الأب سليم عبو و”حكاية بطل”

كتب إيلي طوني الياس في “المسيرة” – العدد 1692

 

نظريات كثيرة اعتمدت على فكرة التفسير البطولي للتاريخ وأهمها نظرية سدني هوك وتوماس كارلايل ماكس فيبر وفردريك نيتشه وتوماس هوبز وهيجل وفولتير وغيرهم. توماس كارلايل (1795-1881) يعتقد ان التاريخ هو الرائد في التفسير البطولي، هو عبارة عن سير العظماء وسجل لأعمالهم الأسطورية التي تشكل مادة ثرية لهواة السير الذاتية. ويعتقد كارلايل أن كل الفضل يعزى إلى ابطال من نوع خاص أعدتهم العناية الإلهية إعداداً خاصاً كي يجعلوا للبشرية معنى ومن دونهم ليس إلا الفوضى.

 

أكثر من حاول شرح نشأة صورة «البطل» عند المجتمع المسيحي في لبنان هو الأب اليسوعي البروفسور سليم عبو. عادة في القصص الأبطال لا يموتون ولكن عند قراءة كتاب Béchir Gemayel ou l’esprit d’un peuple للأب سليم عبو تتوضح للقارئ كيف أنه بعد يوم من إغتياله أخذ بشير الجميل عند معظم اللبنانيين مكانة البطل الوطني وكيف حظي باعتراف شعبي وعفوي واستثنائي.

سعى الأب عبو جاهدًا لدرس شعبه كانتروبولوغ. حاول إبراز وتوضيح كيف تمكن المجتمع المسيحي اللبناني، وفي حالة الأزمات، إبان الحرب اللبنانية، إجتراح قيادة له وإنتاج «بطل». يستند في تحليله هذا على العديد من المصادر وعلى متابعة دقيقة لردود فعل المجتمع اللبناني منذ لحظة الاستشهاد حتى يوم الجنازة.

 

أبرز ما جاء في تحليل الأب عبو:

عاش المسيحيون قمة الأمل في انتخاب الرئيس بشير ووصوله الى سدة الرئاسة، أما المسلمون فالأمل عندهم كان بما قام به وقاله بشير بعد انتخابه، أي في 21 يوما.

خطابات بشير الجميل خلال الواحد والعشرين يوما، أي بعد انتخابه، تركزت حول فكرة إسترداد السيادة الوطنية، فكان ذلك هاجسًا عند بشير. فمقولة: «نحن لا نتخلى عن شبر واحد من ال10452 كلم مربع باتت شعار الوطنية وصار يرددها الأطفال عند مداخل بيروت مسيحيين كانوا أم مسلمين.

لذلك ليس من المستغرب أبدا أن يُعرف بشير بـ«شهيد ال10452» (هذا الرقم الذي وضع على شكل باقة ورد على قبره في بكفيا).

الجسم السياسي والصحافي لم يستطع استيعاب الصدمة. في اليوم التالي لاستشهاد البشير كانت عناوين الصحف:

لا الشيخ بشير لم يمت!

من الصعب علينا نسيان بشير!

يصعُب علينا تصديق موت بشير!

بشير الجميّل، الرجل والأسطورة ينتميان إلى الشعب اللبناني!

والصحافة هي أيضا إنعكاس لمزاج وآراء الشارع الذي عبّر بشكل واضح عن تقبّل فكرة موت البشير، أو البطل. والدليل على حالة الرفض هذه رفض الشعب لوفاة قائدهم.

تجسد عدم تقبل وفاة بشير بالشائعات التي أكدت أن بعضهم رأى بشير خارجًا من المبنى بعد الإنفجار، أو نقله الى خارج لبنان للعلاج.

كان رفض موت بشير، ثورة تواجه القدر، وما كلمة الرئيس الياس سركيس عند وفاة بشير إلا تأكيدًا على هذه الفكرة: «إستشهاد بشير أصاب لبنان، ولكن لبنان سيبقى حيا بوفائه  لذكرى بشير وخطه السياسي».

إن الجمال والصفات السامية هي التي يستمد البطل منها قوته،  فعبارة «رجل خارج المألوف» التي وُصف بها بشير ليست إلا تأكيدًا على هذه النظرية، نظرية البطل.

البطل كان من دون شك إنساناً، وللإنسان نقاط ضعف، لكن الوعي الأسطوري يبقى معه ويتصرف بحسب ذلك الوعي: البطل يقلق.  يتميّز البطل ليس فقط من خلال فردويته بل من القيم الأخلاقية غير العادية التي يملكها.

يتحدث عبو عن صفة الألم، فيقول إنه لم ينحصر فقط بمن عاش يوميات إستشهاد المقاتلين، رفاق المقاومة، بل الألم الأسمى والأعمق لدى الرأي العام كان حزن بشير على ابنته بعد استشهادها إثر إنفجار كان يهدف لقتله. فقد كان رد بشير على هذه الحادثة: «على رغم إستشهاد مايا أطلب منكم اعتبارها كإبنة إحدى العائلات التي قدمت 5000 شهيد للبنان».

وفي فكرة أخيرة لميزات البطل، يتوقف الأب عبو عند الربط بين إغتيال بشير وصليب لبنان: «علّق صليب لبنان وعليه بشير الجميل»، ليثبت أن إستشهاد بشير الجميل أضحى في الوعي المسيحي مرتبطاً بمعيار ديني: فبالنسبة للمسيحيين، لم يكن من باب الصدفة إستشهاد بشير في يوم عيد الصليب، كما ليست صدفة وفاته عن عمر 33 سنة. هنا يكون بشير حقق الميزة الأهم بدخوله الوجدان الديني.

يختم الكاتب في تحليله عن صورة البطل، بقوله إن بشير كان جاهزًا للتضحية في سبيل لبنان، مستخلصًا أن تضحية بشير هي تعهد وذبيحة للقيامة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل