التّذاكي قبل التّباكي

التّذاكي قبل التّباكيعُرِفَ اللّبنانيّون عبر التّاريخ بقدرتهم على تحوير الوقائع خدمة لمصالحهم الخاصّة. وغالبًا ما تفسّر هذه الواقعة بالنّاحية السّلبيّة تحت مسمّيات مختلفة منها: الشّطارة، والتّجارة، وغيرها من التّسميات. لكنّنا اليوم بتنا مكشوفين أمام المجتمع اللبناني نفسه، والدولي بشكل عام. فهل سيستطيع لبنان تخطّي الوقائع التي تعصف باقتصاده وبحياته السياسيّة؟ أم أنّه مرّة جديدة سينفذ كعادته لترجع “حليمة إلى عادتها القديمة؟”.

 

ينتظر اللبنانيون زيارة وزير الخارجيّة الأميركي مايك بوبيو منتصف الشهر الحالي، وذلك على وقع تغيّرات جيوسياسيّة في المنطقة، ليس أوّلها الانسحاب الأميركي المرتقب من الساحة السوريّة، ورفض الأميركيّين المبادرة الروسيّة لعودة النازحين. وتجدر الاشارة إلى أنّ الموفد الأميركي رفض زيارة لبنان قبل مؤتمر وارسو لمواجهة إيران، وذلك على أثر السياسات الداخليّة لحلفاء إيران في لبنان.

 

إلا أنّ التغيير في المشهديّة اللبنانيّة لم يأتِ نتيجة نقلة نوعيّة حقّقها الطّاقم السياسي، فلا الحياة الاقتصاديّة بدأت بالانتظام، ولا تبدّلت المواقف السياسيّة من قضايا المنطقة. على الأقلّ، نقول حتّى الآن.

ويعلم اللبنانيّون جميعهم هذه المرّة، أنّ ما نفذوا به في مؤتمرات باريس الثّلاثة، لن ينفذوا به في مؤتمر سيدر. لقد وضع المجتمع الدولي شروطًا قاسية، لكنّها ليست بمستحيلة. ولن يصرف أيّ فلس قبل تطبيق هذه الشّروط.لكنّ حملة التّذاكي من قبل بعض اللبنانيّين ما زالت قائمة، لا سيّما في موضوع العقوبات الأميركيّة، إذ يسعى الدّائرون في الفلكين السّوري والإيراني، كعادتهم، لإيجاد مخارج؛ علّها تساهم في تفلّت إيران من العقوبات الأميركيّة، وتساعد في ترسيخ الأسد ونظامه المتهالك في سوريا. هذا ما لم يعد مقبولا لا عند الأميركيّين، ولا عند الأوروبيّين. لا مرادف لمصطلح النّأي بالنّفس بالنّسبة إلى المجتمع الدّولي.

ولن يقبلوا بعد اليوم بأن يتحوّل لبنان، حكومة ومرافق عامّة، إلى منفذًا تتهرّب بوساطته إيران من العقوبات.إذًا، التّذاكي انتهى. ولم يعد مقبولا به. على اللبنانيّين جميعهم، الكفّ عن هذه الطريقة بالتعاطي السياسي مع المجتمع الدولي قبل أن نصل إلى مرحلة التّباكي، وعندها لا نستطيع القول: “لات السّاعة ساعة مندمٍ!”.

 

نعم، ينتظرون لبنان ليروا كيف سيتعامل مع ملفّاته التي تلاقي اعتراضًا دوليًّا، لا سيّما الاقتصادي منها، والنأيوي بالنّفس. وحده حزب القوّات اللّبنانيّة بادر إلى إطلاق ورقة إصلاح اقتصاديّ، إن لم يرد الأخذ بها، فعلى الأقلّ، تبرز ضرورة ملحّة في مناقشتها قبل أن نخسر ما وعدنا به.

أمّا إخراج لبنان من آتون الصراعات الأيديولوجيّة، فهذه مسألة ليست فقط من اختصاص الدّولة. فعلى اللّبنانيّين الاقتناع بأن لا أيديولوجيا تحكمهم سوى أيديولوجيّة الأمّة اللبنانيّة. وهنا تبرز ضرورة تحوّل الشعوب اللبنانيّة المتناحرة في ما بينها إلى شعب واحد موحّد حول أيديولوجيّة وطنيّة لا تلتزم بأي فكر آخر.وما هذا التّركيز الأميركي الأخير على لبنان إلا لأنّ المجتمع الدّولي لم يرَ حتّى هذه اللّحظة أيّ منحى تغييريّ. لا سيّما أنّ استراتيجيّة حزب الله، ما زالت هي هي، بغضّ النّظر عن مدى انخراطه في عمليّة مكافحة الفساد. فإذا كانت هذه طريقته للتّذاكي، يجب أن يعلم أنّ مفاعيلها قد انقضت قبل أن يبدأ بها.

 

المرحلة مرحلة صعبة جدًّا. وبيدنا كلبنانيّين فقط، أن نجعلها بسيطة إذا ما التزمنا بما وعدنا به، وإذا ما عاد الجميع إلى الكيان والدّولة. لقد آن الأوان لنهوض لبنان. ولا نستطيع أن نحتمل مواجهة العالم بأسره كرمى عيون أحد بعد اليوم. فمن يرغب بهذه المواجهة فليذهب إليها منفردًا، وليتحمّل عواقبها وحده، من دون جرّ البلاد والعباد إلى مشاريعه. فهل سيتخطّى لبنان عاصفة عودة الدّولة؟ أم أنّها ستجرف ما تبقّى منه ومن الدّولة معًا؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل