشقّ طريقه في الحياة حيث ينتظره النجاح.

لم يقتنع سليم بذلك، فأكمل مشواره وسافر إلى مدينة ليون وتحديدًا إلى  Fourvière حيث التحق بالرهبنة وأكمل دراساته الفلسفيّة واللاهوتيّة هناك. ودخل إلى السوربون حيث أكمل دراساته العليا ولا سيّما أطروحته الشهيرة حول «الثنائيّة اللغويّة في لبنان: الفرنسيّة والعربيّة» وكانت هذه الأطروحة مهمة جدًا وعمل عليها مع لوروا غورون (André Leroi-Gourhan) المشهود له في علم الأنتروبولوجيا والألسنيّة، وأخذ مسارًا في علومه العليا على مستوى أكاديميّ رفيع جدًا حيث التقى بأفضل اللاهوتيين الفرنسيين والفلاسفة مثل الكاردينال جان دانيلو (Jean Daniélou) وتيار دو شاردان وغيرهما من الأسماء اللامعة التي عاصرها وعرفها عن قرب.

حمل الأب عبو همّ لبنان منذ البداية، إذ حين يُطرح موضوع الثنائية اللغوية في لبنان يُطرح موضوع الهويّة لأنها عنصر أساسي من العناصر المكوّنة للهويّة، وبالنسبة إليه الهوية اللبنانية ليست مزدوجة بل هي مزيج وتركيب مشترك من العربيّة صوب الفرنسيّة ومن الفرنسيّة صوب العربيّة، وهذا ما ميّز الهويّة اللبنانية بانفتاحها غربًا صوب اللغة الفرنسيّة. وغني عن القول إنه كان من أشدّ المدافعين عن اللغة الفرنسيّة ونقاوتها وطهارتها.

أذكر حين كُرِّم ونال وسام جوقة الشرف الفرنسيّ في السفارة الفرنسيّة في بيروت، وكنت موجودًا في ذلك الاحتفال، أذكرُ أن خطابه كان شديد اللهجة ضدّ كلّ من يُفقّد اللغة الفرنسيّة نقاوتها ومتانتها والمنطق الخاصّ بها، ودعا في كلمته إلى المحافظة على اللغة لأنها جزء من هويّة الإنسان… كان يرفض أي زغل في اللغة أو أي شوائب لأن تلك الشوائب ستطال الهوية وبالتالي الإنسان… كان موقفه صارمًا في هذا الموضوع.

 

ما هي أهم المحطات في حياته الرهبانية التي أوصلته الى تولي منصب رئاسة الجامعة اليسوعية؟

حين أنهى دروسه في فرنسا إنفتح على عالمين: عالم الشرق وعالم أميركا اللاتينيّة، من خلال معارفه اللبنانيين هناك، وفور عودته إلى بيروت تولّى منصب مدير مدرسة الآداب (Ecole des Lettres) في بيروت وكانت تملكها الدولة الفرنسيّة.

عُرف الأب عبو في بيروت وسرعان ما ذاع صيته ولمع اسمه بين المفكرين وكبار المثقفين، ومن المهم هنا أن نذكر أنه التقى بصديقه المقرب جدًا إليه سمير فرنجيه في مدرسة الآداب لأن فرنجيه خرّيج هذه المدرسة، وبدأت صداقتهما منذ تلك الحقبة، هي صداقة قديمة ولديهما تناغم فكري قوي جدًا، والأب عبو دخل من خلال سمير فرنجيه إلى الحياة السياسيّة اللبنانية الذي عرّفه عليها، وحين تقلّد الأب عبو رئاسة الجامعة كان فرنجيه رفيق دربه، وقد أعطى ومن فكره ومن ذاته للجامعة كما للبنان.

حين عاد الأب عبو الى بيروت لم يكن لديه إلتزامات رهبانيّة بالمعنى الراعوي، فنحن اليسوعيين ليس لدينا هذا النوع من الإلتزامات، رعيتنا هي الجامعة، هي مركز الرياضات الروحية، والمركز الاجتماعي في برج حمود… كانت الجامعة رعية الأب عبو كما العمل الفكريّ بشكل عامّ، والتفاعل مع العالم اللبناني ومع المفكرين والأدباء اللبنانيين.

 

بماذا تمايز دورا ورسالة: دينيا فكريا وتربويا؟

آمن الأب عبو بتعزيز نسيج وطنيّ مرهف، هو نسيج لبنان الذي غالبًا ما يتخبّط بعواصف متعدّدة. وقد ترجم هذا الإهتمام من خلال تقليد جامعة القدّيس يوسف في بيروت التي لطالما كانت فخورة بموقفها الدؤوب في أن تكون مساحة أكاديميّة تعددّية تختلط فيها النُخب القادمة من مختلف الأسر الروحيّة اللّبنانيّة والتي تعمل بلا كلل، ومن خلال كلّ رؤسائها بروح الرهبنة اليسوعيّةوبروحيّة الأب عبو، من أجل خلق شعور من المواطنة والوطنيّة لا مثيل له وخاصّ بها، يلتزم به كلّ اللّبنانيّين بتنوّعهم.

لقد أدرك الأب عبو أنّ الجامعة هي هيكل للمعرفة ولهذا السبب كان من الضروريّ منحها أفضل الوسائل من أجل تنفيذ مهمّتها الأكاديميّة في تنشئة طلابها. وعندما أصبح رئيسًا للجامعة من العام 1995 حتّى العام 2003، بعد أن كان مديرًا لمعهد الآداب وهو مؤسّس كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في الجامعة في العام 1976، وقد قام بعمل هائل في خدمة التعزيز الأكاديميّ للأمّ المربّية أيّ جامعة القدّيس يوسف، فأدخل النظام الأوروبيّ لاحتساب الأرصدة الجامعيّة القابلة للتحويل في العام الأكاديميّ 2002-2003، وأدخل اللّغة الإنكليزيّة كلغة ثالثة إلزاميّة، ووضع الخطّة الإستراتيجيّة 2002-2007، وأشرف على فعاليات الإحتفال الذي لم يسبق له مثيل لمرور 125 عامًا من عمر الجامعة.

بنظر سليم عبو، الجامعة هي مكان تتكوّن فيه يوميًّا الفرديّة الخاصّة بالمواطنة بامتياز، إنه المكان المرموق من أجل تعلّم المواطنة في تعدّدية أبعادها كلّ أبعادها.

 

أي دور لعبه في تكريس عيد القديس يوسف؟

الأب جان دو كروييه هو مَنْ كرّس عيد مار يوسف كشفيع للجامعة وبقي حوالى عشرين عامًا رئيسًا للجامعة من 1975 إلى 1995، وهو من رشّح الأب عبو ليخلفه في رئاستها.

إن إرتباط الجامعة بشفيعها قديم جدًا، وكذلك إحتفالها به، فهي منذ تأسيسها في العام 1875 أخذت إسم جامعة القدّيس يوسف، وهي تعتبر التاسع عشر من آذار هو يوم الجامعة وتحتفل به كيوم تأسيس الجامعة تحت كرامة وشفاعة القدّيس يوسف كأب للعائلة وساهر على العمل التربويّ، هذه هي رمزية هذا العيد.

الأب عبو امتلك هذه الذهنيّة ورأى في عيد القدّيس يوسف يومًا نفكّر فيه بحاجات الوطن ومشاكله، فالوطن هو العائلة الكبيرة والقدّيس يوسف هو الساهر عليها. لطالما عبّر الأب عبو من خلال خطاباته وكلماته على مدى سبعة أعوام عن تطلّعات وآمال وحاجات وآلام اللبنانيين ليضعوها بين يدي القدّيس يوسف شفيع المربين والعمّال وشفيع الجامعة. لقد أحبَّ الأب عبو لبنان بشغف لا جدال فيه، وكانت لديه قبل كلّ شيء قناعة فكريّة راسخة لجعل هذا الشغف سببًا لنضال يمكننا أن نقرأه في خطبه المختلفة في عيد شفيع الجامعة، ولا سيّما منها تلك التي تحمل عنوان «غضب الجامعة» و»مقاومة الجامعة».

 

لعب عبو دورًا في تكريس عيد القدّيس يوسف ليكون للجميع وليس فقط للجامعة، فالجامعة اليسوعيَّة هي جامعة لكلّ الوطن، وكانت تصبو كلماته وخطاباته إلى هذا الهدف، فالجامعة تحمل همّ الوطن كلّ الوطن، والحقّ يُقال إنه كانت له اليد الطولى في تكريس البُعد الوطني لعيد القدّيس يوسف، وإذا كان العيد مناسبة للفرح، فبإمكاننا قراءة هذا الفرح حين أُزيل الاحتلال السوريّ وخرجت قواته المسلحة من أرض لبنان، وحينها عمّ الفرح!

(يتبع)

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل