.jpg)
ثمة ظاهرة لافتة تطبع الأحداث والاستحقاقات في لبنان، خصوصا متى كانت من طبيعة وطنية سيادية ميثاقية، أو كانت تحمل في طياتها دلالات معينة حول موقع لبنان وتوجهات الدولة العامة، وما يثار عن توزع مراكز القوى والنفوذ داخل السلطة ونِسبها.
مجريات الجلسة العامة لمجلس النواب بالأمس، وعملية انتخاب حصة المجلس من النواب لعضوية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وسقوط الاتفاق المسبق الذي اقترحه رئيس المجلس نبيه بري على أسماء معينة، واجراء عملية انتخابية ديمقراطية وفوز النائب عن حزب “الكتائب” الياس حنكش بعد اضطرار مرشح بري وحزب الله النائب ألبير منصور للانسحاب قبل دورة الانتخاب الثانية، واحدة من محطات عدة سبقتها، تؤكد أن كل ما يحكى عن نهاية “14 آذار” لا يتَّسق والدقة والموضوعية.
بالتالي، كل ما يقال عن أن لبنان أصبح في يد إيران في شكل كامل، وأنها تسيطر على مجلس النواب اللبناني عبر حلفائها الذين يشكلون الأغلبية في البرلمان، وتوصيف الحكومة اللبنانية بـ”حكومة حزب الله”، كل هذه الادعاءات المغلوطة والقراءات الخاطئة لدى “البعض” تدحضها الوقائع والبيّنات عند كل استحقاق.
أصرّ حزب الله وبري على النائب منصور حتى النهاية، وكأن ما كُتب قد كُتب. وهذا من ضمن اللعبة السياسية المفهومة والطبيعية، وحق مشروع ديمقراطي لمحاولة تأمين وصول مرشحهم إلى عضوية “المجلس الأعلى”. لكن كان يكفي ألا توافق قوى “14 آذار” (القوات اللبنانية، وتيار المستقبل، والحزب التقدمي الاشتراكي، والكتائب، والمستقلين)، بالإضافة إلى عدد من نواب “التيار الوطني الحر”، على ما قرّره بري وحزب الله، وتتّحد وتتجمّع في لحظة واحدة، ليسقط مرشح “الثنائي الشيعي” وحلفائه ويفوز مرشح “14 آذار”.
لا يكفي أن يرغب ويحلم النظام السوري بعزل وليد جنبلاط وحشره في الزاوية انتقاما منه وإطلاق حملة إعلامية وسياسية و”منابرية”، لامست حدودا أمنية خطرة، عبر حلفائه الدروز وبـ”أبّة باط محدودة من قبل أطراف فاعلين”، لينال ما يريد.
استشعار وهم استعادة القوة والقدرة على فرض مشيئته في الداخل اللبناني، كما كان يحصل في زمن الوصاية، متكئا على إيران، بات في دنيا أحلام النظام السوري الواهية. يكفي أن يتكئ جنبلاط إلى شعبه ويتحد “القوات” والاشتراكي” ويقول سمير جعجع “لن نسمح بعزل وليد جنبلاط”، وأن يلاقيهما “المستقبل” و”الكتائب” و”الأحرار” والمستقلون، لتذهب أحلام ورغبات الأسد وحلفائه هباءً منثوراً.
“موقعة المجلس”، مجازا، وما حصل في جلسة انتخاب أعضاء “المجلس الأعلى” في البرلمان، لا يُحسب بخاصيته. ولا يصح النظر إليه كحدث معزول في الزمان والمكان عن وقائع كثيرة سبقته. بل هو مؤشر من ضمن سلسلة وقائع تؤكد خطأ ما يروَّج له عن سيطرة إيران وحلفائها على مجلس النواب اللبناني.
لا تقريش ولا تسييل على أرض الواقع الفعلي في لبنان لكل ما يسوِّق له ما يسمى “محور الممانعة”، وما يقع فيه خطأً البعض. يستطيع قاسم سليماني وغيره من المسؤولين الإيرانيين ممارسة لعبة البروباغندا والحرب النفسية كما يحلو لهم، لكن عليهم الانتباه إلى أنها لعبة تصبح مدعاة للتندر حين تتوالى الخيبات التي تحصدها بفعل اصطدامها بـ”الحقائق اللبنانية”.
ترغب إيران وتعمل لبيع سلاحها وكهربائها وأدويتها وانتاجها إلى لبنان، محاولة خرق العقوبات الدولية عليها وإيجاد متنفّس لإنقاذ وضعها الاقتصادي الذي يعاني الاختناق. ويلاقيها حزب الله وحلفاؤه بحملة سياسية ونيابية واعلامية، لم يتخلّف عنها حتى الأمين العام للحزب حسن نصرالله. والنتيجة: لا صفقات ولا بيع ولا تجارة و”لا من يحزنون”. يكفي ألا توافق قوى “14 آذار” على الموضوع انطلاقا من المصلحة اللبنانية العليا والتزام لبنان بالقوانين الدولية، لتذهب رغبات إيران وسعيها أدراج الرياح.
يرغب ويعمل “محور الممانعة” بقيادة إيران، ويسعى و”يقيم الدنيا ولا يقعدها” مع حلفائه، للتطبيع مع نظام الأسد وعودة “الأيام الخوالي السعيدة”، متوهما ومحاولا التسويق لقدرة يفتقدها. يستميت محاولا دعوة بشار الأسد للمشاركة في القمة العربية الاقتصادية في بيروت، وتخيب مساعيه. وكذلك في محاولة استغلال أزمة النازحين، ويحصد الخيبة.
يرفع “القوات” صوته في مجلس الوزراء، ويرفع رئيس الجمهورية ميشال عون الجلسة قبل أن يتطور السجال، وقبل أن يتمكن “المستقبل” و”الاشتراكي” من ملاقاة “القوات”، بالصوت العالي أو الناعم لا فرق، لتكون النتيجة: يكفي أن تقول “14 آذار” متحدة، لا للتطبيع، ولا عودة إلى الوراء، ولا سماح باستغلال أي قضية، ولا قرار أو قدرة لأحد إلا من خلال المؤسسات الدستورية الشرعية في أي شأن وطني، لتسقط الرغبات والمساعي كلها.
يمكن متابعة سرد الوقائع والحقائق التي تنفي زيف ادعاءات السيطرة على القرار اللبناني من قبل إيران وحلفائها. لكن هذا لن يزيد سوى في تأكيد المؤكد لمن يقرأ الوقائع قراءة هادئة موضوعية منطقية. وقد يكون السبب وراء الانطباع الخاطئ لدى البعض عن سيطرة إيران وحلفائها على السلطة في لبنان (حكومة وبرلمانا)، هو الوقوع ولو لفترة محدودة في فخ التسويق، قبل أن يتلاشى هذا الانطباع بفعل الحقائق المتتالية التي تظهرها النتائج عند الاستحقاقات.
ولعل من الاسباب أيضا، هو انقسام قوى “14 آذار” وتعاطيها مع بعض الامور والقضايا السياسية المطروحة اليومية من زوايا مختلفة، لكونها في طبيعة تكوينها ليست معسكرا تنظيميا حديديا على غرار معسكر إيران وحلفائها.
لكن الوقائع تشهد أنه في كل مرة تعلَّق الأمر بمسألة مفصلية أساسية تتَّصل بجوهر القضية، وبما يخلّ بالتوازنات الوطنية العميقة، تهبّ “14 آذار” هبّة واحدة وقلباً واحداً بكل مكوّناتها، وتنتصر وتنجح في تحقيق مطلبها ويتراجع فريق “8 آذار”.
المسألة في حقيقتها أن لبنان محكوم بتوازنات دقيقة لا تحتمل أي لعب بمعاييرها، أو “زغل” في معادلاتها الكيميائية. ويخطئ من ينظر إلى النتائج التي أفضت إليها الانتخابات النيابية الأخيرة من زاوية حسابية رقمية، ويقيم على أساسها تصوّرات وتوّهمات لمعادلات غلبة سياسية ما، لئلا يقع في خطأ القراءة الفعلية لها.
وهذه النتائج بالذات التي يبني البعض عليها ليسوِّق، أو يحاول، نصراً أو غلبةً، تُقرأ من زاوية “المكّونات” وليس الأرقام. وحتى في هذه الأخيرة، يعلم هذا “البعض” بالذات أكثر ما يعلم أن القراءة الهادئة المتأنية للأرقام تؤكد أن الانقسامات “الأصلية” في البلد متقاربة، بل هي “طابشة” لمصلحة “14 آذار”، والمسألة لا تعدو كونها أخطاء انتخابية “لحظية” ارتكبها البعض متعلقة بالتحالفات.
لا غلبة لأحد، ولا هيمنة، ولا سيطرة، ولا استقواء ولا استعلاء ولا استكبار، ولا أوهام “وردية”. التوازن يحكم المعادلة الداخلية اللبنانية. والنأي بالنفس عن “المتفجرات” الإقليمية، والالتزام بالدستور والقوانين الدولية وعلاقات لبنان الدولية والعربية الصديقة، هو الصيغة السحرية لاستنقاذ الوضع اللبناني شديد التأزم مما يتخبط فيه.
ثمة اشارات أوّلية معيّنة يرسلها حزب الله للقول إنه بات معنيا بالوضع الداخلي ومعالجة المشاكل المستعصية، بدلا من صبّ الاهتمام كله على مشروعه الاقليمي. لكن لا يزال الغموض يلفّ هذه الإشارات، وهي بحاجة وتستوجب الانتظار لإثبات مدى جديتها. علما أن هذا أقل الواجب بالنسبة للحزب، لكونه مشاركا في السلطة ويتحمّل المسؤولية.
حدود الفصل والوصل هو التقيّد بأحكام اللعبة السياسية الديمقراطية الطبيعية، والأولوية للبنان ومعالجة أزماته وإنقاذ الوضع. وإلا، فإن “14 آذار” “المعروفة” يمكن أن تظهر وتتجمّع في لحظة، إن عاد البعض إلى ممارساتهم السابقة، أو حاولوا تخطي الحقائق وكسر المعادلات اللبنانية الثابتة. وهذا ما تُظهره الاستحقاقات المتتالية بوضوح.
