لبنان سليم عبو يجب ألّا يموت

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1692

لبنان سليم عبو يجب ألّا يموت

الأب الثائر على ثقافة الصمت والخضوع والخوف

 

كاتب، فيلسوف، عالم أنتروبولوجيا، مؤرخ… هو كل هذا، لكنه أولا وحتى آخر لحظة من عمره كان الراهب اليسوعي المقاوم الآتي إلى المارونية من مذهب الروم الأرثوذكس، الذي انطبع بصفات الجرأة والشجاعة والإنفتاح على الآخر بفكره وثقافته. هو الأب البروفسور سليم عبو مالئ مكتبات وأرشيف جامعة القديس يوسف – اليسوعية بالكتب والدراسات وشاغل الناس والأوساط السياسية من فترة توليه رئاسة الجامعة بالأبحاث والخطب التي تركز على التقاء الحضارات في العالم ومظاهر التثقف والصراعات حول الهوية والتعددية الثقافية.

 

بشغف كان يترقب اللبنانيون كما الجسم التعليمي والإداري والطلابي في الجامعة اليسوعية خطاب الأب سليم عبوالسنوي في عيد القديس يوسف شفيع الجامعة. وكان يجهد ليكون خطابه «جامعا مانعا» ينطلق فيه من علياء النظريات السياسية والدينية المتنوعة، وغالبا ما «يطرَزه» بعروض لنظريات وأفكار و«نصائح» للحكام.

 

لم يتأخر هذا الأب الثائر على ثقافة الصمت والخضوع والخوف من توجيه رسائل لـ«المحتل» السوري في زمن الوصاية السورية فرسم في خطاباته خارطة طريق لما سماه مواجهة الوجود السوري في لبنان. وبجرأة لا تخلو من الحدة اعترض على كل مشروع أو سياسة أو إيديولوجيا ترمي إلى القضاء على خصوصية لبنان أو جعله تابعا أو خاضعا لمرجعية خارجية. ولطالما كرر في مجالسه الخاصة وأوساطه التربوية والثقافية إقتناعه بضرورة تلاقي اللبنانيين على حقوق الإنسان، لتعزيز «النموذج النفسي».

 

مجرد الغوص في عمق خطابات الأب سليم عبو لا يفي حقوق ذاك الراهب الذي أطلق مفهوم «المقاومة الثقافية» في وجه السياسات التي تنشر ثقافة الموت وتؤله القادة وإيديولوجياتهم وتغلب عند البعض مصالح الدول الخارجية على مصلحة بلادهم وتدفع بالشبيبة إلى الهجرة. هكذا اراد الأب سليم عبو أن يكون لبنان الميثاقي. لبنان سليم عبو يجب ألا يموت.

 

تماما كما كان رسامو بيزنطية القديمة يوزعون رسائلهم الإيمانية على أيقونات ثلاثية، لا يستقيم معنى كل جزء منها إلا على ضوء الأجزاء الأخرى، هكذا فعل الأب البروفسور سليم عبو(1928-2019) في نقل رسائله الفكرية ومداخلاته التي كانت تنطوي على الكثير من الإشارات السياسية، وتكشف عن لوحة متكاملة الأجزاء تختصر تصوره للبنان المعاصر. وتكمن أهمية هذا المجهود الفكري أنه يأتي غداة الإختلال البنيوي الذي أحدثته الحرب اللبنانية وفي غمرة هيجان القومية العربية.

 

منذ توليه رئاسة جامعة القديس يوسف – اليسوعية (1995-2003) حرص الأب عبو على أن يكون خطابه السنوي في عيد القديس يوسف شفيع الجامعة خطابا مانعا ينطلق من «علياء» النظريات السياسية والدينية المتنوعة، فيحاول لهذه الغاية أن يقارب نقاط النزاع ومحاور الإختلاف في المجتمع اللبناني بطريقة خارجة عن المألوف، خصوصا تلك المتعارف عليها في الخطابات السياسية اللبنانية. ففي خطاب الجامعة السنوي الذي ألقاه عام 1997 تحت عنوان: «تحديات الجامعة» عمل الأب عبو على تبديد الأوهام الكامنة في خطاب القومية العربية والهادف إلى طمس الخصوصية الثقافية والسياسية اللبنانية، الأمر الذي يرمي في نهاية المطاف إلى إنكار الهوية المميزة للشعب اللبناني. وفي خطاب العام 1998 بعنوان»مهمات الجامعة» عمد إلى تحديد العوامل المكونة للخصوصية اللبنانية وأسهب في التوقف عند التعدد الطائفي الذي يقوم عليه النظام اللبناني شارحا معنى الثقافة المتعددة على ضوء تجربة اللبنانيين التاريخية وتراثاتهم المتنوّعة.

 

لطالما اعتمد الأب عبو التحليل التأويلي المنسجم مع تكوينه الفلسفي الأساسي. ويتجلى ذلك في الخطاب الذي ألقاه عام 1999 بعنوان «تقدمات الجامعة» حيث توقف أمام سؤال نهائي: «كيف بإمكاننا أن نبني في لبنان أمة واحدة ومتعددة تنطلق من مواطنية متمايزة بالمعنى الحديث للكلمة؟». وبهدف تحديد هذه المواطنية اللبنانية المتمايزة، يتوقف الأب عبو عند سلسلة عقبات ميدانية مستمدة من واقع التجربة المحلية وتتعلق بأسس الحياة السياسية في البلاد. فيقول: «تقابل المطالبة المسيحية بالعلمنة ،المطالبة الإسلامية بإلغاء الطائفية السياسية… لكن لن يكتب النجاح لأي منهما، لأن السلطات الدينية المسيحية والإسلامية ترفض علمنة نظام العائلة وتوحيده بإسم تصور مبالغ فيه للحرية الدينية، وخوفا من أن تفقد ما لها من سلطة على الدولة».

 

ثائرًا كان الأب عبو وجريئاً وواضحًا في طرح الأفكار التي تخضع للمنطق، والتي تعج بالمواقف والنصائح لرجال الدين والسياسة. المهم كان أن يفهم السامعون ماذا تعني مواقفه التي تتسم بالإقدام وصلابة التكوين الفكري. ففي ما يتعلق بتوحيد كتاب التاريخ كان واضحا في تحفظهالعملاني لا المبدئي على المشروع، على رغم أهمية هذه الخطوة في تشكيل الوعي السياسي الموحَّد للمواطنية الجديدة المنشودة والمفقودة في آن، ويقول في هذا المجال: «لا نرى في الوقت الراهن على الأقل، توحيداً لكتاب التاريخ يمكنه أن ينجو من التلاعب الإيديولوجي، إما لدأب واضعيه على إسدال الستارة على النزاعات ما بين الطوائف التي واكبت تاريخ لبنان، وكوّنت من باب المفارقة الشعور الوطني، وإما لتحويلهم مجرى التاريخ في اتجاه مطابق للمقتضيات السياسية الراهنة».

 

كانت الخصوصية اللبنانية قضية حياته. وفي دفاعه عنهالم يكن أقل جرأة وحسما،إذ اعتبر «أنه ليس للبنان، وهو البلد الديموقراطي الوحيد في الشرق الأدنى العربي، أن يتعلم أي شيء من جيرانه، في إدارة التعدّد الطائفي والتنوّع الثقافي اللذين يميّزان أمته». هذه المقاومة الثقافية التي أسسها الأب عبو ركزت على ضرورة تلاقي اللبنانيين على حقوق الإنسان لما تمثله من أرضية مشتركة من شأنها أن تعزز «النموذج النفسي» الذي يطبع اللبنانيين جميعا وفقا لمعطيات لبنان الجغرافية. وفي هذا السياق يقرأ الأب اليسوعي والأستاذ في الجامعة اليسوعية صلاح أبو جودة في مفهوم المقاومة الثقافية التي تفرد بها الأب عبو ويقول في أحدى مقالاته: «كان الأب عبو يدرك حدود الميثاق الوطني في صهر اللبنانيين وجعلهم بوتقة واحدة. وغالبا ما أثار أهمية إقرار قانون الزواج المدني بصفته مدخلا فعليا لكسر البنية الطائفية الجامدة التي تمنع المجتمع اللبنانيّ من دخول الحداثة. ونظرا إلى واقعيّته، كان يعلم أن عملية نمو وعي اللبنانيين هذين البعدين تتطلب مسارا تربويا طويلا. وانطلاقا من قناعته هذه، لم يكن يطيق أيّ انحراف عن محورية الميثاق – الضمانة لاستقلال لبنان وخصوصيّته، والأساس الذي يمكن عليه قيام لبنان المستقبل.

 

ويستعيد الأب أبو جودة شعارات التيارات القومية العربية التي برزت  أعقاب أزمة العام 1958، والتي نادت بضرورة تنقية العالم العربي من رواسب استعمار الغرب وتدخلاته. فكان الأب عبو يصرعلى التذكير في خطاباته بأن «التعرض لازدواجية ولاء لبنان الثقافي العربي – الغربي يعني نقض شخصية لبنان الثقافية الخاصة وضرب لبنان الميثاقي في صميمه، إذ إن إرادة العيش معا التي تُترجم في الميثاق هي على صلة عضوية بواقع لبنان الثقافي الخاص». ويخلص إلى القول «بالطبع  تبقى هذه الازدواجيّة سيفا ذيحدين: فمن جهة، تؤدي إلى تحسين مستوى المؤسسات التربوية والاجتماعية بفضل تلاقي عناصرها وتفاعلها لما هو خير هذه المؤسسات؛ لكنها في المقابل تثيرنزاعا إيديولوجيا على الظاهرة نفسها. فهل يكون الحل، إذا، بالقضاء على إحدى اللغتَين: العربية أو الفرنسية، وقد اكتسبت الأخيرة مكانة متزايدة الأهمية في الوسط المسيحي اللبناني بفضل عمل المرسلين والإكليروس المحلي؟».

 

مما لا شك فيه أن أثر ازدواجية اللغة حمل في طياته جوانب إيجابية وسلبية لكن من الضروري بحسب قراءة الأب أبو جودة مراعاة تعايشهما وتفاعلهما في إطار الميثاق الوطنيّ الذي لا ينفصل عن احترام شخصية الأمة اللبنانية الثقافية الخاصة. وبكلام آخر، لا يمكن فصل إرادة العيش معا عن وعي اللبنانيين لواقعهم الثقافي المميز. إذ من خلال التمسك بهذه الخصوصيّة، يمكن النظر بتفاؤل إلى المستقبل، أي إلى التطوّر التدريجي الذي يلحق بلبنان حقوق الإنسان والحرية الفردية. لذا، يجب الحفاظ على الميثاق الوطني الذي يوفر الإطار السليم لهذه الخصوصية، أيًّا كان الثمن.انطلاقا من ذلك لا يبدو مستغربا أن يتّسم خطاب الأب عبو المرتكز دومًا على أسس فلسفيّة وإنتروبولوجيّة متينة، وبجرأة لا تخلو من الحدّة والعنف أحيانًا، إزاء كل مشروع أو سياسة أو إيديولوجيا ترمي إلى القضاء على خصوصية لبنان، أو ضمه إلى كيان آخر، أو إلحاقه بسياسة خارجية، وجعله تابعا أو خاضعا لمرجعية خارجية.

 

ثار الأب عبو على ثقافة الصمت والخوف والخضوع التي بدأت تترسّخ في الوسط اللبنانيّ مع اكتمال الوصاية السورية على لبنان في أعقاب اتفاق الطائف، فانتقد في العام 1997 الخطاب الإيديولوجي الذي كان ينادي بتعريب الثقافة اللبنانية؛ وفي العام 1999، انتقد بشدة السيطرة السورية التي كانت تحاول إلغاء استقلال لبنان وخصوصيته، ودأب على شن حملات على الهيمنة السورية «التي ترغب في تطبيق مندرجات النظام السوري على لبنان بهدف «سورنته» نهائيا. ولطالما كررهذه المواقف في جميع خطبه، ولا سيّما تلك التي كان يلقيها لمناسبة عيد جامعة القدّيس يوسف أثناء تولّيه مهمات رئاستها (1995-2003)، وكان لهذه المواقف دورها الرائد في إيقاظ الوعي الوطني من سُباته، وإبراز أهمية المقاومة الثقافيّة التي تبقى أشدّ فعاليّة من سياسة كمّ الأفواه وإلغاء الخصم، وفرض التفكير الأُحاديّ، وتأليه القائد.

 

العروبة على حدود الإيديولوجيا

لطالما شدد سليم عبو على «التعددية الثقافية» واعتبر أن الثقافة العربية هي وجه من أوجه هوية لبنان وثقافته لكنها لا تشمل كل مكونات ثقافته. كان مقتنعا بضرورة تحليل القاموس السياسي والطائفي والثقافي اللبناني وتحديده، وإزالة الإزدواجية عنه يقينا منه بأنه سيساهم في تبديل السلوك الفردي والإجتماعي وتجنب الأزمات الحادة واللاعقلانية وصولا إلى بلورة الإنتماء التاريخي حتى يقوم على الحقيقة. ومثله القريب على هذه الحاجة الفكرية هو الجدل الذي أثاره مفهوم «التعددية» (plurarisme) و»الدولة التوافقية» (etat consensual) وهما مفهومان عاديان وردا في النداء الأخير «لسينودس الأساقفة من أجل لبنان» أواخر العام 1995. ويلفت الأب عبو في أحد خطاباته «المؤسف في هذا الجدل هو أن مفهوم «التعددية» لم يحدد بوضوح، علما أنه يرتبط في الفلسفة المعاصرة بمفهوم «العقلانية» و»الديمقراطية» الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وبات ملازما للتعبير عن الديمقراطية الذي يعني أساسا احترام الشخص».

 

وفي مسألة الأكثرية كتب عبو: «تطرح مشكلةالأكثرية في الدولة الديمقراطية مسألة الظلم والعدالة، والحل ليس سهلا. فالديمقراطية التي يرد ذكرها أحيانا في الصحف تحتاج إلى تحديد العدد ليس على أساس العدد الطائفي إنما عدد يتساوى فيه المواطنون على أساس عامل مشترك بينهم وهو العقل. وقد عالجت هذا الموضوع في محاولة بعنوان: «بين الديمقراطية المواثيقية والديمقراطية التوافقية» والفرق ليس بكبير بين «الميثاق» و«التوافق».

 

في مقال نشره بتاريخ 15-5-1995 في إحدى الصحف بعنوان «بين إلغاء الطائفية السياسية ومعقولية تاريخنا» طرح سليم عبو السؤال التالي: «هل يحقق هذا «الإلغاء» وهو أحد بنود الطائف- هوية لبنان أو يفقده إياها؟ وخلص إلى الإجابة عليه بالتالي: «السؤال مخيف، ولذلك لم يتحقق شيء منه منذ الإتفاق عليه في الطائف». من هنا ارتأى ضرورة فتح المجال أمام التحليل العقلاني بدلا من الإنجراف «لأهوائنا وميولنا». وفي هذا السياق اعتبر أن الطائفية التي وُضعت كضمانة للعدالة لم تنجح، حتى عملية إلغائها من دون أن تترافق بعملية روحية – ثقافية هي أيضا مخاطرة. ويورد في خطابه عن الطائفية: «إذا عدنا إلى هيغل، نراه يعتبر أن «الإلغاء» هو أيضا الإحتفاظ (في اللغة الألمانية) وينتج عن هذا الإلغاء في مفهومه الحقيقي السيطرة العددية الطائفية التي لا تتفق مع هوية لبنان المواثيقية، في المقابل فإن الإبقاء على الطائفية يُخرب السياسة اللبنانية وعقلانيتها. فأين الخلاص؟». ويختم: «أعتقد أنه لا يوجد أي مخرج لهذا التناقض بالوسائل السياسية المتعارف عليها. ولا أزال أذكر كلمة كوف دي مورفيل رئيس الوزراء في عهد شارل ديغول أمام مجموعة من حركة «كنيسة من أجل عالمنا» خلال زيارة رسمية له إلى لبنان في بدايات الحرب اللبنانية عام 1975 ، قال: «يجب أن تحسبوا للطائفية حسابا لا يقل عن 200 سنة». فهل نستنتج من ذلك أن الطائفية قدرنا التاريخي؟ لا أعتقد ذلك».

 

في كتابه «من الطائفية إلى كل لبنان» اختار سليم عبو الثقافة والروح في آن معا كوسيلة وحيدة لإلغاء الطائفية بشكل مباشر وإفراغها من محتواها، واستعان بكلام «هيغل» الذي اعتبر أن الطائفية عقدة قاسية جامدة ولا بد من تسييلها (Liquefier) وهذا يقود إلى تحرير المواطن من قيود الإنتماء إلى الطائفية ويذلل الحواجز امام الوحدة بين المواطنين. واعتبر أن الطائفة المنغلقة على ذاتها والجامدة تكون خاضعة للأحكام المسبقة غير المشروعة وحدد وظيفة كل طائفة انطلاقا من تاريخها وتركيبتها. وفي هذا الإطار يورد «الموارنة يمثلون وظيفة الحرية والإستقلال، والشيعة أقرب إلى وظيفة الوعي الإجتماعي والمشاركة الشاملة في حياة الدولة. أماالسنة فهم مهيؤون للإنفتاح على الدور العربي، من هنا يجب أن يكون التعاون بين الطوائف على أساس وظائفها المختلفة وتتعود كل منها احترام وظيفة الطائفة الأخرى فيتحرك لبنان ليصبح واحدا وشاملا، تكون فيه لكل طائفة وظيفتها من دون خطر إلغاء وظيفة طائفة أخرى».

 

اعترض الأب عبو على كل التركيبة السياسية التي انبثقت عن اتفاق الطائف، وما تفرع عنها من معادلات وتأصلت بعمق في الوجود الواقعي. ويورد في أحد خطاباته: «هوية لبنان قيد التحقيق منذ الأساس. فميثاق 1943 هو سلبي وخارجي، بمعنى أوضح «لا حماية غربية ولا اتحاد عربي»، وميثاق 1958 الذي عُرفَ بِشعار «لا غالب ولا مغلوب» ينهي سيطرة طائفة على أخرى. أما اتفاق الطائف فقد كنت أميل  إلى اعتباره «ميثاقا ثالثا» ثم تخليت عن هذا الرأي جزئيا ولمست أن معناه الأساسي يتمحور حول هدف واحد هو إنهاء الشر الأكبر: الحرب. أما الإيجابية في اتفاق الطائف فتتمثل في تثبيت عروبة لبنان ودفعه إلى فهم حرّ للعلاقات المميزة مع سوريا والتزام صادق بقضايا العالم العربي العادلة من دون النظر إلى موقف هذا البلد أو ذاك».

 

السؤال الوجودي الذي يُطرح مما تقدم، هل إن المعالم الكاملة للمواطنية المنشودة والمتمايزة التي طرحها الأب سليم عبو كمخرج للمأزق الذي لا يزال يتخبط فيه اللبنانيون خارج أسوار الجامعات هو تصور طوباوي؟ حتما لا. فالغوص في خطابات الراهب اليسوعي المقاوم ومواقفه التي يذهب فيها إلى حد الجرأة المتطرفة، تأخذك إلى روافد عديدة لكن القاعدة الثابتة كانت تنطلق مندور الجامعة وأهمية عملها في الدولة. من هنا كانت خطبه المعروفة بالجرأة والصراحة على مواجهة مشاكل لا يجرؤ كثيرون على مواجهتها تنطلق من صرح الجامعة اليسوعية وتحديدا في عيد شفيعها مار يوسف. كان همه أن يعي اللبنانيون حقيقة انتمائهم إلى تاريخهم، ليتمكنوا من تسمية واقعهم ومشاكله بدلا من أن يستمروا في حال من الإغتراب عن هذا الواقع ومشاكله وأن يكتشفوا ولو بكثير من الجهد خارطة العودة للإقامة في عالمهم الحقيقي. ويورد في هذا المجال: «الجامعة مدعوة بعد حرب طويلة إلى تزويد الطلاب عناصر ثقافة سياسية أكثر تجددا وحداثة ليكونوا على تواصل مع الوضع الوطني في خضم التحولات الحاصلة. ولحثهم على التفكير في ما تفترضه سلفاً التعددية الديمقراطية، وأنماط المواطنية المتمايزة ومبادئ حقوق الإنسان، أن يُكثف العمداء في كل حرم جامعي مناقشات دورية يفيد منها الطلاب وتتولاها شخصيات كفوءة وغير منحازة وحريصة على الموضوعية».

 

ثمة دلالات كثيرة في كل كلمة خطَهاالأب سليم عبو وقالها بجرأته المعهودة من على منبر الجامعة اليسوعية.لكن خلاصة شبه أكيدة يمكن تدوينها وهي أنه أدرك أن لا فائدة من إنجاز مطلق أية فكرة ما لم يشارك الجميع في تحديد أطرها شرط أن يتلازم التنوع الفكري والتنوع الثقافي.

هذا هو لبنان الذي أراده سليم عبو… لبنان الوجودي الذي لا يموت.

 

البروفسورة طعمه: شعلة أنتروبولوجيا الأب عبو ستبقى مضاءة

عام 1977 أسّس الأب سليم عبو كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة وظلّ عميدها حتى العام 1992. قصة التأسيس ترويها البروفسورة في الأنتروبولوجيا والخبيرة لدى الأونيسكو للتراث الثقافي غير المادي* في جامعة القديس يوسف آني طعمه تابت. «كنت طالبة في كلية الآداب – قسم السوسيولوجيا والأنتروبولوجيا – وتتلمذت على يد الأب سليم عبو، وعدد من الأساتذة أذكر منهم كاري كرامي، وقد سعوا لتدريسنا مادة الأنتروبولوجيا التي تعتمد على تنمية شعور الإنتماء والهوية. مررنا بظروف صعبة وتم إدخال مفهوم السوسيولوجيا والعلاقات العامة إلى القسم.

 

بعد تخرجي بدأت في تدريس المادة وسعينا الأب عبو وأنا لتأسيس قسم  الأنتروبولوجيا في أواخر التسعينات. ونجحنا في ذلك خصوصا بعد الإستعانة بعدد من الأساتذة الذين حضروا من فرنسا لتدريس هذه المادة. لكن انحسار عدد الطلاب نتيجة السعي لنيل ديبلوم يسهّل عليهم الإنخراط في سوق العمل سريعا حتَم إقفاله. وبقيت الأنتروبولوجيا تُدرَّس كمادة وليس اختصاصا في حد ذاته».

 

تحرص البروفسورة طعمه اليوم على نقل مفهوم الأنتروبولوجيا الذي كان يُعلِّمه الأب عبو. وتقول: «الأب سليم عبو أعطانا الضوء الأخضر للإنطلاق في تدريس هذه المادة التي تدخل في صميم الواقع اللبناني واليوم نعود إلى تعاليمه لتعزيز روح الإنتماء الوطني لدى الجيل الشبابي الجامعي وإخراجه من التقوقع الطائفي. وتستعد حاليا لتدريس مادة «الأنتروبولوجيا الثقافية» التي كان يدرسها الأب عبو.

 

لا تسترسل البروفسورة طعمه في سرد ذكرياتها عن الأب عبو وتكتفي بالمحطات العلمية التي عاشتها معه: «كان المشرف على أطروحتي وفي نفس الوقت كان الأستاذ وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية ورئيس الجامعة اليسوعية. وكان يصغي إلينا ويحاول إيجاد الحلول للمشاكل التي كانت تواجهنا بالقدر الممكن لأن المهم عنده الوصول إلى الهدف المتمثل في تنمية العلوم الإنسانية وخصوصا مادة الأنتروبولوجيا في الكلية. وتضيف:« كمفكر كان استاذا محاضرا في مادتي الفلسفة والأنتروبولوجيا وتميّز بالإنفتاح على قضايا التنوع الثقافي والتثاقف بعيدا من التقوقع الطائفي والتسلط الفكري. وكإنسان تميّز بالإصغاء للآخر على رغم انشغالاته ومسؤولياته الجامعية والفكرية وكان باب مكتبه مفتوحًا أمام الجميع فكان يستمع إلى مشاكل الطلاب والأساتذة ويسعى جاهدا لإيجاد الحلول».

 

وماذا عن الراهب اليسوعي؟ تجيب البروفسور طعمه: «كان منفتحا ويرفض إعطاء دروس في الدين أو النقاش في قناعات الآخر. على العكس كان رجل حوار ومنفتحا على الجميع». وعن علاقاته مع رجال السياسة تؤكد أنه على علاقة جيدة مع غالبية السلك الديبلوماسي والسياسيين الذين تأثروا بخطبه. لكن ثمة علاقة صداقة مميزة كانت تربطه بالراحل سمير فرنجية وهو الذي أدخله إلى محافل السياسة اللبنانية وعرفه على عدد من رجالات السياسة في لبنان».

 

بصمات كثيرة طبعها الأب عبو بعد رحيله لا سيما في كلية الآداب والعلوم الإنسانية «كان يتمتع بشخصية مميزة وكاريسما أثرت في عدد كبير من الطلاب والأساتذة وحتى رجالات الفكر والسياسة لكن الإرث الأكبر يبقى في تعاليمه وخطبه التي تميزت بالجرأة والعمق الثقافي». وحفاظا على الإرث ووفاء للأمانة التي تسلمتها من الأب عبو تعهدت طعمه أن تحمل شعلة الأنتروبولوجيا وتُبقيها مضاءة من جيل إلى جيل كما حلم البروفسور سليم عبو وكان له ما أراد بفعل إصراره وجرأته وعمقه الفكري والثقافي».

 

* أطلقته الأونيسكو عام 2003 ضمن اتفاقية ويعنى بالعادات والتقاليد والفولكلور

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل