.jpg)
لا يختلف اثنان في لبنان على أن ملف النازحين السوريين يشكل عامل ضغط على الواقع اللبناني على صعد عدة، اقتصادية وسياسية واجتماعية وديموغرافية، لم يعد للبنان طاقة على تحمّل تبعاتها.
من واجب جميع الأطراف مقاربة ملف النزوح انطلاقا من المصلحة اللبنانية الصرفة، بشكل جدي وعلمي ومنطقي رصين من ضمن المؤسسات وعلى رأسها مجلس الوزراء، المقرر الأول في رسم السياسات العامة للدولة في مختلف الشؤون والميادين، بعيدا عن الزواريب السياسية الضيقة والمزايدات الشعبوية. مع التشديد على ضرورة التزام البيان الوزاري لناحية النأي بالنفس ورفض إدخال لبنان في سياسة المحاور، ومحاولات تعويم هذا أو فك العزلة والحصار عن ذاك.
ولطالما أكد حزب “القوات اللبنانية” على موقفه الثابت منذ اليوم الأول لبدء تدفق النازحين السوريين إلى لبنان هربا من بطش النظام السوري ومن الحرب في سوريا، وضرورة تصدي الحكومة اللبنانية، التي لم يكن مشاركا فيها، لهذه المشكلة وضبطها. وشدد على وجوب مواجهة الأزمة المستجدة بطريقة منظمة واضحة بما يحفظ أمن لبنان واقتصاده ونسيجه الاجتماعي – الديموغرافي، وبالتنسيق مع الأمم المتحدة والمراجع الدولية المختصة، وبالانسجام التام مع المعايير الانسانية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين الى بلادهم عند أول فرصة متاحة.
ويؤكد “القوات” على تشبثه بموقفه الرافض لمحاولات البعض المستمرة استغلال ملف النزوح للضغط باتجاه التطبيع مع النظام السوري، الذي هجّر النازحين في الأساس بالحديد والنار لمجرد مطالبة الشعب السوري بالقليل من الحرية والحياة الكريمة، وخرج بالملايين في التظاهرات السلمية على مدى نحو 8 أشهر من بدء الانتفاضة السورية، لكن النظام واجه شعبه بالرصاص والقمع ومعتقلات التعذيب.
وانسجاما مع موقفه تقدّم حزب “القوات اللبنانية” بمبادرة عبر وزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان، تضمنت اقتراحات عملية وعلمية مدروسة للحلول الممكنة والقابلة للتطبيق إن صفت النيات، تساعد على العودة، منها: تفعيل اللجنة الوزارية المشكلة بموجب قرار سابق لمجلس الوزراء لمتابعة مختلف جوانب الأزمة، مع اقتراح إضافة وزارة العمل نظراً لارتباطها بتنظيم العمالة السورية، وتكليفها التنسيق مع الجهات الدولية والأممِ المتحدة لتحفيز النازحين.
بالإضافة إلى التنسيق مع الدول الكبرى، لا سيما روسيا صاحبة المبادرة الروسية، والتشديد على ضرورة أن تقوم الحكومة اللبنانية بالطلب من المجتمع الدولي ممارسة الضغط على النظام السوري لتسهيل العودة عبر سلسلة إجراءات مطلوبة. علما أن أليات العودة قائمة عبر الأمن العام اللبناني، الجهاز الصالح لتنسيق عودة النازحين عبر الحدود.
لكن ما كاد “القوات” يطلق مبادرته للحل حتى جنَّ جنون النظام السوري وفقد صوابه وخرج عن طوره، فأطلق حملة شعواء لمواجهتها، سواء عبر بعض أعضاء مجلس الشعب عنده وصحفه شبه الرسمية، أو من خلال بعض أبواقه اليائسة المحبطة في الداخل اللبناني التي تشعر بحال من اليُتم إثر زوال الوصاية السورية، فدفعها حنينها إلى زمن استعبادها ولبَّت رغبته بإطلاق موجة شتائم وأكاذيب وأضاليل وتخرّصات فارغة بحق “القوات”.
بالطبع لا عاقل يراهن على تلقُّف نظام الأسد لأي مبادرة تهدف لعودة النازحين، الذين هجَّر القسم الأكبر منهم، إلى مدنهم وبلداتهم وأرزاقهم في سوريا، بغضّ النظر عن الجهة الساعية لذلك، فكم بالحري إن كان “القوات” صاحب المبادرة والمساعي الحميدة؟! والمعلومات المتداولة حول محو معالم العديد من المدن والقرى السورية واستقدام مجموعات طائفية معيّنة لتوطينها بدلا من النازحين السوريين، لا تدع مجالا للشك في نوايا النظام ومخططاته.
لم ينس، ولن، النظام السوري وأيتامه أن “القوات” شكّل الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها كل أطماع الوصاية السورية، والإرادة العنيدة والمقاومة التي لم تلن يوما في التصدي لنظام الأسد، وواجهت الاحتلال السوري وأجبرته مع سائر اللبنانيين الأحرار في النهاية على الانسحاب من لبنان.
فورة “الغضب المسعور” هذه التي انتابت النظام السوري وحملة ردود أبواقه الصفراء السخيفة الفارغة من اي مضمون ما عدا الشتائم والاتهامات الباطلة المعلوكة من الزمن البائد، التي ملّها اللبنانيون والسوريون على حدّ سواء، لم تناقش بنود المبادرة. ولم تتضمّن أي رد علمي أو اقتراح تقني فعلي لحلّ لأزمة النازحين والمهجرّين من شعبه، بل حاول النظام حرف الأنظار عن مسؤوليته المباشرة عن التهجير والمآسي وواجبه في إيجاد الحلول، من خلال الهروب إلى مهاجمة “القوات اللبنانية” بأسلوب ركيك هزيل يكشف أزمته، فضلا عن اللغة السوقية التي توسّلها.
هذا الإرباك الذي طبع النظام وأزلامه، يعكس في ما يعكس حال العجز الذي يتخبّط فيه، والخوف من توسّع المبادرة القواتية، ومحاولة لمنع “كرة الثلج القواتية” هذه من أن تكبر وتصبح مشروعا قائما، نظرا لجديتها وموضوعيتها والحلول العملية التي تضمنتها، ما يحشره في الزاوية ويزيد من عزلته أكثر فأكثر.
ولعلّ أكثر ما جعل النظام السوري يدفع بعض أبواقه “المنقرضة” إلى الواجهة، الأصداء الإيجابية الأولية التي حصدتها مبادرة “القوات”. فتعليقا على المبادرة، أعربت مصادر “التيار الوطني الحر” عن ترحيبها بكل موقف إيجابي في هذا الإطار، في وقت لم يصدر أي موقف سلبي من سائر الأطراف السياسيين “الوازنين” إزاءها بانتظار مناقشتها في مجلس الوزراء. فلم يبقَ أمام النظام سوى الاستناد إلى أبواق الشتّامين العاطلين عن العمل و”البلا وزن”.
لذلك، يجب ممارسة كافة الضغوط على هذا النظام وتحفيز المجتمع الدولي لدعم قضية لبنان وموقفه من مسألة النازحين، والخوض بشكل جدي وفعلي في بحث مبادرة “القوات” للحل، التي من حسناتها أيضا أنها كشفت النوايا الدفينة للنظام السوري، حتى قبل أن تُطرح على طاولة مجلس الوزراء للبحث والنقاش.
وفي كل الأحوال، يؤكد حزب “القوات اللبنانية” على المضي في مبادرته العملية لمعالجة أزمة النازحين إلى النهاية، بالتعاون مع سائر الأطراف في الداخل ومن ضمن المؤسسات الدستورية المعنية، وبالدفع للتنسيق مع المرجعيات الدولية المختصة. فحلّ هذه المشكلة الضاغطة ينعكس إيجابا على اللبنانيين جميعا من كافة طوائفهم ومناطقهم، ويحدّ من الأعباء الاقتصادية الضخمة التي يعانيها الواقع اللبناني. بالإضافة إلى أن العودة حق غير قابل للنقاش للنازحين السوريين إلى أراضيهم وبيوتهم، تكفله كل الشرائع والأنظمة والقوانين الدولية.
لكن “القوات” لن يسمح بعودة الساعة إلى الوراء، واستغلال هذه المأساة من قبل اي طرف حجة أو سبيلا لعودة التطبيع مع النظام السوري، المعزول عربيا ودوليا والفاقد لقراره على أرضه التي تتنازعها قوى النفوذ الدولية والإقليمية، مهما كلّف الأمر. نظام ذاق اللبنانيون منه الويلات والعذابات على مرّ عقود من الزمن، وهو لا يزال يُخفي حتى الساعة مئات اللبنانيين في معتقلات التعذيب لديه، رافضا إطلاقهم أو الكشف عن مصيرهم.
