إلى “الشراكة” وإلا الانهيار

منذ فترة طويلة والاقتصاد اللبناني يعمل من دون طاقته الانتاجية. الدولة عاجزة وميزانيتها خاوية، الدين العام يتراكم، الاقتصاد يحتاج الى الكثير من التحفيز، البنى التحتية تآكلت على مدار السنوات السابقة، الاستثمارات تراجعت، الفقر والبطالة ارتفعا، والأزمة السورية “مكانك راوح”.

أكثر الأمور إلحاحاً تأهيل البنى التحتية من الكهرباء الى المياه والاتصالات والنقل والصرف الصحي والنفايات فمطار رفيق الحريري الدولي، وغيرها الكثير من القطاعات. مؤشر التنافسية العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي صنّف لبنان في المرتبة 116 عالمياً من حيث البنية التحتية الشاملة، بمعنى أن 85% من دول العالم تملك بنية تحتية أفضل من لبنان، لكن العجز المالي المتزايد منع الدولة من تنفيذ مشاريع إعادة التأهيل لتلبية حاجات السكان ودعم النمو الاقتصادي، فما السبيل؟

لم تعد الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تنفيذ مشاريع البنية التحتية خياراً، بل باتت ضرورة ملحة وتحديداً في حالة لبنان. وإذا كان القطاع الخاص يبحث عن فرص جديدة للاستثمار، إلا ان القطاع العام يبحث أيضاً عن تمويل للمشاريع وإدارة جيدة.

بدأت عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص PPP – Public Private Partnership، في تسعينيات القرن الماضي، وهي ترتيب تقوم من خلاله الدولة بالتعاقد مع القطاع الخاصّ لتنفيذ مشروعات عامّة مختلفة.

تهدف الشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى تغيير نشاط الحكومة من تشغيل البنية الأساسية والخدمات العامة إلى التركيز على وضع السياسات لقطاع البنية الأساسية ووضع أولويات لتنفيذ المشاريع فيها، كذلك مراقبة مقدّمي الخدمات بغية تحسين نوعيّتها ورفع جودتها وإدخال الكفاءات الإدارية والقدرات التمويلية لدى القطاع الخاص وإشراكه في تحمل المخاطر.

تحقق هذه الشراكة قيمة أفضل مقابل النقود في ما يتعلّق بالإنفاق العام من خلال السعر الأمثل للعميل على أساس التكلفة خلال مدّة العقد.

بالعودة الى الوضع اللبناني، لا شكّ أنّ الاستثمار في البنية التحتية سيضع البلاد على سكّة النمو مجددًا، والتشارك بين القطاعين سيحفّز الاقتصاد، لتصل نسب النمو خلال أربعة أعوام إلى ما لا يقلّ عن 6 الى 7 %، إضافة الى توفير فرص عمل لحوالى 200 ألف لبناني في 5 سنوات.

مؤتمر “سيدر”، لحظ بدوره ضرورة الشراكة بين القطاعين العام والخاص كحل للتمويل، بما نسبته 35% من المشاريع أي بقيمة 5 مليار دولار. وفي صيف العام 2017، أقرّ مجلس النواب، بالإجماع، قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فما اهمية هذه الشراكة محلياً؟

 

القطاع الخاص يموّل ويدير والدولة تراقب

يشدد الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة على أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص باتت إلزامية للبنان، لأن الدولة اللبنانية لا تملك قدرة الاستثمار، وباتت مضطرة للتشارك مع القطاع الخاص الذي يملك المال.

ويلفت في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني الى أن القطاع الخاص اثبت نجاحه في إدارته للعمل الذي يتولاه، فيما المشكلة مع الدولة، أن لا أحد قادراً على “دفشها” الى الأمام، معطياً مثالاً على ذلك، “يمكن لمشروع طريق تنفذه الدولة أن يستغرق 4 الى 5 سنوات، من دون أن يرف جفن أحد من المعنيين، بينما إذا كانت شركة خاصة مولجة بتنفيذ أعمال هذا الطريق، ستدخل المنافسة والمحاسبة، وستكون العملية مختلفة”.

ويرى أن القطاع الخاص يؤمن المال ويخلق أجواء تنافسية لخدمة أكبر واستثمارات أكثر، فيما الدولة في الشراكة تلعب دورها الرقابي الطبيعي، مؤكداً أن “الشراكة” تساعد الاقتصاد اللبناني على النهوض، وسيلمس اللبنانيون نتائجها السريعة على الأرض، عكس ما يجري في المشاريع التي تنفذها الدولة.

وإذ يشدد على أن هذه “الشراكة” ليست حلا سحرياً، يذكّر بأنها حل موجود منذ وقت طويل، لكن لبنان امتنع عن اتباعه، ويضيف، “هذه شراكة، وليس تملكاً للمرفق العام. على القطاع تنفيذ الاستثمارات وتقديم الخدمة العامة كما يجب، وعلى الدولة المراقبة، وبعد انتهاء العقد، تعود الدولة لتدير المرفق المعني”.

يوضح الخبير الاقتصادي وجود نموذجين متضاربين في العالم؛ الأول، عندما تملك الدولة المرافق وتديرها وتستثمر وتنفذ المشاريع فيها وهذا دليل غير سليم، والثاني عندما تخصخص الدولة مرافقها من دون رقابة، وأيضاً هذه علامة غير صحية. ويشير الى أن العالم اتجه اليوم نحو الشراكة بين العام والخاص، من خلال الطلب من القطاع الخاص استثمار المرفق العام، وعندما ينتهي عقد التشغيل بين الشركة الخاصة والدولة، يعود المرفق الى الدولة.

ويتابع، “في هذه العملية، لا يستطيع القطاع الخاص التمادي لأنه ملتزم بعقد مع الدولة، يتضمن الصيانة والتشغيل والاستثمار، على أن تقوم الدولة بالرقابة”، مؤكداً على أن هذا الحل هو الأنسب في لبنان والعالم. ويشدد على ان الشراكة بين القطاعين العام والخاص بحاجة الى آلية للتنفيذ، عبر قانون خاص للمناقصات.

 

إدارة الدولة لمرافقها سيئة ولا تملك المال

الخبير الاقتصادي الدكتور غازي وزني يلفت بدوره الى أن لكل بلد ميزاته ومواصفاته، فالشراكة بين القطاعين العام والخاص، كما الخصخصة، نجحتا في بلدان وفشلتا في أخرى.

ويوضح في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني أن مالية الخزينة العامة ضعيفة وكلفة الاستدانة مرتفعة، وإدارة الدولة للمؤسسات العامة لا سيما الخدماتية منها، ليست فعالة، معتبراً أن لبنان يعاني اليوم من أزمة معيشية وحياتية واقتصادية.

ويشدد على أن إمكانات الخزينة الصعبة وأزمة سوء ادارة الدولة لمرافقها، يحتمان الذهاب الى الشراكة مع القطاع الخاص في المشاريع التي تتعلق بالحياة اليومية كالكهرباء والمياه والصرف الصحي، ولكن بطريقة سلسلة وليس على عجل، كي لا يدخل لبنان في مشاريع بغنى عنها حالياً، وانعكاس ذلك على البيئتين المالية والاقتصادية.

ويتوقف وزني عند الخصخصة مفرّقاً بينها وبين “الشراكة”، ويعتبر أن المناخ الاستثماري العالمي ليس ملائماً للسير بالخصخصة، لكن بعد شراكة القطاعين، وإثبات نجاح هذه الخطوة، يمكن للبنان أن يذهب الى تحرير قطاعات معينة، كالاتصالات مثلاً، وعندها تدخل شركات إضافية خط المنافسة، وهو أمر جيد.

وزني يدق ناقوس الخطر، وبرأيه امتناع لبنان عن الدخول في “الشراكة” يعني الانهيار المالي والاقتصادي، ويتابع، “كل البنى التحتية في لبنان بحاجة الى إصلاح وبالتالي الى استثمارات، فيما الخزينة العامة عاجزة، والاستدانة ستكون مرتفعة وبفوائد تتراوح بين 11 و15%. وفي حال تمكنت الدولة من إيجاد مصادر تمويل واستدانة إضافية، نكون أمام زيادة العجز اي زيادة المخاطر وبالتالي زيادة معدلات الفوائد. كلفة الاستدانة سترتفع وتبعاتها ستكون كبيرة على المالية العامة ولبنان قد لا يتمكن من تأمين التمويل لإصلاح بناه التحتية”.

يتوقف عند إدارة لبنان السيئة للمرافق العامة ويذكّر بالمحاصصة والهدر والمحسوبيات وغياب الرقابة، “من هنا ضرورة إشراك القطاع الخاص والمراقبة الدولية على المشاريع والمناقصات”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل