الأحكام الجائرة

في زمن مضى ولم يقضِ، زعموا بوجود غابة مقدّسة، وفيها حرّاس لا ينعسون. اتّفقوا في ما بينهم حماية هيكلها المقدّس. حتّى صار الكلّ يعرفهم بـ”جماعة حرّاس الهيكل المقدّس”. وعندما لم تكترث إدارة البلاد لأهلها وناسها، تداعوا في ما بينهم وقرّروا حماية أنفسهم بأنفسهم. ونصّبوا من بينهم “حكيمًا” ليقودهم نحو الكون الذي يحلمون به.

ولمتابعة شؤون وشجون النّاس، ولنقل صورتهم الحسنة للمجتمع الذي يحيطهم من قريب ومن بعيد، بنوا على رأس جبلهم المقدّس قبّة من خشب الأرز، وجعلوا منها أيضًا مكانًا مقدّسًا لأنّهم شيّدوها على رفات آبائهم وأجدادهم. وتعمّدوا في هذه القبّة بثّ أخبارهم. فوصلتهم بالعالم الخارجي. وبذلوا في سبيل بقائها مصانة خيرة شبابهم الذين سقطوا شهداء للدّفاع عن وجودهم ووجودها، وبقيت القبّة حرّة.

وفي ليلة ليلاء، لمّا لم يتقبّل ناس هذه البلاد كلّهم قيادة “الحكيم”، تآمروا عليه وكلّفوا أقذرهم بتدمير هيكلهم المقدّس. واتّهموا الحكيم بتدمير الهيكل، وهو حارس أوّل من حرّاسه، فزجّوا به في السّجن. وما كان من مدبّر هذه القبّة إلا أن استلم إدارتها وتعهّد أمام الرّبّ وأمام رفاقه، حرّاس الهيكل المقدّس، بتسليم الأمانة عند خروج الحكيم من معتقله.

ومرّت السنون وبفضل صمود رفاق الحكيم، والتزامهم بقضيّة الدّفاع عن غابتهم المقدّسة لتثبيت قيم الحرّيّة والعدالة والمساواة فيها، خرج الحكيم من معتقله. وعندها، أتاه الذين استلموا منه الوزنات التي أوكلهم بها، وأرجعوها إلى جماعة حرّاس الهيكل المقدّس أضعافًا مضاعفة، إلّا واحدًا منهم، وهو الأهمّ، مدبّر القبّة المقدّسة. ولمّا كان المدبّر طمّاعًا بمال هذه الدّنيا، ولا يملك من الايمان مقدار حبّة خرذل، وعندما سأل عنه “الحكيم” أعمله الحرّاس بأنّه يدّعي بأنّه صاحب القبّة وله وحده الفضل بما وصلت إليه من جاه وزُخرُفٍ في البناء.

عندها قرّر الحكيم وحرّاس الهيكل معه نقل شكواهم على المدبّر الذي من المفترض أن يكون أمينًا، إلى قاضي عدل الغابة المقدّسة. ولمّا عرف الحكيم أنّ قاضي العدل هذا قد تمّ تعيينه من قبل الذين تآمروا عليه، واتّهموه بتدمير الهيكل المقدّس في الفترة التي سُجِن بها، لم يستبشر خيرًا. لكنّه رفض أن يتعاطى مع من كان المدبّر إلا وفق ما يمليه عليه قانون الغابة المقدّسة.

وبعد أكثر من سنين عشرة طال انتظارها، أصدر قاضي العدل حكمه مسقطًا حقّ حراس الهيكل بملكيّة القبّة المقدّسة من دون أن يستند إلى أدلّة وقرائن قانونيّة بحسب أصول القانون المقدّس. لا بل الأكثر من ذلك، وجّه إدانة إلى حرّاس الهيكل وحكيمهم يتّهمهم فيها بتولّي الشأن العام يوم سقطت الغابة المقدّسة بأيدي جيرانها الأشرار الذين أرادوا تحويلها إلى مرتع لأقدامهم، متناسين يومذاك أنّ ربّ القوّات السماويّة قد زارها وبارك أرضها، فدحرهم وقتها حرّاسها وعادوا خائبين إلى قبورهم.

عندها اجتمع الحكيم مع حرّاس الهيكل وقرّروا نقل شكواهم إلى قاضي القضاة الذي لم يستجب لشكواهم. فلم يستسلموا. أوفدوا منهم حارسًا يعرَف بلقب “البشير” لقدرته على التّبشير، لينقل إلى ربّ القوّات السماويّة الحكم الجائر الذي لحق بهم، ولمّا استمع إلى شكواه طمأنه قائلا له:

“بلّغ رفاقك حرّاس الهيكل وحكيمهم، أنّ القبّة المقدّسة قد بنيتموها على رفات آبائكم وأجدادكم، وحصّنتموها بدماء من سبقكم من حرّاس للهيكل، وكنتم أمينين على الكثير الكثير. لذلك كلّه، هذا المدبّر أنا سأتولّى شأن ضميره الذي يصلبه كلّ ليلة على صليب من الخيانة والخزي والعار، وهو سيسقط من سجلات المدبّرين الأمناء. والأمانة التي استلمها ستعود إلى حرّاس الهيكل لأنّها إرادتي وليست إرادته ولو كانت بإدارته. ولن يصحّ إلى الصّحيح فمملكتي قائمة على الأحكام العادلة وليست لبناتها على الأحكام الجائرة”.

عندها عاد “البشير” وعادت معه الأمانة إلى حرّاس الهيكل. ومن له أذنان للسّماع فليسمع ويتّعظ.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل